طيوب عربية

معبد العشاق بزغوان

من أعمال الفنان التشكيلي "محمد بن لأمين"
من أعمال الفنان التشكيلي “محمد بن لأمين”

على مسافة قصيرة تفصلني عن الوصول إلى جنّة وراء البحر بمدينة قرطاج تمتدّ أمام ناظري جبال زغوان تنشر أدباشها في تلك الشّرفات؛ سلام هي حتّى مطلع الفجر؛ احتلّت أرضها أبقار ترعى في طمأنينة؛ تقف الطّيور خاشعة في قمم الجبال؛ تراقب  قطار الصّباح يجرّ عرباته ناعسا يفترش الأرض ويلتحف السّماء؛ يحمل أولئك العرائس في قطار العرائس؛ ينثرن الورود؛ يتعبّدن النّجوم كأنّهنّ جزء من تلك النّجوم تسابق أجنحة تلك الطّيور؛ خلتها في سباق تعدو مثل الخيول؛ وقد انفصلت الطّيور عن السّماء تطارد تلك الخيول كالنّهود أضاعت طريقها وسط النّجوم؛ نعم خلت أنّ الجبال في انتظامها وتدافعها وتناطحها مثل الثٍّيران وسط النّيران تأكل أعشاب المراعي الصيفيّة ثمّ تشرب الماء وقد أصابها عطش من تلك العيون تغزو السّهوب والسّهول؛ نعم بدت كأنّها طيور بريّة من فئة النّسور الجبليّة خرجت تبحث عن فريسة مجهولة أضاعت طريق عودتها وسط قطيع من الغزالان في ألوان قوس قزح؛ لقد أنهكها صعود المسارب الجبليّة المحفوفة بالمخاطر؛ على مسافة يسيرة حدّد الوحش البريّ الهدف المنشود من الهجوم؛ اقترب من تلك الظّبية تنتفض في المذبح تستعدّ بذعر إلى الصلاة قبل أول الذّبح؛ رماها بسهم ثقيف كجلمود صخر عنيف؛ تعثّرت؛ تعرّت؛ استسلمت دون مقاومة إلى قدرها المحتوم؛ أخذها نعاس جميل كرذاذ المطر خفيف؛ أفاقت من حلمها مذعورة؛ هربت من الوحش يتسلّل إلى رقبتها كالعنقاء تتوسّط جبلين انتصبا كالسّيفين لا يسكنهما سوى حور عين؛ حور حرائر يتبرجن بأردافهنّ كظباء مكّة صيدهنّ حرام؛ نستطلع بشغف تلك الظّبية في غدوّها و رواحها من المراتع إلى الينابيع؛ ذات تاج قمحيّ قرمزيّ وهّاج يحدث خريرا يبعث على الخيال؛ لها سطوة ذلك المصلّي قبلة خاضعا إلى ربّه مستسلما خاشعا في ركعتين بين سجود وركوع؛ ترتفع الظبية كالموج وهدير الموج بين مدّ وجزر؛ تفرض على البحر الاعتراف بالعشّاق كالأعلام في البحر؛ تفرض على ذلك الطّائر التّائه في أعماق البحر الاعتراف بزغوان في سطوتها كالنّهد على قمّة الجبل؛ ننظر بعيون مشوقة إليها تهتزّ بمضارب عينيها تظلّلها الغابات؛ صارت كالسّيوف تقطع ورودا أو رموشا تفتّحت فوق هضاب تغرق في الدّيجور؛ قفزت على طول المسافة الفاصلة بين الأهداب وسط العيون داخل تلك العيون؛ ارتفعت الرّموش كالأقواس غطّتها أزهار بيضاء فيحاء من البنفسج والجرجير؛ رأيتها تنطوي على نفسها تغرق وسط أزهار الصّنوبر والفلّين؛ تلامس تفاصيل جسد محاصر بين نظرتين ثقافيتين بحجم صخرتين عاريتين من الخجل وبقايا الخجل كالموج يرتطم على صخرتين واقعتين قرب العينين؛ جسد حرمته الآلهة من لقاء الرّوح إلى أجل غير معلوم؛ هو جسد كتويج زهرة جبليّة عالقة بين دمعتين عصيّتين كالصّخرتين عنيدتين؛ تحصّن الجسد بين زهرتين حجريّتين جبليّتين تحت شجرتين من أعجاز النّخل شاحبتين خاويتين من سنابل الحبّ فارغتين؛ لها تاج قرمزيّ يرتديه العشّاق في تلك الأدغال وسط الأدغال؛ هناك شمالا في منطقة واقعة بين ساقيتين رقراقتين مثل شجرتين وارفتين في أقصى الجنّة نائيتين تمتدّ أمام ناظري تلك القرية الجبليّة الواقعة شرقا عند منتهى مضرب السّيف أو السّيفين؛ و غربا عند منتهى مضرب العين أو العينين وقد التحم الخد بالخدّين؛ من هنا تبدأ أطوار رحلتي الجبليّة إلى معبد المياه بمدينة زغوان بحثا عن عاشقين فاجرين في أحضان جزيرتين عاهرتين وقد سقطا بعد اندلاع الحربين في الحبّ أسيرين؛ تورّط العاشقان في الحبّ من نظرتين أو قبلتين؛ علّقتهما الآلهة فجرا بين نهرين وسط جبلين مقدّسين؛ وقد تحوّلا في صلاتهما المزعومة أمام جبال زغوان المنشورة طاعة للمعبودة” نبتون” إلى طائرين على هيأة صنمين معبودين؛ انتقل العاشقان المعبودان من هول المبارزة بالسّيفين انفصلا عن الغمدين في الحرب إلى أهوال المبارزة بالعينين تتّصلان بالخدّين وقد تذوبان كالفجرين على الصّخرتين؛ تقول الأسطورة: نحن آخر العشّاق من فئة الورود أو الطّيور الجبليّة؛ خرجنا عن قومنا نعبد المياه في الأنهار؛ نعبد الثّمار في الأغصان؛ نحن من سلالة الماء في الأنهار لا نعيش إلاّ في الجبال وسط الأزهار؛ نحن في الصّلاة عاشقان يفصل بيننا جبلان ضريران كأنّهما ناسكان يتعبّدان الغيوم والنّجوم؛ لا يؤمنان حتّى ينتهيان؛ لا يسجدان حتّى يركعان؛ نحن قنديلان في البحر معلّقان؛ فوق الجبل لا ينطفآن؛ يحجبان وقع السّيوف تخاصم أهداب تلك العيون تذرف دموعا أثناء تحليق الطّيور؛ تجفّف رموشا تحت  السّيوف؛ نحن خلقتنا الآلهة من الحبّ و نحن على حبّ؛ لا نأكل إلاّ من حيوانات بريّة من سلالة بريّة في تلك الجبال؛ لا نشرب إلاّ من ماء في تلك الأنهار؛ نحن لا نتذكّر أنّ هناك أمّهات لنا أرضعتنا من ثدائها أو حكت لنا قصصا في الشّتاء؛ نحن منذ الأزل نعيش مع تلك الحيوانات؛ خلقنا مع تلك الطّيور؛ نطوف مع تلك العيون؛ لا نقطع أجمل الورود؛ لا نشرب إلاّ من ماء العيون في ذلك الجبل يلفّه سواد و بياض كرّوضة من رياض الجنّة تحتضن تلك الطّيور؛ تكحّلت أطراف الأنهار بماء الأحواض يمتدّ إلى تلك الأزهار و ما يتركه عبق الأزهار؛ جاء رجلان ملثّمان يقتلان الطّيور تحطّ في أعشاشها فوق أهداب العيون؛ تفرّ الطّيور من القتل ودمار القتل فوق النّهود؛ هناك جنوبا حلّق طائران بديعان؛ ذاب النّهدان؛ اختفى الطّائران الجبليّان؛ التقت العين بالعين و ذاب الخدّ في الخدّ؛ هناك غربا في تلك المسالك الجبليّة الضيّقة بين الخدّين وسط الخدّين سقطت بين نهدين وسط نهرين؛ حطّت أمام أصنام المعبد حمامتان بريّتان؛ تحارب الرّاهبان قرب منتهى النّهرين منتصف الخدّين بالسّيفين؛ تبارز العاشقان باليدين المرتفعتين أو المتعبّدتين حذو العشّين فوق الشّجرتين المعبودتين وسط العينين؛ احتّلاّ ليلا أرضا واسعة تمتدّ حدودها إلى أطراف تلك النّهود وقد تصل إلى تلك الرّموش شامخة في علوّ وارتفاع؛ مزهوّة بفنونها في الحرب والقتال؛ نظرة واحدة كانت تكفي حتّى تنهار القلاع و تختفي الجبال بعد أن تعبت من الغناء.

