قصة

كافوردي

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

ضحاء الجمعة، تنقلنا الذاكرة لبيتٍ قديم في أزقة سوق الجمعة، بيت قديم بما يكفي لأن تتصدّع التجاعيد على بشرة حيطانه الشارفة، طلاء رديء مُقشّر، بيت يكتشف أنّه مصاب بالبهاق حديثًا، وأوردة الكهرباء المتشابكة تنمو للخارج كورم خطير، سيّارة رماديّة قديمة تعوي بشغف الكلب الوفي، تعض أي عملية سرقة محتملة، عائلة بسيطة تسكن في بيت الورث البسيط وبالكاد تتدبّر أمورها. ضحاء أشعث، كشعر غير مصفّف، ضحاء كان هادئ قبل قليل، ولا شيء مميّز، طفل مدلل في بيجامة عادية يجلس على سجادة حمراء مزركشة، مهندس صغير بالفطرة، يلعب بقطع الليغو، يبني منزل، يبني مصنع، وأمّ صغيرة جدًا، لا تقول شيء، ولا تفعل شيء، عندما يبعثر طفلها القطع في وجهها كإهانات يابسة وملوّنة جدا.

ضحاء سبت أشعث، كباقة أعشاب جافة، وسوق خضار متروس بالرّجال، رجال بقوائم طلبات طويلة، وأفواه كثيرة، ثمار طازجة، جهود ناضجة، وأزمنة أخرى ذابلة ومنسية على شكل ربطات جرجير، وعامل ينعش الحياة ببخ الماء، يطرد الحر والحشرات والموت، محادثات مبعثرة، بيع وشراء، ولا حاجة للصوت، صوت السوق كلّه، حين يقوم شاب صغير فجأة برمي حبات الطماطم على وجه بائع الخضرة العجوز.

مدير شاب، مهندس بالفطرة، ينادي الموظفة بنبرة شديدة توحي ببوادر شجار، الموظفة تشعر بأنّها تسحب من شعرها لمكتبه، الموظفة على الباب تغطي وجهها بتعابير فولاذية صلبة قبل أن تدخل، تتجنّب الإصابة، قبل أن تجرحها أوراق التقرير، التقرير الذي بالتأكيد سيقذف به على وجهها.

مازلنا في ذاكرة الصبّي، نغلق معه باب البيت ونمشي وأمّه لمشهد أبعد إلى متجر البقالة، نبحث معهم عن الأغراض، علبة طماطم، قنينة زيت ذرة، معكرونة سباغيتي، نمرر أعيننا سريعًا، وعين الصبي تستقر على لوح شوكولاتة، تنخفض الأم بقامتها الطويلة لمستوى الطفل، تحدّثه، تحدّث الرّجل، أقصد الطفل الذي قرّر أن يفقد حاسة السّمع، تقول أنّه يستطيع أن يحصل على غرض واحد، فقط، يلمس الغرض الثاني والثالث، يلمس عشرة. تحدّجه بنظراتها، تخبره مجددا أن يختار شي واحد، يرتمي على الأرض، يصنع عرضًا وبمشاهدين كثر، يبكي، يبكي بمكر، يبكي كذبًا وكأنه يخبئ بصلة مذبوحة في صدره، ولا تفعل الأم شيئا، ولا تقول شيئا، تعود لمطبخ خالي بأيادي خالية، وكيس بلاستيكي تتدحرج فيه الأغراض العشرة التي انتزعها الطفل بقوة الجمهور.

ضحاء الأحد نقف مع المراهق الأطرش، نسمعه يدندن طربًا تحت شجرة المدرسة، نراه يعدل من هندامه وهو ينتظر بشوقٍ مستعار حبيبته وابنة الجيران الخامسة، ولم تفعل أمه شيء ولم تقل شيء، حين شاعت الفضيحة، صبغت وجهًا أسود للنّاس عندما قدّم جيران الحي شكواهم بالخصوص، العار قصّر من عمرها في هذا الحي، رحلوا، قرّرت أن ترحل، وقلوب الفتيات المجروحة تتشظّى وراءهم كنذير شؤم. بالنّسبة لها، كما هو الحال دائمًا كان الهروب خيار أسهل من التربية.

