متابعات

إضاءات على تاريخ دور العرض في ليبيا

الطيوب : متابعة وتصوير / مهنّد سليمان

محاضرة بعنوان (دور العرض في ليبيا / 1911-1979) للأستاذ “مراد الهوني”

أقام المعهد العالي لتقنيات الفنون بطرابلس بالتعاون مع منتدى أصدقاء المسرح والجمعية الليبية الإيطالية للثقافة والفنون محاضرة بعنوان (دور العرض في ليبيا 1911-1979) ألقاها الأستاذ “مراد الهوني” وقدمتها الأستاذة “أمل بن ساسي”، وذلك يوم الخميس 21 إبريل الجاري، وافتتح الأستاذ “عبد الرزاق العبارة” المحاضرة بكلمة ترحيبية، وتناول الأستاذ الهوني من خلال عدة محاور تاريخ نشأة صالات العرض السينمائي في ليبيا وانتشارها ودورها الثقافي والسياسي الذي مارسته في المجتمع الليبي طيلة عقود طويلة من الزمن وصولا لمرحلة تأميمها لصالح المؤسسة العامة للخيالة عام 1979م، وذكر المحاضر إلى أن دور العرض أوان ذاك الزمن شكلت عاملا مؤثرا في حياة الناس وسلوكهم وتفكيرهم وعاداتهم واتجاهاتهم ونظرتهم للحياة لما تبثه وتنقله صناعة السينما من معلومات وأفكار ومشارب ثقافية مختلفة وبالتالي يمكن اعتبارها نافذة مهمة على المعرفة والثقافة والترفيه في أي بلد من بلدان العالم، وتابع إنه وفق هذا الأساس فإن الحديث عنها وعما مثلته في حياة الليبيين سيكون حديثا ممتعا وشائقا.

أول دار عرض بقوس ماركوس أوريليوس (سينما توغراف باب البحر)

فيما لفت في مستهل حديثه بأن الحديث عن السينما في ليبيا في محاضرة كهذه لن تكون إحصائية موضحا إنه ليس بصدد احصاء عدد دور العرض الليبية بقدر ما سيلجأ لما سماه حسب تعبيره للإسقاطات معينة، مردفا أن أول ما يتبادر للذهن حين نتطرق لموضوع السينما في ليبيا هو دار عرض كبرى مقابلة للبحر، لذلك غالبا ما تتم الإشارة إلى دار عرض قوس ماركوس أوريليوس حيث قدم فيها أول عرض سينمائي صامت رغم اختلاف البعض للتاريخ الفعلي لتلك العروض فالبعض يرجعه لعام 1908م بينما البعض الىخر يشير لعام 1911م كبداية حقيقية لنشوء دور العرض و منهم الأستاذ سعيد حامد فى كتابه ( قوس ماركوس أوريليوس فى طرابلس ) والذي أشار إلى أن القوس استغل فى بداية الاحتلال الإيطالى كدارعرض للخيالة ( سينما ) حتى تاريخ 27 مارس 1912م و هو اليوم الذى بدأت فيه بأوامر من الحاكم الإيطالي آنذاك لقطاع طرابلس ” كانيفا” أعمال الشروع فى التنقيبات الأثرية وإزالة المباني المحيطة به بعد أن تم شرائه من أسرة القروني المالكة له أى أن المدة الزمنية لعمل هذه الدار لم يتجاوز الأربعة أو الخمسة أشهر على وجه التقريب إذا افترضنا بأن شهر نوفمبر من عام 1911م كان هو تاريخ بداية العروض الصامتة فيها و على هذا الأساس فربما تكون آلات العرض المستخدمة فيها قد تم استقدامها من قبل الايطاليون غداة غزو طرابلس و ذلك للترفيه عن جنودهم.

الاختلاف على تاريخ العرض الأول
وأضاف إنه لا يُعرف على وجه الدقة المؤجر الحقيقي لهذه الدار ففي حين يذكره البعض على إنه من الرعايا الإيطاليين بالمدينة القديمة ويؤكد البعض الآخر على أن صاحب تلك السينما من مالطييي المدينة القديمة و يذكره الأستاذ “نور الدين النمر” فى إحدى مقالاته حول هذه السينما بأنه من عائلة سالينوس المالطية وهي على حسب زعمه عائلة قديمة من سكان طرابلس و لم أجد خلال بحثي ما يؤكد هذه المعلومة بالرغم من تطابقها مع ما ذكره الأستاذ مختار دريرة فى محاضرة له عن قوس ماركوس أوريلوس حتى وجدت إشارة فى كتاب للسيد “روميو تشيني” و هو أحد مالطييي المدينة القديمة إذ ترجع أصول أسرته فيها إلى عام 1850م فأاشار فى كتابه المعنون بـ( حياتنا ) إلى أن السيد “الفارس جوزيبىي أبيلا سالينوس” هو رجل أعمال مالطي قدم إلى طرابلس فى العشرينيات من القرن الماضي و هو الذى قام بعد ذلك ببناء مسرح الميراماري و أول ملعب رياضي بمدينة طرابلس و ربما لهذا السبب التبس الأمر على الدكتور نورالدين و غيره فى نسب ملكية سينما توغرافو باب البحر إليه و المؤكد أن تشينى فى كتابه عن نشاطات الجالية المالطية بطرابلس لم يشر لا من قريب و لا من بعيد لفرضية تشغيلها من قبل أحد المالطيين وبالتالى الاستنتاج الحقيقي هو فى قيام أحد الإيطاليين أو السلطة التى أعقبت إحتلال طرابلس بتشغيلها فى تلك الفترة الزمنية و عليه سيظل هذا السؤال يطرح نفسه من جديد كلما أردنا الحديث عن نشأة السينما فى ليبيا.