   وصلت فجرا إلى جبال زغوان؛ هناك شرقا تبرّجت الحنايا؛ وقد ضفرت خصلات شعرها كالحبال؛ علّقت في رقبتها سبائك من الذّهب الخالص والمرجان؛ فتحت أبوابها و نوافذها كالحانات تستقبل العذارى وشهوة العذارى يتعبّدن جبلا ويغرقن بحرا؛ تجلّت نقوشهنّ على أردافهنّ غربا وشرقا؛ برزت الثنايا مثل أوراق الحنّاء؛ خلعت إحداهنّ ملابسها في الماء؛ ارتدت كلّ النّساء خلاخل من الفضّة في الماء؛ ارتفعن بأيديهنّ إلى السّماء؛ هناك تركت النّساء المصلّيات على أسوار الحنايا أوشاما احمارت كالغروب أوّل الغروب؛ ظهرن على هيأة ملائكة من الرّحمان؛ سجدن إلى ربّهنّ راكعات في خضوع خاشعات؛ يغتسلن بماء عذب يستقطر من كؤوس كالنّهود؛ لم يعترفن بالأديان وقصص الأنبياء؛ يفسّرن حدوث المعجزات بمنسوب المياه؛ لا يملكن دواء إلاّ تعويذات وسط مجاري المياه؛ يعالجن الأبرص والأخرس؛ يداوين من الجان و الأسحار؛ معجزة الكون إلى آخر الكون في ماء الأنهار؛ يتدفق النّهر الفيّاض في هدوء غير معتاد؛ يفتك بالأمراض؛ يداوي العشّاق؛ تلك قرطاج عروس البحار؛ حوريّة تسكن في أعماق الجبال؛ جاءها ملك الرّومان عاشقا راغبا خاطبا من جبال زغوان؛ خرجت قرطاج دون إذن من الآلهة في نزهة تشرب الماء؛ حرّرت الجواري النّائمات أو النّادبات بين الأقواس من قهر الأسياد وهم يستعبدون حريّة العبيد السّاخطين يشربون الشّقاء من كؤوس النّبيذ؛ غرقت إحداهنّ في الغدران؛ تعبد الماء خلا من الطّهور؛ لا تشرب منه الورود؛ راكد في المنخفضات؛ تمرّدت؛ تنمّرت؛ تلبدّت السّماء؛ تعفّنت رائحة الهواء؛ تعلّقت إحداهنّ بأشجار الصّنوبر في الجبال؛ تريد الوصول إلى ماء عذب كالشّهد المذاب في المنحدرات؛ خرجت النّشوة احتلّت الأنهار والمرتفعات؛ قالت: كرهت بقايا الماء ورائحة الماء في المستنقعات؛ أريد الوصول إلى جبال زغوان قلت: ظمأ على ماء مرقوب خير من ارتواء؛ لن تبلغي الماء دون أن نسقي كلّ الأنعام والأشجار في تلك البراري والجبال؛ أنت على إثم وقعت في إثم؛ كشفت عورتك؛ شربت من ماء الأنهار؛ لن تغفر لك الآلهة تلك الذّنوب؛ استغفري مولاك؛ استحمدي بارئك؛ انحنى الجبل راكعا ساجدا أمام أحد عشر كوكبا والقمر رأيتهم ساجدين؛ بكى الجبل؛ انتفض الغراب بجناحيه؛ صفّقت الرّياح؛ انشقّت الأرض أوّل مغربين إلى نصفين؛ اخترقت السّيوف نهديك في الخريف؛ تشقّ تلك العيون ناظرة إلى السّماء في الرّبيع؛ تركت “ذات العيون” نظرتين؛ امتطت فرسين؛ دفنت دمعتين فوق هضبتين عاهرتين على منحدرين صخريّين؛ ما انفكّت تعبد النّجوم؛ تطارد الطّيور في الغيوم؛ ظلّت قرطاج تستحمّ وسط ورود تفتّحت كالعيون؛ ارتفعت بنهديها إلى تلك الحنايا تقوّس ظهرها من أثر السّجود؛ ارتفعت بشفتيها إلى تلك القباب ناكسة أعلامها كالرّموش؛ تكحّلت بماء في السّفوح في أهداب الخدود؛ ترمّلت الممرّات الجبليّة تستقبل المغرّدات أو المعزّيات وقد تركن قرطاج تغرق حزنا على فراق العرائس في جبال العرائس فجرا في دموع تتخلّلها دموع تعدو كالخيول؛ لم تصب النّساء المغنيّات في قرطاج منتهى الكؤوس؛ تركتهنّ على المنحدرات بين الوديان دون أن يصلن إلى مدينة عالقة بين جبلين؛ سمّيت المدينة الواقعة بين دمعتين بمدينة النّهدين؛ تسلّلت إلى  الحنايا فجرا؛ ارتدت فستانا طويلا تركت فيه الطّيور أعشاشا تحمل عدّة ثقوب؛ اجتاحتها أزهار الخريف؛ استحوذ على نهديها النّحل يمتصّ رحيق الأزهار؛ تبرّجت النّحلات قرب النّخلات استحوذ عليهنّ الإنسان؛ انحنت إحداهن كما تنحني غابات الرّمّان وقد أنجبت توأما من الذّكور؛ تقول الأسطورة: أخذت الآلهة بكرين ذكرا من أولادها؛ وضعتهما في معبد الطّيور يحرسان عرائس الماء عندما يخرجن في نزهة في تلك المرتفعات؛ أغوتني إحداهنّ تتثاءب؛ تسقط كالثّمار؛ تطلب الفجر قبل صعود الفجر؛ سقطت أجملهنّ في مجرى العين في أقصى النّهر العذب النضر؛ سجدت كما تسجد الجبال أو كما تركع حبّات الرّمان؛ تزيّنت بالحنّاء؛ هي شاهدة عبر الزّمان وقبل أن يبدأ الزّمان على تجمّع المصلّين تدافعوا إلى معبد المياه؛ تزاحموا في صفّ واحد يجمعهم نداء إلهيّ واحد؛ لقد زحفوا جماعة إلى صلاة الجماعة مع خروج الطّيور تتسابق إلى ذلك المصلّى يفتح على بهوّ فسيح ذي أفنان أمام ذلك المحراب؛ يقول المؤرّخون: رمّم العبيد بأمر من أسيادهم ملوك الرّومان ذلك الصّحن وسط الصّحن والرّواق داخل الرّواق من حجارة وسط حجارة صلبة تتخلّلها نقوش ورموز ورسوم رفعوها في البحر بحبال مضفورة من ريش الطّيور؛ أبدع الفنّان الرّومانيّ في تشكيل النّهود مصلوبة فوق الصّخور يغتصبها هؤلاء الجنود قصّوا شعورهم ؛حلقوا أذقانهم؛ مدّوا سيوفهم؛ رفعوا كؤوس النّبيذ؛ دمرّوا القلاع من حديد؛ حرّروا النّساء من أسياد احتكروا حريّة العبيد؛ تحرّرت إحداهنّ بأعجوبة؛ اخترقت نهرين يمتدّان على مسافة فاصلة بين سيفين؛ هربت من المعبد الواقع بين الخدّين قرب الشّفتين الصّخريّتين؛ تفنّن الرسّام التّشكيليّ في عرضها ترفض نداء الجنديّين فجرا إلى النّشوة قبل صعود النّشوة فجرا؛ جذبتني السّماء؛ تزيّنت بمصابيح من شتّى الألوان والأشكال؛ أخذتني إلى أهرام مصر القديمة “هبة النيل”  وقد بناها الفراعنة بعد احتلالهم أنهار مصر القديمة؛ تقول فتاة المعبد: هربت من الجنود وقد أصابني هلع وذعر لا يوصفان؛ التقيت بالأرامل؛ اعترضتني الواشمات بنديبهنّ وهنّ يحرقن ملابسهنّ وأساورهنّ يتخلّصن من نشوتهنّ تذوب كما تذوب الدّمعة على الأحداق أو كالحطب يموت في هشيم النّيران؛ تركن زينتهنّ وكسوتهنّ إلى عرائس الصّباح ينتظرن قطار العرائس في المساء و قد وضعن ثداءهنّ في عيون الماء يغتسلن من ذنوب ارتكبنها عند قيام الصّلاة؛ فارقن المعبد بعد قيام الصّلاة؛ كحلنّ عيونهنّ بماء الأنهار؛ قذفن أجسادهنّ في النّيران؛ قالت إحداهنّ: ربّي اجعل هذا بلدا آمنا؛ مازلن على تلك الحال يلطمن خدودهن بالغبار والتّراب؛ يرقصن وسط النّيران؛ يضرين صدورهنّ بالسّيوف؛ يقفزن غير مكترثات بألسنة النّيران؛ يزداد اللّهيب؛ يردّدن نفس الدّعاء؛ ينتظرن نفس المصير؛ قلت “يا نار كوني بردا وسلاما” اعتقدت أنهنّ يحتفلن بمراسم الحبّ بين العيدين فوق الجبلين؛ ذبحن على النّهود فوق الصخور طيورا بريّة من تلك الجبال؛ اشتهيت طائرا أو طائرين من تلك الأطباق؛ لم أتردّد أخذت لحم طير من ذلك الشّواء في الهواء؛ ترك اللّحم المشويّ مع الثّمار في لساني مذاقا حلوا أرقّ من ذلك الماء يتعرّى في الأنهار؛ يجتاح جسدي نسيم عليل أطفأ ظمأ النّيران؛ خمدت ألسنة اللّهب إلى حين؛ إحمارت السّماء؛ أظلمت الدّنيا؛ أصابني القحط والجفاف؛ صدقت رؤيا العرّافة حين قالت: سيعيش سكّان الجبال سنوات عجاف؛ خلالها أجدب الحرث؛ لا زرع ولا ضرع ولا مرعى؛ جفّت سنابل القمح من القمح؛ مثلهنّ كمثل الدّود في التّراب والغراب في السّماء؛ هنّ جمعن على مدار السّنة خلال السّنة نفسها مائة سنبلة في كلّ سنبلة مائة حبّة؛ حلّقت الجواري الكنّس كالطّيور دون أن تدرك الطّيور؛ عادت إلى أوكارها في زغوان تنشد الرّحمة و تطلب التّوبة من الآلهة تسكن في قمم الجبال؛ هكذا دأبهنّ؛ قالت عجوز في الجبال: ذلك الطّقس من عاداتهنّ وتقاليدهنّ عند تشييع جنائز العشّاق وقد فارقن الحياة؛ يصلب العاشق أمام حبيبته عاريّا دون كفن؛ يوضع جسده على صخرتين عاهرتين طعاما شهيّا تتلذّذ منه الدّيدان في التّراب و تشتهيه الطّيور في البحار؛ واصلت العجوز حديثها : اعلم أيّها الزّائر من بلاد بعيدة أنّ من غريب معتقداتهم التي ورثوها عن حكم الرّومان؛ وقد عشت أهوال ذلك الحكم؛ أنّ أسياد الرّومان الذين تداولوا على الحكم الاستبداديُ الإقطاعيّ قد حكموا جورا وبهتانا على كلّ أرملة من سكّان الخريف في الجبال اعترفت في المعبد  تحت أثر التّعذيب بالسّوط يترك على جسدها أثرا كالجرح وهي مازالت آثمة عاشقة على حبّ لا تستطيع نسيان ذلك الحبّ؛ بأن تخرج كلّ غروب آخر غروب للصّلاة على ذلك الميّت والدّعاء عليه وليس له بدخول النّيران لأنّ المعشوق أو المعبود رحل دون إذن منها أو من صاحب العرش؛ تركها دون حبّ تعيش دون أمل في الحبّ في أقصى جبل في النّار يدعى “جبل النيران” وقد أمر قاضي المعبد المكلّف بإرساء العدل بين هؤلاء العشّاق بسنّ شريعة خاصّة مستوحاة من قانون النّار لحمايتهم؛ قال كبير القضاة: العين بالعين والسنّ بالسنّ والبادئ أظلم؛ وقد أعطى مفتي الدّيار إلى أجمل الجميلات منهنّ في جبال زغوان امتيازات خاصّة منها الشّراب؛ حيث يأخذن معهنّ جراراهنّ ملآنة خمرا يسقين النّبيذ موتاهنّ أياما معدودات بحسب الصّلوات المعلومات؛ كان ذلك دأبهنّ يعتقدن بعودة الأرواح مع عودة الأجساد تستحمّ في الماء في عيون الماء في نهر يطلق عليه “نهر العشّاق” هو نهر الأموات أو الأرواح يغفر الذّنوب؛ يرفع العيوب؛ بشرط أن يكون المغفور له من سلالة العشّاق؛ هنّ لا يخرجن إلاّ في موكب بهيج يضربن فيه الطّبول ويبدأن الرّقص والغناء؛ اختلط الفرح بالبكاء والايمان بالكفر؛ ربّاه ما هذه القصّة عن الميّت والحيّ؟ قالت إحداهنّ بغرور: اليّوم لا فسوق ولا فجور؛ تلك قصّة النّادبات الباكيات من فتيات المعبد وسط المعبد وهنّ يتمسّكن بشعائرهنّ؛ يتقرّبن صعودا وهبوطا إلى آلهة الماء والجمال “نبتون” ما فتئن يعتقدن بأنّها رامزة إلى الفضيلة تحميك من السّقوط في الرّذيلة؛ تسكن على منحدر جبل أخشب غليظ حزيز؛ قلت لهنّ: لن تبلغن بنواحكنّ وعويلكنّ تلك الجبال صدقا؛ لن تبلغن الجبال حبّا؛ لن تبلغن الماء طهارة؛ أنتنّ على خرافة؛ لا يمكن أن يتكلّم الجبل؛ لا يمكن أن تعود الرّوح إلاّ بأمر ربّها؛ همست العجوز في أذني؛ قالت: احذر أن تسخر من صلاتهنّ في المعبد وإلاّ حرمك كبير الكهنة من دخول المعبد حتّى تشرب الماء وأنت على عطش شديد تحتاج إلى الماء؛ تملك آلهة الماء نفوذا كبيرا على منابع الماء وبموجب ذلك أعطت تفويضا إلى عرائس الماء بتوزيع ماء الأنهار حسب أقساط معلومة دون تمييز بين بشر و شجر وحجر؛ تتحدّد حصّتك من الماء العذب أو الزّلال حسب درجة طاعتك وولائك إلى صاحب العرش فوق العرش لا ينازعه أحد في حكم مملكة قرطاج وقد حدّدت درجة الولاء المطلق بعدد الصّلوات؛ تكون سرّا في البحر؛ وجهرا أمام الجبل؛ كلّما حافظت على صلاة الجماعة تحت تلك الحنايا كالتّلال تؤمّن تدفّق الماء من زغوان إلى قرطاج فزت بالجنّة؛ حقّا الجنّة تحت أقدام الأمّهات؛ بدت تلك الحنايا ترتفع إلى السّحاب دون أن تدرك منتهى السّحاب مثل نساء مرضعات كشفن عن ثدائهنّ وسط الأنهار بين الأنهار؛ قلت: لا طاعة لمخلوق على عصيان الخالق؛ لا طاعة لمخلوق على عصيان من أرضعته من ثدييها على براءة وبراعة؛ أغراني صوت مجهول بتسلّق الثّديين النّاعمين كالقرصين الذّهبيّين؛ أمّاه جئت أطلب الفصاحة أريد الرّضاعة؛ كشفت نساء المعبد عن ثدائهنّ متثاقلات مبتسمات؛ أصابتني أثناء الرّضاعة براءة مظلومة تخلّلتها طلاوة و حلاوة؛ أسمع هناك بين نهرين صريخ صبيّ يتكلّم في المهد؛ يطلب سقوط الأمطار في تلك الأنهار؛ كشفت إحداهنّ على عجل ثدييها في العراء؛ كانت تخشى من عيون هؤلاء الرّقباء يجلسون كالغرباء قد يفضحون نشوة تلك الأنثى العذراء؛ لا تصيب نشوتها إلاّ في الخفاء؛ وقد سقطت أرضا كما تسقط الثّمار بعد نزول الأمطار؛ أغواني السّيف الرّماديّ يقع بين النّهدين؛ أغواني التّمر البعليّ يتساقط من نخلتين متبرّجتين؛ قالت النّخلة: كلّما تهاونت وتخاذلت وتآمرت على ملوك قرطاج حرموك من شرب الماء وقد تصل العقوبة إلى القتل؛ يقطع السيّاف رأسك ويوضع فوق ذلك الجبل حتّى يكون عبرة لمن تسوّل له نفسه بترك الصّلاة في وقتها بعد فوات وقتها؛ احذر الفتنة أشدّ من القتل؛ انظر إلى كلّ تلك الطّيور في السّماء؛ انظر إلى كلّ تلك الصّخور في الجبال، هي في الأصل الأصيل أرواح بشريّة؛ انتقلت بعد الرّضاعة إلى أجساد حيوانيّة عاقبتها الآلهة؛ شوّهت منظرها؛ لا هي انس ولا هي جان وقد حرمتها من النّزول أرضا حتّى تشرب المياه؛ نعم هي أجساد مارقة عن حكم الآلهة؛ لم تعترف بحكم الآلهة وقد حكم عليها بالإعدام شنقا حتّى الموت؛ بأمر من الآلهة صارت تلك النّفوس طيورا تحرس تلك الحنايا أو الحيتان؛ تحمل الحيتان في بطونها المياه من زغوان إلى قرطاج؛ حقّا كم أرضعت زغوان من جبالها وحيتانها ترتفع ارتفاع الثّديين العشّاق و الأنعام؟ كم ارتفعت بخيراتها إلى قمم الجبال تعطي أهل قرطاج ماء الحبّ أو ماء الصّلاة؟ هناك علاقة أمومة؛ يمتدّ نسلها بين ذكر فحل على طلاوة جبال زغوان و أنثى فطام في حلاوة بحار قرطاج؛ بعد احتلال الرّومان أسوار قرطاج توسّع النّسل قرب عين الماء؛ امتدّت الجذور؛ توسّعت الفروع طغت على الأصول؛ تلك زغوان مثلها كمثل المرأة على عفّة جاءها المخاض تحت الجبال؛ تلك قرطاج أرضعت من صلبها فحلا لا يعيش إلاّ في الجبال؛ تلك قصّة أنثى الماء جاءها المخاض بغتة وسط الماء؛ قالت: ربّاه لم يلمسني بشر؛ أنا أنثى الماء؛ لم ألمس إلاّ الماء؛ لا أنام في العراء؛ لم أقع في الحرام؛ جاء صوت عاصف كالرّياح؛ قال: قرّي عينا يا أختاه؛ أنت معجزة من معجزات الأنبياء؛ أنت من آلهة الماء كرّمتك الآلهة بذكر من صلبك في الماء؛ لا يشرب الماء إلاّ في الأنهار؛ لا يتنفّس إلا وسط الماء؛ إيّاك أن تخرجي به من معبد المياه وسط المياه؛ حافظي على قرار الآلهة بالصّلاة في اليّوم وخلال اليّوم عشر مرّات في ذلك المعبد؛ صلواتك عشر ؛ خمس صلوات في النّهار وخمس صلوات في اللّيل. 

