المقالة

الوصف

عاشور الأطرش

من أعمال التشكيلية نادية العابد

يَتَحَرَّجُ القلمُ حينًا، ويندفعُ أحيانًا في الوصف … قَلَّ أن تجد وصفًا دقيقًا، الانحياز اللاَّ إرادي يتسرّب إلى المداد فيكسبه من ألوان الطّيف ما شاء له؛ فيبدو جليًّا أنّ شيئًا ما دَاخَلَهُ دون قصدٍ أو عمدٍ.

 اقرأ ما شئتَ من حالات الوصف لتقفَ على بعضها وقد تلألأ، والبعض الآخر قد دخل نفق الظلمة حتى غاب أي بصيص يوحى بنهاية النفق. فالوصف إذن يمرّ عبر دروب النفس الماطرة حينًا والصافية أحيانًا، المرعدة حينًا والساكنة أحيانًا. وولوج النفس في الطبيعة يكسبها دفئها وبرودتها واعتدالها كذلك.. لا شيء خارج الطبيعة.. ولا شيء خارج النفس إلاّ تلك الخواطر النَّاتِحَة منها؛ هذه على أوراقها وهذه على لسانها وصفحاتها.

 ويأخذك الوصفُ إلى شوارع غاصتْ فيها الأقدام.. وغابات اصفرَّ ورقها ولَمَّا يحلّ خريفها.. ووجوه تائهة شحبتْ رغم وفرة الكلأ، وعلى جانب آخر يأخذكَ إلى جنانٍ عبقة.. ونظرات نضرة.. وخطًى تتسابق مع الوقت ومع العمر.. هنا يبرز فضاء التأويل، فالوصف مدخل إلى الذاكرة وسردابها، بالوصف يمكنك التقديم والتأخير.. والولوج والخروج.. والحَطّ والرّفع.. والمدح والقدح. أو قل ما شئت من القول.

جملة موصوفة محبوكة تُغنيكَ عن قطعة مرصوصة دون وصف.

وجمال الوصف من جمال السريرة، وقبحه من قبحها إلاّ إذا كان ما يوصف قبيحا فهنا ليس من البدّ بدّ. وإذا أردت أن تعرف سِرّ الأسْر فقف على روعة الوصف؛ إنه قيودٌ لا تبدو.. وحصارٌ لا يُرى.. وتخدير من دون وخز. لا تشعر بشيء من ذلك، فالوصف شوَّقكَ برغبتكَ ونهمكَ إلى ما يريدُ الواصف.. هنا مكمن السِّرّ. كما أنّ الوصف لا يُعجز الحروف والكلمات، ولكنه يُعجز اللسان ولا يسعفه فتكتفى بالنظر المَأْسُور هو الآخر، وتتعطّل لغة الكلام ولغة العينين.

وقَلَّ أن يتّفق واصفٌ مع واصفٍ، فالأداة واحدة ولكن محرِّكها يختلف، وهنا لا لَوْمَ على المداد أو ألوان الطَّيف.. فالموصوف قد يسحر الواصف.

2014/4/8م

مقالات ذات علاقة

زمن إهدار الحياة

أحمد إبراهيم الفقيه

موجة حب الى الكدوة

منصور أبوشناف

الشخصية الليبية “قشوط” نموذجا

خالد درويش

اترك تعليق