صالات العرض السينمائي فى عهد الإحتلال الايطالي 1911-1943

من جانب آخر أوضح المحاضر أن الباحثين لم يتطرقوا و من كتب عن تاريخ السينما في ليبيا لأى ذكر عن دار للعرض السينمائي غداة الإحتلال الايطالى لليبيا فيما عدا الإشارة كما أسلفنا عن دار عرض باب البحر والتى تزامنت بدايتها مع بداية الغزو وأغلب دور العرض التي وجدت بعد ذلك التاريخ و حتى عام 1943م قد بنيت على قلتها فى فترات زمنية متباعدة و تركزت فى مدينتى طرابلس و بنغازى وإن انتشرت فى مدن ومناطق أخرى شهدت تواجد للمستوطنين فيها ووفق توجيهات الإدارة الإيطالية حينذاك وخاصة بعد وصول الحزب الفاشي إلى الحكم فى عام 1922م و اهتمامه بالسينما كأداة من أدوات الدعاية الفاشستية حيث اقتضت الضرورة بناء عدد من دور العرض فى مناطق مختلفة من البلاد لكى يعرض فيها الأشرطة الوثائقية لاغراض الدعاية الفاشية أو الأفلام الاستعراضية الممجدة لدور روما فى بعث الحضارة فى المستعمرات الجديدة و شهدت هذه الفترة نشأت بعض دور العرض وأغلب هذه القاعات هي فى واقع الحال مجرد فضاءات أو مخازن أو أكشاك استغلت كما هي و لم يطرأ عليها أي تغيير اللهم إلا تزويدها بشاشات و آلات للعرض وفي المجمل كانت فى حالة متواضعة لا يوجد في بعضها مقاعد للجلوس بل جهزت آرائك خشبية (أبناك) كسينما الهلال وسينما إيطاليا ببنغازي التي أنشئت فى العشرينيات من القرن المنصرم.

مسرح الميراماري

كما أشار المحاضر إلى أنه ومنذ منتصف العشرينيات و حتى الثلاثينيات شهدت البلاد طفرة فى انتشار دور العرض هذه إلى جانب الخواص والذين كانوا في أغلبهم من الإيطاليين و منهم “جوزيبي سالينوس” الذى قام ببناء مسرح الميراماري الذي أشرت إليه فى محاضرتي السابقة كمعلم حضاري أضاف إلى مدينة طرابلس وجها آخر حيث كان مسرح الميراماري بمقاييس ذاك الزمن تحفة معمارية شيدت على مساحة 2964م مربع بطراز موريسكي جميل من تصميم المهندس المعماري ( أوريستي فروجوني) و يقع هذا المسرح شمال فندق ( سافويا ) الذي تملكه شركة ( رودينو و سالينوس ) وقد افتتح هذا المسرح الأوبيرالي فى عام 1921م ليصبح مع الأيام ملتقى مميز للفنانين والأدباء و الساسة و مفخرة لهذه المدينة و مر بناء المسرح و تطويره بثلاث مراحل بدءا من العام 1921-1928-إلى عام 1938م عندما تحولت إدارته من القطاع الخاص إلى القطاع العام.

إزدهار وسائط الترفيه

وواصل مستطردا بأن “جوزيبي فولي” وسلفه “إيتالو بالبو” قد اهتما بتطوير البنية التحتية و تشجيع بناء المنشأت الترفيهية للإيطاليين المقيمين والسياح ومن بين هذه التصاريح التي أعطيت من قبل بلدية طرابلس كان تصريح بناء مسرح الميراماري .. واعتبر وقتذاك هذا المسرح رمزا للثقافة الإيطالية، بالإضافة لتشغيلهم لمسرح البوليتيامة و السوبر سينما الهمبرا وكذلك الملعب الرياضي بطرابلس، كما سمحت الحكومة الإيطالية لبعض الفرق الموسيقية والمطربين المصريين بإقامة حفلات في مدينتي بنغازي وطرابلس وجاء المطرب “محمد عبدالمطلب” وفرقته ليقدم عروضه على خشبة مسرح البرينيتشي كما مرت بالمدينة فرق أخرى صغيرة فى طريقها لطرابلس و تونس وعرض لأول مرة فيلم سينمائي للمطربة الراحلة “نادرة” و كان الإقبال عليه كبيرا و غزت أغاني نادرة المدينة كلها، وعلى مسرح البرينيتشي استقبل الملك “فكتور عمانويل” وحضر مراسم التشريفات الخاصة به فى 29 إبريل 1933م و ذلك احتفالآ بمقدمه لمدينة بنغازي بحضور أغلب المسؤولين وعلى رأسهم الجنرال “غراتسياني”، واختتم الأستاذ “مراد الهوني” سياق محاضرته باستعراض باقة من الصور لمجموعة من دور العرض السينمائية والمسارح في مدينتي طرابلس وبنغازي.

مقالات ذات علاقة

التهامي يحاضر حول النظرية الأدبية في «اتجاهات»

مريم العجيلي

تعزيز المعايير المهنية والأخلاقية في وسائل الإعلام الليبية

المشرف العام

حلقة نقاش حول أعمال الشلطامي بمركز وهبي البوري

المشرف العام

اترك تعليق