   أبهرتني الأحواض الجبليّة؛ صارت ملتقى الطّيور في الغروب؛ منتهى العيون تتفتّح مع تشكّل الورود تحجّبت؛ ارتفعت مع تدفّق شلاّلات تنقّبت؛ شدّتني مدينة تغرق في الماء؛ لا تظهر حدودها شرقا إلاّ بظهور حدودها غربا في الماء وسط عيون الماء؛ أخذتني تلك العيون العاهرة ترسم نفسها وقد فارقت نفسها بنفسها أو تنأى بنفسها عن نفسها؛ إلى أهميّة المياه في معبد المياه؛ تكشف العين المتحجّبة في الماء عن أنثى عذراء تعرّت وسط المياه بين نهرين لا يلتقيان؛ جلست على صخور كلسيّة صلبة وسط الممرّات الجبليّة الضيّقة؛ رفعت نظّارتي؛ انقشع الضباب الخفيف يحجب عن مخيّلتي أولئك الجواري الحسان كالثّمار يتأبّطن نخلة غيداء لها منقار طويل و لسان أفعى خبيث؛ يشربن كأسا اصفارت من النبيذ؛ دعتني إحداهنّ إلى كأس أو كأسين؛ شربت قطرة أو قطرتين؛ دعتتي إلى نظرة أو نظرتين؛ حاولت”ذات الحاجبين” بين الممرّين الضيّقين قتلي مرّة و مرّتين؛ رمتني بسهم أو سهمين؛ ذات مساء عاشق على حدود فاصلة بين قوسين صلبتني أرضا بين دمعتين؛ تركتني بين فجرين أو نهرين أقطف زهرتين بعيدتين بحريّتين بين جبليين خاشعين في صلاتين؛ سقط السّاجد أرضا كما تسقط حبّات العنب الصّغيرة؛ وقد رفعها جنود روما في سفينة روما؛ شقّوا بها عباب البحر يرتطم بذات دلّ كأنّ البدر صورتها تسقي أزهارا لا تنبت إلاّ في البحر وسط البحار؛ ظلّت على حبّ واحد من نظرة واحدة بعد اكتساح الرّومان لحدودها شرقا بين العينين وغربا بين الخدّين؛ بعد جفاف الأحواض في قرطاج من الحبّ أو ماء الحبّ وقع النّاس في فتنة الماء؛ صاروا يعبدون تمثال الماء من نظرة واحدة؛ كلّ المصلّين وقفوا أمام ذلك الرّاهب يجمعهم ماء واحد أو حبّ واحد من نظرة واحدة في معبد وثنيّ واحد؛ على مسافة بعيدة ينفتح المعبد على تلك الحنايا محجّا يهرب إليها العشّاق يتسلّقون تلك الأسوار بحثا عن ذكريات ضائعة؛ تزيّنت الطّيور بالحنّاء؛ ارتدت الفضّة والذّهب؛ طارت في عرس بهيج في كبد السّماء؛ تبرّجت الأرض في ملابس خفيفة تكشف تفاصيل جسد سماويّ يغرق في الماء وسط الماء؛ يغري ذيّاك الجسد كلّ ناظر أغواه العسجد والمرجان؛ قابلت الهواء وقد تعرّت خضراء الأسنان وسط تلك الجبال تحرسها من كلّ اعتداء؛ نامت بحرا تنتظر فجرا وسط تلك الجبال؛ انحنت تصلّي النّوافل أو ما فاتها من صلوات في عدّة أوقات؛ تقوّس ظهرها من رفع الأعلام وقد غرقت في الأحلام؛ أحسّست أنّ وراء ارتفاع الأعلام في البحر و سقوط الأزهار على ضفاف الأزهار قصّة من قصص الحبّ العميق كمجنون ليلى وأهله وليلى وأهل ليلى؛ أرخت الحنايا ظهرا ضفائر شعرها الصّفراء؛ صارت في لون الصّحراء تنتظر قدوم الغائب في الصّحراء؛ وقد دخلت وراء الإمام تلهج ذكرا ودعاء؛ شدّني دعاء الغائب يبحث عن حبّ وراء ذلك الجبل الغائب؛ امتطّى أحد المصلّين وقد قطع صلاتي صهوة حصان خرافيّ؛ ارتفع به من الأرض وقد غابت الأرض إلى السّماء وقد غابت السّماء؛ يقول الزائر: وصلت مدينة زغوان فجرا وقعت في الحبّ على ارتفاع جبل من نظرة واحدة؛ دخلت الغابة وسط الغابة وقد خلعت ملابسها تتعرّى “ذات الجبلين” قرب كأسين يستقطران عسلا من إكليل وزعتر وشيح يترك في الهواء شميما حلوا؛ توغّلت في أقصى الجبال داخل الجبال وقد التحمت بالأرض التحام العشّاق يجمعون حبّات القمح من سنابل القمح اصفارت بعد العناق صارت كالذهب لامعة بمفعول الرّياح وسط الرّياح؛ اشتهيت قبلة أو قبلتين؛ نظرة أو نظرتين؛ دمعة أو دمعتين؛ أحسست أنّ الكون انتهى هنا في تلك النّقطة الفاصلة بين القمح وحبّات القمح في سنابل القمح؛ لم يعد بين الحياة والموت حدّ يفصل بين الموت والحياة وقد جمعت كلّ تلك السّنابل أو ما تناثر من حبّ أو حبّ في تلك السّنابل؛ ارتخت أرضا انطوت على فراش الموت تشتهي قبل الموت أو قبل النّطق بالحبّ نظرتين أو قبلتين؛ استسلمت الرّوح إلى خالقها وبارئها؛ حقّا لن تبلغ تلك الجبال طولا قبل أن تدرك من العناق منتهاه ومن الحبّ أقصاه ومن النشوة تترقق في الشّفتين أسفل الجبلين دوامها فلا أنا وسط العناق أدركت منتهى العناق ولا أنا في الحبّ أدركت أقصى الحبّ؛ لم يعد هناك فوق ذلك الجبل وسط ذلك الجبل أرخى لحيته مثل شيخ ناسك متعبّد مجال للفوز بالحبّ أقصى الحبّ؛ هناك التصقت السّماء بالأرض كأنّها في أصل الخلق أو قبل الخلق كانت وردة متحجّبة وقد حان قطافها؛ لم تعد هناك أنهار و جنّات وعيون؛ لم تعد هناك جهات محدّدة تدلّ على بداية الخلق أو منتهى الخلق قبل اكتمال الخلق؛ ضاعت السّماء؛ لم تعد هناك أرض؛ لم يعد هناك حاجز بين اللّيل والنّهار؛ التصق الجبل بالأحواض المائيّة وقد ارتفعت عن البحر بمسافة تناهز في طولها أو قصرها ما يمكن أن يفصل بين نظرتين حديديّتين عاشقتين تفضيان إلى مدينتين نائمتين وسط بحيرتين حذو نهرين معلقين كالسّيفين بين شجرتين يطوف بهما ولدان مخلّدون؛ يترقرق فيهما ماء معين يفيض على السّواقي من ماء العيون داخل العيون تنقّبت من نظرتين قمحيّتين أو صخريّتين ناتئتين كالدّمعتين عاشقتين متمرّدتين متنمّرتين من أثر الحبّ أو أثر السّجود على حبّ في صلاة يتخللّها الحبّ؛ تحوّل الجبلان العموديّان انتصبا كالقرنين يفصلان بين مدينتين أفقيّتين إلى ما يشبه عاشقين خرافيين لا يلتقيان؛ هما  في الأقرب يسكنان في مدينتين متجاورتين؛ إحداهما مدينة قرطاج كالرّمح في الغمد والأخرى مدينة زغوان كالزّبد في البحر.