عشيّة الإثنين، نجلس معهم في صالون فخم، أمّه تخطب له بنت ناس بديعة، في العد خطوبته هذه ما بعد العدد المقبول، طوّق اصبعه بالخاتم كعادة يحفظها جيّدًا، ترك الأيام تمشي لتهرب بالفكرة، فخخ الحب لخطيبته بالهدايا والزّهور، أخبرها بكلمات مستعارة من مراهقته أنه يحبها ويريدها، لاحظ، أنّ الخاتم كما كلّ الخواتم السابقة يسبب له حكّة نفسية، اختنق، جال خاطر التخلي في نفسه، فتح له النافذة، فتح زر رقبة القميص، أرخى ربطة العنق، تنفّس، خلع الخاتم، ودفن فكرة الزواج عميقًا في نفسه لتموت، الرّجل المقبرة فسخ الخطبة التي ما بعد العدد المقبول، وبالطبع طاوعته أمّه في ذلك، كما فعلت في متجر البقالة، هو الآن كما كان عاجزًا عن صنع القرار بشأن الغرض الواحد، يريد كلّ شيء، يفتعل مشاهد للجمهور، يفتعل مشاهد فراق كثيرة، وينتهي به العرض دائمًا وحيدًا.

تردّد على سمعه المشوّش صوت بعيد، بدا صوت من طفولته، امرأة في متجر البقالة، تنعته بالكافوردي، وفكّر.. هو كافوردي إذا.

مساء الثلاثاء، نجري مع الطفل من بيت عمّته إلى بيته، نحمل حمله الثقيل معه، صحن الكعك في يده ومحبّة عمته في قلبه، نأخذ معه كعكة، كعكة إضافيّة ينتزعها خارج الحساب بعيدًا عن عيون الجميع، ونحمل معه حمل أسرار البيت التي اكتشفها. ترتكب أمّه خطأ جديدًا في حقّه، تطلق فضولها على الصبي البريء، نقل الأحاديث شيء لا يعرفه بعد، لكنّها الآن تسأله عما رآه في منزل عمّته، تطلب منه إعادة الأحداث كاملة، كبر الطفل، رجل لا يحتفظ بالأسرار، رجل تنتهي علاقاته كلّها بالفتن.

صباح الأربعاء وفترة امتحانات الشهادة الإعداديّة، الأم تنصب مصيدة لمعلّمة فاسدة على الباب، المعلّمة تلتهم قطعة الجبن، تضع في جيب الجلباب الواسع ظرفًا مبهمًا. في نظر الأطفال الرّب دائمًا يوافق على أعمال الأمّهات، لذلك تجرّأ الطفل على الغش، تجرّأ الرّجل، تجرأ المهندس بالفطرة.

ليلة الخميس، شاب طويل عريض بملامح بارزة، وشهامة مؤقّتة وشارب كث يستلقي بجناحيه على وجهه، شارب مستعد دائمًا للطيران، ليلة الخميس وبطلنا متورّط في حادث سير، شاب يجلس وحيدًا من دون محبس في اصبعه، أو مصدر دخل يخوّله لدفع الأضرار، يسأله الشرطي عن اسمه؟ محل السّكن؟ العمل؟ الأهل؟ الأقارب؟ وفجأة ارتدّت حاسة السمع  للكافوردي كهزيم الرعد، أسئلة صعبة عن الهويّة، شعر بالدّوار، تذكّر آخر الكلمات، المرأة في متجر البقالة وهي تمنحه اللقب، البيت القديم في سوق الجمعة، الرّجال في سوق الخضرة، صوت اللكمات بعدها واعتذاره الغير مقبول، العمة وهي تخبره أن الكعك كلّه له، صوت الضمير الضامر في الإعدادية، صوت السّاعة على مدار اليوم، صوته وهو يكرّر نفسه، كلّ لحظة، كلّ يوم، كلّ أسبوع، كلّ دورة حياته، شعر بتفاهته، وتذكر، تذكّر جيّدًا شعره الأشعث، وهو يجلس على السّجادة الحمراء المزركشة، وقطع الليغو تتطاير على وجه أمّه، أوّل لحظة يصبح فيها كافوردي، وأوّل مرّة لم تنطق فيها أمّه بشيء.

مقالات ذات علاقة

رسائل من واتساب

هدى القرقني

والقافلة تسير

سعيد العريبي

خثارة بلل

آمال العيادي

اترك تعليق