   اقتربت من المدينتين المعشوقتين أو المعبودتين في الشرق المتوسط من البحر الأبيض المتوسط؛ هما مدينتان أنجبتهما بطن واحدة؛ نعم أرضعتهما عاشقة واحدة من صدر واحد يفيض عنبا لا ينقطع كالنّهر حوضه مدرار لا يجفّ له نبع؛ ماتت حبّات العنب بعد سنوات من القحط و الجفاف؛ جاءت من أقصى المدينة امرأة تسعى في طلب الرّزق؛ شدّها على الجبل في أطراف الوادي صريخ طفلين؛ يسقطان كما يسقط العنب؛ أخذتهما برفق ودفء؛ وضعتهما بين الثّديين؛ كستهما من عشب واقع على هضبتين؛ صنعت لهما من أوراق الأشجار ثوبين؛ جاءت تلك المرضعة بأمر من إله الماء حتّى ترضع التوأمين المعبودين وينجو أهل المدينتين من غضب الآلهة وقد رفضوا السّجود لها مرّتين؛ شدّني بين المدينتين أو التّوأمين صفات جينيّة مشتركة مكتسبة بالفطرة أو بالرّضاعة؛ هما في الجسد الفاني كالطّائرين في قمّة بين جبلين؛ هما في الرّوح قبل خروج الرّوح كالعشّين فوق شجرتين قرب النّهرين؛ هما في العشق ورقتان تصفرّان ثمّ تموتان؛ هما في النّهر ومياه النّهر حبيبان يغرقان؛ تلك مدينة “زغوان” أنثى بين جبلين؛ تلك مدينة قرطاج أنثى معلّقة بين بحرين أو جبلين؛ كلتاهما مدينتان مقدّستان بين حرمين؛ يقصدهما الحجّاج كلّ عامين مزارا شريفا بين مغربين؛ هم يطوفون أعمدة وأحجارا واقعة بين محرابين؛ لم يبق من أولئك الحجاج يتوافدون كدبيب النّمل في رحلة الحج إلى الكون المفقود أثر يدلّ على أثر بعينه وقد مسحت الرّياح العاتية كلّ أثر؛ لم يبق على الجبل له ذيل طويل كذيل حصان دمشقيّ إلاّ هؤلاء العشّاق يطوفون على صخرتين مرّتين على امتداد يومين بعد سقوط نظرتين عاشقتين على الجبلين استعدادا للصّلاة بعد أفول نجمتين ساطعتين سقطتا بين دمعتين؛ وقد قيل لي بأنّ من العادات الغريبة عندهم يوم النّحر؛ أن يذبح سكان القرى الجبليّة المتناثرة تناثر الأحلام؛ في كلّ صلاة حبّ أوّل الحبّ تقام  بين مغربين؛ أمام كلّ جبلين متجاورين أو متناطحين بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ النّاظرين على أنّ يحتفظ النّاس بعد أيام النّحر بدماء تلك البقرة وقد احمارت كالغروب وسط كؤوس تغفر الذنوب؛ حدّثني شيخ منهم قال: لا يشرب من تلك الكؤوس دهاقا إلاّ من وقع في فتنة أو غواية ممن تمرّد من هؤلاء الجنود الذين رفضوا تسلّق الجبل وقد أنكروا ألوهيّة المياه تفيض في ذلك الشلاّل العظيم؛ يعتقد النّاس بأنّ أرواح الموتى تصعد فوق تلك الجبال أو تصير على شكل طائر ينتقل من جبل إلى جبل حتّى يصبح على هيأة تمثال يسمع ولا يتكلّم؛ يمشي ولا يتحرّك؛ يصلّي ولا يستغفر؛ يطير ولا يحلّق؛ يرقص ولا يغني؛ يعطي الماء ولا يشرب الماء؛ يعشق ولا يحبّ؛ كم تربّع فوق ذلك العرش الجبليّ من إله وسط إله لا يعبد إلاّ الماء؛ وراء كلّ نهر وسط نهر عين وسط عين جارية يسكن فيها إله واحد لا يعطي إلى كلّ سائل من السّؤّال عن الماء الإذن بحصتّه من منسوب الماء إلاّ إذا قدّم ذلك السّائل صكّ الغفران أو صكّ التّوبة وقد حدّد بأنثى فطام من صغاره جارية بيضاء الأسنان ترقص وسط المياه الزّرقاء؛ تعطي النّشوة ولا تأخذ النّشوة من ذلك الإله؛ أمّا من قدّم  ذكرا من صلبه قربانا فإنّه يصبح في رتبة راهب مكرّم معزّز من رهبان المعبد يتميّز بعدة حوافز منها أن يسقي زرعه وأنعامه من عيون الماء دون إذن من صاحب العرش فوق عرش الماء. تقول الحكاية: لعلّ أشهر فرقة من الفرق الدينيّة المتشدّدة و المتطرّفة من حيث المذهب؛ سكنت بأفكارها الدّاعية إلى السّحر والشّعوذة في تلك الجبال كانت من غلاة الشّيعة؛ ترى بأنّ الإمام بمنزلة إله باطنيّ؛ له تسخير سماويّ يخوّل له الولاية والعصمة على أنثى الماء صاخرة إلى ربها ناظرة؛ عن الماء باحثة؛ تقدّس تلك الفرقة المتصخّرة في معتقداتها الماء تختزل روح الإله في تلك المياه الجوفيّة؛ يقولون بعودة الإمام أو الإله الأعظم ” لوجيتين” بعد فيضان الماء في الأنهار؛ بعد عودته سينتشر الخصب في الأرض وتخلع الأرملة ملابسها الصّخريّة؛ ومن صلابة أحكامهم الشّرعيّة أنّهم يقتلون بالإعدام شنقا أو رميّا بالحجارة حتّى الموت كلّ شخص يرفض عودة ذلك الإمام؛ لقد عاث عدّة ملوك في الارض فسادا؛ كانوا يشنقون قبل مغيب الشّمس كلّ من لا يقول بعودة ذلك الإله بعد غياب الإله سنوات؛ هم لا يؤمنون بأنّ الإله ساخط أشدّ السّخط على قومه؛ حجب عنهم الأمطار؛ امتحنهم في أيّام البلاء بالعطش والحمّى؛ كم عذبّهم أشدّ العذاب حين جعلهم على هيأة صخور جوفيّة فارغة من الحبّ كالنّوى يسقط من أعلى أعجاز النّخل لا يعطي التّمر؟

     ترك العشّاق في رحيلهم وترحالهم بين الجبال رسوما كالحرقوس على الماء؛ أغوتني الصّخور البلوريّة؛ أغرتني بارتكاب الإثم وقد وقعت في الغواية؛ كم تغلّب الفنّان الرومانيّ على تحجّر الطبيعة؛ تحجّب البحر وتمنّع  الحجر؛ تلك الصخور ما أشبهها بالنّهود تفتّحت كالورود على هيأة جنود يرفعون السّلاح مستعدّين إلى خوض أشدّ الحروب؛ متمنطقين بأقنعة صخريّة اسودّت شاهدة على صمود قرطاج في الحرب ضدّ الغزاة الطّامعين أو الطّامحين إلى احتلال منابع الماء أو مناهل الحبّ في شمال افريقيا؛ ترك الجنود في معاركهم بحثا عن خيول الماء ينساب على الأرض عذبا رقراقا قرب النّهود و تحديدا في جبال زغوان على ارتفاع لا يناهز جبلين سطورا و حروفا ونقوشا كالرّسوم فوق الماء وسط عيون الماء؛ احتفظت عدّة صخور بلوريّة الشّكل بقشور كالرّمان أو بنقوش كالحنّاء على النّهود تتساقط كما تتساقط حبّات الرّمان بعد صراع مع الرّياح أو الأمطار أو الأحجار؛ وفي المتخيّل أنّ تلك الصخور تحمي سكان الجبال من سقوط الجبال؛ تحمي السّماء من سقوط السّماء؛ بدت تلك القشور البلوريّة كفتات الخبز فوق القبور؛ استوت الصّخور وقد رأيت فوقها جيشا من الطّيور كالبنيان المرصوص؛ يكتب أسماء الموتى قوق القبور؛ يكتب عليها حروفا و كلمات و أسماء تناثرت تناثر زخات المطر على القبور؛ لكنّ بعضها لا يحمل اسما أو محته الأمطار والعواصف بمرور السّنين؛ بصعوبة قرأت بعض الأسماء؛ عرفت بعض الأشخاص؛ لكن منها ما تحجّر أو تصخّر أو تصحّر وتلبّد كالمياه الجوفيّة؛ مازال الملك غاضبا حانقا على قومه وقد امتحنهم بالقحط والجفاف؛ لقد عاد على هيأة إمام خطيب بليغ حفظة جمعة منعة صاحب دعوة باطنيّة اقتبسها من أسطورة المياه الجوفيّة؛ يأمر الخطيب بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ومن مهامه أن يوزّع ثروات الأرض ومنها بالأخصّ الثّروات المائيّة بعدل بين سكان قرطاج من الفقراء والأغنياء؛ لا فرق بين العاشقين المتصاهرين؛ عن بعد قرطاج من البحر و عن قرب زغوان فوق الجبل؛ هما توأم واحد على حبّ واحد أو ماء واحد أو كتاب واحد؛ بأمر إلهيّ واحد ينفّذ  ذلك الإمام توصيّات الآلهة نبتون من النّبات كالإبر أو كالإزار؛ يقتل بالسّيف رقبة كلّ نفس أمّارة بالسّوء همّازة بالشرّ غمّازة بالذنب تسرف في تبذير المياه في معبد المياه؛ ينفّذ السيّاف أوامر الإله الأعظم “لوجوتين” حامي الحمى وقد حكم عهودا ساد فيها العدل وتوسّع العمران على طول المسافة الفاصلة ببن العشّاق يرحلون كالغجر من زغوان إلى قرطاج؛ وبأمر من الحاكم الرّومانيّ إدريانوس وضع لذلك الإله تمثال ضخم على هيأة نافورة في شكل أنثى عاشقة تعانق أو تضاجع علنا ذكرا معشوقا؛ هي ما فتئت معلّقة بين نهدين تغتسل بين نهرين بماء يخرج من جرّتين ذات مشربين؛ ترتفعان وسط صحنين يستران عورة النّهدين يفيضان بالماء؛ وقد منع الحمام الزّاجل من الاقتراب من المعبدين حتّى يظلّ الماء على طهارة يتوضأ منه العشّاق فجرا قبل الدّخول فجرا في الصّلاة؛ وبأمر من ذلك الملك يمنع بيع الماء أو احتكاره؛ لقد أمر الملك الرّومانيّ خزنة المعبد بتوزيع الثّروة المائيّة بين القرى والمدن حسب درجة الولاء و الطّاعة التي تقاس بدورها بمدى المحافظة والمواظبة على الصّلاة سرّا في وقتها أمام معبد المياه؛ كما يحرم كل شخص ترك الصّلاة جهرا في وقتها من حصّته المعلومة في ذلك الماء؛ وقد أصدر ذلك الملك أيضا حكما بالقتل المتعمّد عطشا في ذمّة كلّ شخص منع عن قصد إعطاء الماء إلى عابر سبيل حطّ برحاله يطلب الماء من عرائس الماء؛ وقد أشار أحد حرّاس المعبد إلى أن كلّ تلك الحنايا المقوّسة بناها جنود من المرتزقة خرجوا عن طاعة الملك؛ أغوتهم النّفس الأمّارة بالسّوء باحتكار الماء لفائدتهم دون غيرهم؛ لم يعدمهم الملك أعطاهم بعد سنّ قانون العفو التّشريعيّ العام فرصة أخيرة للتّوبة والنّجاة من شانقهم لأنهم اعترفوا بأنّهم قد سقطوا تحت غواية الشّيطان و نزولا عند رغبة الملك في إرساء قواعد الحكم العادل في قرطاج على أساس التّسامح والصّفح أمر قاضي القضاة في المعبد بالعفو عن كلّ الجنود من الخوارج الذين عصوا الأوامر أو تخاذلوا في تنفيذها مقابل التزامهم بتشييد الحنايا الرّابطة بين عين الماء أو عين الحبّ في زغوان و عاصمة الحبّ أو الحكم المطلق في قرطاج وقد عبّر الجنود بعد صدور الحكم بالعفو عنهم عن شديد امتنانهم إلى سموّ صاحب الجلالة و المعالي كما عبروا أيضا عن استعدادهم اللاّمتناهي بوصفهم جنودا متطوّعين إلى ترميم الحنايا حتّى تخلّد ذكراهم على طول تلك المسافة الفاصلة بين العاشقين؛ بموجب ذلك رفعوا أثقال الحجارة المعبودة إلى الحنايا المنقوشة بأوراق الحنّاء تترك على اليدين أوشاما قرمزيّة كالفسيفساء الرّابطة بين اليدين أو الجبلين العاشقين على مسافة فاصلة بين مدينتين تنتصبان كالنّهدين أو كالوردتين؛ و بأمر من الملك السّامي رفع الماء المحفوظ في اللّوح المحفوظ في تلك الأحواض يقطع المسافات الفاصلة بين العاشقين من زغوان إلى قرطاج و قد حدّد كبير الكهنة الجزية بما يقابل عتق رقبة أرملة من النّار واقعة في عذاب النّار

     ترتفع الحنايا من زغوان شرقا إلى قرطاج غربا إلى المحيط على هيئة قطيع من النّعام يرعى النّجوم في كبد السّماء؛ ما انفكّت تقتلع العشب الطفيليّ تسلّل إلى جسدها يتعبّد على ضفاف الأنهار؛ احتلّت العصافير أعشاشا في تلك الأشجار؛ انحنت تصلي وقتين متعاقبين؛ صلوات سنّة مؤكّدتين؛ في ذلك المرعى الخصيب أكثر من حطّاب يقطع الحبّ من الأشجار؛ يطارد الأطيار؛ يقتل الفئران؛ يبست الأرض إصفارت كالنبيذ في فصل الخريف؛ لا تحرسها في وحدتها أو شعورها بالوحدة إلاّ تلك الآلهة تحميها ليلا ونهارا من أيّ اعتداء خارجيّ؛ تزيّنت الأقواس المائيّة على ارتفاع مهول بالذّهب والفضّة كما تتزيّن الطيور فوق قطار الطيور؛ تستقبل كلّ الجنود يبحثون عن خيول لا تشرب من العيون؛ وقد سمعت أنّ العروس منهنّ لا يسمح لها بين مغربين إلاّ بزواج المتعة من فارس واحد هو فارس الأحلام؛ تضاجعه مرّة واحدة في السّنة بعد أن تتسلّق تلك العروس تلك الحنايا جيئة وذهابا ثلاث مرّات في اليّوم؛ على أن تصلّي بين وقتين أو هفوتين في قمّة بين كلّ جبلين يفتحان على نهرين لا ثالث لهما ركعتين نافلتين؛ وقد أخبرني خازن المعبد بأنّ تلك الكتل الصخريّة الحجريّة تعود في أصل نشأتها أوّل نشأتها إلى سلالات مائيّة جوفيّة باطنيّة عميقة ناجمة بدورها عن مفعول علاقة عشق نادرة الوجود أو الحدوث عاشها راهبان أو عاشقان أو طائران في الحبّ معبودان صوفيّان؛ هي علاقة متشابكة متشاكلة غريبة الأطوار؛ يأخذك الاختلاف بين العاشقين أو الطّائرين إلى علاقة الأتلاف بين ارتفاع منسوب المياه السّاخنة في العين الصغرى وانخفاض منسوب المياه الباردة في العين الكبرى؛ أما العين الوسطى فقد انفجرت بكاء أمام تلك الحمم البركانيّة؛ تلك أنثى الماء في رحلة البحث عن الماء؛ قالت الكبرى: أريد الماء؛ قالت الصّغرى: أشتهي عين الماء؛ قالت الوسطى: أريد الحبّ في النّهر وسط النّهر يفيض بالماء؛ تذكرت قصّة عمر بن أبي ربيعة وهو يتجوّل بين نساء القبيلة يبحث عن نداء الحبّ في القبيلة. ألم يقل:” كلّما قلت متى ميعادنا؟ ضحكت هند وقالت: بعد غد”. حقا في كنف العزلة المطلقة أردت الشّعر والغناء

     تقول بعض الأساطير المعقودة حول جبال زغوان وقد انتشرت كما تنتشر الطّيور فوق الحانات بأنّ منسوب العيون من الماء أو من الحبّ لن ينضب إلاّ إذا تخلّى سكان الجبال عن عاطفة الحبّ في معبد الحبّ؛ كلّما شيّدوا المعابد زاد منسوب الماء في الجبال؛ كلّما تقدّموا في رفع الحجارة قرب المراقد أو الحنايا كالثنايا تغطّيها أشجار الحنّاء حمتهم الآلهة من الطّوفان الذي يترصدهم ويهدّد أمنهم ووجودهم من عدمه؛ كلّما أخرجت الصدقات على الفقراء من المساكين الذين غرقت سفينتهم في البحر كلّما زادت الآلهة من رزقك يتدفق إليك حلالا طيّبا؛ بدت عيون الماء كالكنائس المصقولة أو المنظومة مثل أبيات من الشّعر في قصائد الشّعر أو كالمعلقات السّبع الطّوال؛ لقد تعددت في تلك الأشعار أو الغابات الجبليّة القصص الخياليّة المنسوجة من الشّعر والطّرفة والنّادرة؛ قال رئيس المعبد: تعود قصة معبد المياه الذي يربط بين زغوان وقرطاج إلى ترسّب الحبيبات الرّمليّة أو الصّخريّة أو البنفسجيّة في بطن الوادي؛ إنها مرتبطة بقصّة الخلق وأطوار الخلق؛ مع بداية الخلق؛ كانت نشأة العيون ناجمة عن ترسبات المياه في الطبقات الأرضيّة الجوفيّة؛ ما أشبه قصّة خلق المياه وبداية المياه بقصّة خلق الإنسان وبداية الانسان؛ المياه الجوفيّة مثل الأرحام الباطنيّة مخلوقة من نطفة من أمشاج عالقة في الأرحام الصّخريّة؛ و قد تحوّلت بعد أيام الإخصاب؛ أي بعد لقاء ذلك الذكر من الفحول يسكن في قرطاج بتلك الأنثى من الفطام تحتجب في زغوان؛ بعد التّعشيش صارت النّطفة على هيأة علقة  بمقدار لقمة كالرّغيف أو بمقدار بذرة كحبّة القمح في التّراب؛ تفرز النّطفة خلايا صخريّة مدوّرة مع تجويف مركزي يصاحب ظهور الكيس المائيّ المحفوظ في الأرحام الصخريّة وقد تكوّن الجنين في الكيس الصّخريّ من جرّاء تلاقح حبّات الماء تضاجع خلسة حبات التّراب تستسلم خلسة؛ بعد ثلاثة أسابيع من الإخصاب تظهر حيوانات منويّة من فئة كفتات الرّمل؛ كفتات الخبز؛ فوق حبيبات صخريّة لا مرئيّة تترسب ثمّ تظهر كحوافر الخيل في الماء أو كالمياه الرّاكدة في قعر البئر المهجورة؛ تشبثت تلك الحيوانات بالحياة في ذلك الكيس الجوفيّ الصّخريّ؛ بعثت فيه الرّوح أوّل الرّوح؛ سلام هي حتّى مطلع الفجر؛ تمسّك الجسد بالرّوح وقد استوى على هيأة مضغة كأوراق الحرمل في الحرّ تعصف بها الرّياح في الصّحراء؛ يترك صوت الحيوانات في البئر وسط البئر يحمل تلك الأرحام أو الأرواح تريد الخلاص خريرا عذبا كالغناء أو كالماء رقراقا بين السنّين أسفل الشّفتين ترتفعان بين صخرتين واقعتين أعلى السّيفين احتكتا بالغمدين أو الماردين؛ تفرز المضغة قطرة كالثغرة صغيرة تسيل منها الدّماء فهي كالذّرة في الهواء أو كالجرح في الماء لا ينزف من الماء؛ تحوّلت القطرة بدورها إلى لحمة تكسو العظام و هي رميم؛ ربّاه أسمع عن بعد في بطن ذلك الحوت يرتفع كما ترتفع الصّخور صريخ ذلك الجنين يبحث في أقصى البئر أو أقصى الوجود أوّل الوجود عن شخص يناديه؛ عن اسم من الأسماء يغنيه عن كلّ الأسماء؛ ربّاه من يخلّص الصبيّ يبكي في بطن الحوت؟ بعد الخلق واكتمال الخلق؛ أي بعد الولادة بقيت تلك الصّخور دون أسماء تبحث لها عن أسماء تخلّد ذكرى الأمّ وموت الأمّ؛ كلّ ما تعرف وهي لا تعرف ما يمكن أن تعرف أنّ تلك الأمّ جاءها المخاض فجأة بين روعة البحر و سطوة الجبل؛ فقدت تلك الصّخور أمومتها؛ ماتت أمّها وهي تشتهي التّمر في البحر؛ وحين وصلت إلى جذع النّخلة وضعت توأما وماتت وهي تتسلّق تلك النّخلة دون أن تدرك التّمر في أقصى النّخلة فلا البحر أسعفها ولا الجبل أرضاها ولا النّخل سقاها؛ ولا العرجون انثنى فأعطاها؛ هي لا تعرف قبر أمّها لكنّها تعرف أنّها ماتت فوق تلك الصّخرة قرب تلك النّخلة عند الإنجاب؛ تركتها أمّها دون رضاعة ؛ بأمر من الإله أرضعتها الجبال؛ أعطتها من الأسماء أشدّها وقعا في النّفس؛ سمّى الاله أحدهما بقرطاج عروس البحار أمّا الآخر فقد سمي بزغوان عروس الجبال.

. كلاهما يتسلّلان إلى قلبك كما تتسلّل المياه بين الأصابع تخترق دفء الأصابع في الحانات؛ قال رجل من رجال المعبد أطلق لحيته كخيول بيضاء: ما أشيه حبّي لأنثى الماء تغرق في مدينة الماء بزغوان برجل هنديّ تعفّف دهرا عن النّظر إلى زوجة أخيه قبل موت أخيه؛ يخشى السقوط في فتنة جمالها؛ تقول الأسطورة الهنديّة: هي من أجمل الجميلات أو كالعروس في الماء ترسم جسدها على الماء؛ هو يخشى عليها كما يخشى على الماء؛ فإذا مات أخوه تزوجها حتّى لا تحرق نفسها فيموت جمالها أو تذبل كما تذبل الزّهرة على القبر.

   بعد عهود خلت أمر الملك الرّوماني بإعدام النّخلة وصاحب النّخلة وقد أمر باقتلاعها من جذورها في الجبال؛ مقابل ذلك أقرّ بأن تبنى المعابد في نفس المكان بعيدا عن ذلك المكان وفي نفس الزّمان بعيدا عن ذلك الزّمان حيث لم ينته الزّمان والإنسان والحيوان والنّبات؛ تطلّ المعابد على تلك الحانات أو الحنايا ترتفع كأوراق الرّمان تحمي حبّات الرّمان أو كالماء في الجنان أو كالجياد تعدو في مرتفعات الجبال أو كالفرسان تقطع المسافات الفاصلة بين العاشقين أو كالنّملتين في رحلة الحجّ إلى الكون المفقود؛ هما كالأمطار أو كالجبال لا يطيران أو كالصّخر لا يتحركان وقد أدركا الريّاح تهزّان البحار؛ رأيتهما منتهى القرنين قرب الحاجبين يفصلان بين الحرمين؛ لا يعرفان طعم التّمر كيف لا يسقط من النّخلتين؟ أغوتهما النّخلة فسقطا بين فجرين في مياه النّهرين عاشقين آثمين؛ هما لا يفهمان كيف يشربان النّبيذ ولا يسكران؟ كيف يشربان الماء ولا يرتويان؟ كيف يحبّان الدّنيا حبّا جمّا يفوق ارتفاع الجبال ولكنهما عن الآخرة عزفان؟ كيف يحبّان الصّدق ويقعان في الكذب؟ أغوتهما عرائس الجبل بالحبّ كالتمر يسقط في مياه النّهر؛ هما لا يفهمان كيف يموت الحبّ وتنتحر الأشواق؟ كيف يسكب الحبّ في كأسين بعد نظرتين كالنّبيذ يتسلّى به هؤلاء العبيد يرفعون الأعلام في البحر بعد دمعتين سخيّتين؟ هما لا يفهمان كيف يسقط التّمر من نخله بعد صلاتين في وقتين متتاليين؟ هما في الأغلب يفهمان أنّ أوّل الغيث قطرة ثمّ ينهمر؛ أول الحبّ نظرة ثمّ يرتفع؛ فلا هما يدركان منتهى الحبّ في أقصاه يفيض كالشهد المذاب ولا هما يدركان أسراب الحمام فوق النّهدين فيطيران؛ فلا أنت في العشق تقترب من البداية ولا أنت في الحبّ تدرك النّهاية؛ أنت حينئذ في منزلة بين منزلتين؛ لقد اختلط الحابل بالنّابل عندما تهاوى ذلك الجبل خاشعا في صلاته و قد سقط أرضا بعد نظرتين مائيّتين مزلزلتين تفتّحتا كالزّهرتين على شفتين منظومتين أو مضمومتين؛ تكشف العاشقة منهنّ في زغوان عن ثدييها تحنّ إلى مرور السّيفين على الطّرقات الضيّقة بين النّهدين يخاصمان نحلتين فوق وردتين تائهتين بين المروج الخضراء تمتصّان فجرا رحيق زهرتين جبليّتين فوق الحلمتين؛ تكشف المعشوقة منهنّ في قرطاج عن وفائها إلى حبيبها حين احتضنت ما ترك لها من مياه وسط معبد المياه وقد خلعت ملابسها على الجبل وتسلّقت تلك الحنايا تتعرّى كالصّبايا يتبخترن في مشيتهنّ مخضّبات بالحنّاء يتساقطن كأوراق الحنّاء وقد حان قطافها حتّى ترتوي من الحبّ أقصاه؛ كأنّهنّ كنّ يخشين أن يغرقن في النّهر قبل أن يدركن المياه في ذلك النّهر وسط النّهر. فلا هنّ أدركن النّهر ولا النّهر امتثل لهنّ فأعطاهنّ من الماء ما يشتهين ولا هنّ أدركن النّخل ولا النّخل أعطاهنّ ما يتمنّين؛ قلت: ليت السّماء تمطر ذهبا أو عنبا.

   تؤمّن الحنايا كالجواري الحسان في البحر وصول خيول الماء كاللؤلؤ المنثور إلى سكان قرطاج؛ أي وصول خيول الحبّ إلى عيون الحبّ على امتداد مسافة طويلة تناهز عتق رقبتين أو جبلين من النّار أو صيام شهرين متتاليّين؛ ومن أجل ذلك ماتت أنثى التّمر تشتهي التّمر؛ أو أنثى البحر تشتهي البحر؛ ومن أجل ذلك أيضا ماتت أنثى الماء تحت الماء تشتهي الماء؛ لقد أمر صاحب السموّ والمعالي الملك أدريا نوس كلّ راهبات البحر والجبال وقد امتطين صهوات الجياد باعتراض قوافل السّفن وأخذ مؤونتهنّ في البحر من قرطاج إلى زغوان كما أمر بأسر النّساء العاهرات من اللواتي يمارسن الفحشاء والبغاء في المياه؛ يرفضن ارتداء النّقاب والحجاب؛ و تعذيبهنّ رميّا بالحجارة حتّى الممات كما أمر بانتزاع بضائعهنّ النّّفيسة من الحنطة والقمح والشّعير وبيعهنّ كالعبيد في سوق الرّقيق؛ مازلن على دأبهنّ يمارسن الفحشاء في المياه؛ مقابل ذلك أعطى الملك الأمر إلى الرّهبان بتحرير كلّ النّساء الماجدات في السّفن العالقة في مياه البحر بين زغوان وقرطاج  ومكافأتهنّ على عفتهنّ ودوام شرفهنّ مضربا للأمثال وقد منحن وسام الشّرف بالعيش وسط الماء في طهارة الماء يتناولن أجود التّمر الفصليّ البعليّ؛ لقد تعاطفت الآلهة أيضا مع  هؤلاء المساكين والفقراء والمحتاجين تغرق سفينتهم جوعا في البحر؛ لقد كافأهم على صبرهم جوعا وعطشا أسابيع في البحر بالصيد متى شاءوا دون إذن من رهبان البحر؛ مقابل ذلك لقد أعدم الملك كلّ شخص سوّلت له نفسه بغراسة النّخل وذكر النّخل؛ لكنّه رفع من رتبة كلّ شخص شجّع على غراسة أنثى النّخل أو شيّد معبدا يرتوي منه النّخل و أنثى النخل؛ هو يعتقد جازما أنّ هؤلاء الأشخاص المناهضين لحكمه أي حكم الآلهة؛ هم من السّفلة لأنّهم بدل تنزيه الماء في النّهر ينزّهون النّخل في الجبل؛ هم لا يعرفون أيّهما سابق إلى الوجود: أنثى النّخل أم ذكر النّخل؛ أنثى الماء أم ذكر الماء؟ هم على ضلالة من المارقين على جهالة لا يميّزون في أصل الوجود قبل الخلق والتّكوين بين الذّكر والأنثى ولا يعرفون أيّهما سابق إلى الوجود قبل أوّل الوجود ومنتهى الموجود؟ كم ارتكبوا من إثم عظيم حين اعتدوا على طيور المعبد فوق المعبد وقد أمروا الصّبيان بقتلها وتعذيبها حتّى فرّت إلى الجبال؛ لقد منعوا عليها شرب الماء من الأنهار وكان ذلك من أكبر الكبائر؛ هم لا يعرفون أنّ تلك الطيور مقدّسة في حمى الآلهة ترفع دعوات النّاس إلى السّماء وهم ما انفكّوا يطلبون هطول المطر أيّام القحط والجدب والجفاف؛ و في المعتقد أنّ نزول الغيث يرتبط بالولاء المطلق إلى صاحب الفخامة والجلالة الملك المعظّم والمنزّه عن ارتكاب الذّنوب؛ وفي كتابهم المقدّس أنّ الطّيور في الجبال واسطة بين الجسد في الأرض و الرّوح في السّماء؛ حرام قتلها أو طردها من الدّيار فوق الدّيار؛ وقد قال كاهن ضرير: أنا على ثقة أنّ الطّيور المحلّقة في السّماء كانت أرواحا في أجساد بشريّة تركت صلاة الفجر قرب معبد الفجر فعاقبتها الآلهة أشدّ العقاب حين جعلتها على هيئة طيور تغنّي إلى يوم يبعثون؛ لكنّ رحمة الآلهة أعجز بها أن توصف حين استجابت إلى نداء الطيور تنحني طالبة المغفرة من تلك الذّنوب وقد تعاظمت الذّنوب؛ لقد منحتها فرصة أخرى كي تثبت براءتها وتوبتها فأطلقتها في السّماء تحلّق بكلّ حريّة حتّى تثبت جدارتها بتلك الحريّة

    شدّني في معبد الفجر صنم يجسّد “آلهة مارس” الرّامزة إلى الحرب والسّلم؛ وفي المعتقد أنّ كلّ الحروب الطّاحنة سببها احتكار الماء؛ كلّما انتشرت الحروب انخفض منسوب الماء في الأنهار وكلّما انتشر السّلم زاد منسوب الماء في الأحواض؛ ومن مفارقات الأمور لا يتزوّج الذكر من الأنثى إلاّ بعد أن يصبر على فراقها عطشا مدّة تناهز شهرين صياما وهو يصعد إليها عطشا فوق جبلين أبرصين لا ينتهيان؛ فإذا مات قبل أن يصل إليها وضعوا في مكان موته تمثالا على هيأة عين جارية يخرج منها الماء قطرة بقطرة و دمعة بدمعة و شمعة بشمعة تضيء الطّريق إلى عاشق آخر قد يصل من حيث انتهى ذلك العاشق إلى لقاء حبيبته متغلّبا على أهوال الرّحلة وصولا إلى العين تقع على الخدّين؛  تلك جبال زغوان تعطي العشق ولا تمنع الحبّ؛ فإذا أردت أن تنجح في عبور الصّراط على الجبلين جوابا عن سؤال الملكين أو الإمامين: بم غفر لك؟  اعلم أنّ صكّ التّوبة أو الغفران هو المحافظة على الصلوات أمام معبد المياه؛ لن تعبر الصّراط من زغوان إلى قرطاج دون أن تمرّ ببيت المقدس أو المعبودة الأولى “نبتون”؛ يقتضي الوقوف على الصّراط ذبح القرابين وإيتاء ذوي القربى والمساكين في البحر الزّكاة؛ قلت: وماهي الزّكاة على الماء؟ قال الكاهن: في شريعتنا الزّكاة على الماء من نوع الزّكاة على الحبّ. قلت: وما هو النّصاب لمن عاش كلّ حياته على حبّ لا يرتوي منه النّخل؛ قال: لا يقاس النّصاب بصاع أو صاعين من القمح بل يقاس بما يعادل الفارق في الكفّتين تتأرجحان على الميزان بين عدد الحسنات أو ما يعادل كميّة الماء في النّهر و عدد الأيّام من الحبّ أو ما يعادل كميّة الحبّ في القلب؛ إذا تجاوزت كميّة الماء من حيث السّيلان المنسوب الحقيقيّ المسموح به من الحبّ يجري جريان المياه في ذلك الشلّال يضحك كاشفا عن ثغر باسم إلى أجل غير مسمّى في العين؛ قام عليك النّصاب؛ وقد قدر بما يناهز الفرق بين قوّة المياه الجوفيّة في أعماق الأرض وقوة الرّياح في السّماء تأخذ نظراتي إلى أقصى الفضاء تجوب ذلك الفضاء؛ حارت نفسي لأني لم أدفع زكاة الحبّ على حبّ تخلّد بذمّتي ومازال في ذمّتي؛ ربّاه ماهي الزّكاة على الماء؟ ماهي الزّكاة على الحبّ؟ لماذا نخرج الزّكاة في عيد الفطر على الفقراء ولا نخرج الزّكاة في عيد الحبّ على العشّاق؟

      وفي المعتقد لن تصل إلى حبيبتك إلاّ إذا دام طوافك في ذلك الجبل أيّاما تحمل على ظهرك حجارة صلبة وقد أصابك عرق وعطش لا مثيل لهما على الإطلاق؛ تلك الطّلاوة في الصّخر؛ تلك الحلاوة في النّخل؛ تحجب الآلهة حبيبتك أيّاما في  بيت المقدس أمام وحشين كاسرين؛ تمنع من الكلام أوّل الكلام قبل صلاتين؛ تجلس وسط العين قرب العين المعبودة تغتسل من ذنوب طفت مثل بقع الزّيت فوق الصّخر؛ ترجم” أنثى الحبّ” كلّ صلاة بعد الصّلاة الوسطى الشيطان بالحجارة؛ تدعو بالخير أناء اللّيل وأطراف النّهار؛ يقال أنّها أثناء قيام اللّيل تتجرّد من  ملابسها؛ تطوف الجبال تراقب الطّيور في البحار؛ كم سكنت في تلك الأحواض الجوفيّة من آلهة تعطي السّلم تمنع اندلاع الحرب؟ ألم تحرس الطّيور بأمر من الآلهة المدينتين أو العاشقتين؟ ألم تمنع انتشار الأوبئة والفتن؟ بعد خمس سنوات من الجفاف وقد تنمّرت الطّبيعة؛ وأجدب البحر؛ وذبلت الأزهار وتعفّنت الأنهار شحّت وبحّت وقد تبرّجت الأشجار تخلّت عن ملابسها؛ انفصلت عن أوراقها؛ جاءت أزهار الفرح؛ أقيمت الذبائح وانتشر الطيور في السماء في ليال عشر بعد أداء صلوات عشر.

    أصبحت مدينة زغوان بجوار ذلك الجبل المعلق بين نهدين في روضة سحيقة كأنّها حوريّة لا تنام إلاّ وسط الجبال تحرسها ملائكة من الرّحمان؛ وقد قرأت قبل نومها جهرا المعوّذتين كما نطقت سرّا بالشّهادتين؛ يقول ذلك الحطّاب: حرام تسلّق الجبال وفي معتقداتنا أيضا حرام لمسها؛ لا يمكن أن تشرب من أنهارها أو ألبانها كما يمنع منعا باتّا أن تأكل من لحم أنعامها؛ كم عوقب من عاشق وقع أسيرا في غرامها؟ لقد حرّم الرّهبان على الشّعراء التغزّل بالأنهار في أشعارهم ولو ببيت واحد من الشّعر؛ كم أعدمت الآلهة من عاشق تغزّل بعيون النّساء؟ لقد شجّع شيخ الكهنة النساء على ارتداء الحجاب والنّقاب حتّى يسترن ما ظهر من عورة فاضحة في تلك الجبال أو الأجساد تنطوي على نفسها أو تتحرّر من نفسها؛ رأيت في دهاليز المعبد باقة من الورود قطفها شاعر كئيب أواخر النّهار لا يدرك منتهى النّهار؛ استوقفني ذلك الرّاعي في مرتفعات الجبال؛ قال: تغري “ذات الجبلين” أو “ذات النّهدين” تقف بعد صلاتين معلّقتين بين معبدين كلّ عاشق سقط في الحبّ من نظرة واحدة؛ ذات مرّة ضلّ عابر سبيل في طريقه إلى معبد المياه بمدينة زغوان الطّريق وقد فقد الأمل في تحديد منتهى الطّريق لا يأخذك إلى أيّ طريق؛ نعم فقد كلّ إحساس بالبراءة؛ ظلّ منشغلا بالبراعة تسكن في تلك الهضاب والمرتفعات؛ انطفأت أمامه كلّ المصابيح؛ تجرّدت السّماء من نجومها؛ سقط القمر بين ظلمتين حالكتين؛ عوى الذئب في الفلاة مرتين؛ ظنّ أنّه تاه في مقبرة لا تسكنها إلاّ العفاريت؛ لم تنقذه إلاّ حوريّة واحدة خرجت تصلّي بين وقتين؛ اعترض طريقها بين صلاتين؛ طلب منها ماء يطفئ به ظمأ احتلّ الرّيقين؛ قطعت صلاتها بالسّلام على الملكين؛ قالت: أنت إنس أم جان؟ من قذف بك بين الجبلين؟ قال: أنا عابر سبيل جئت قاصدا جبل زغوان أطلب الشّفاء من عين الشّفاء وقد ألمّ بي مرض عضال؛ قيل لي: اذهب إلى معبد المياه صلّي على طهارة ركعتين قرب مجرى العينين واحذر أن تلمس “سناء مكّة” في الجبلين أو تقطف من عشبتين نادرتين إلاّ بإذن من الملكين؛ استغفرت الحوريّة ربّها؛ سترت عينيها بحجاب أخفى تفاصيل وجهها القرمزيّ؛ قالت: انظر إلى يمينك تجد فرسين اثنين لهما دبيب كالنّبيذ وصهيل كالرّعد في الخريف؛ اركب على صهوة فرس أشقر وانطلق في حال سبيلك قبل الغروب أوّل الغروب؛ لا تنسى إيّاك أن تضرب الفرس بقدميك؛ قلت: أنّى لي ذلك لا أعرف ركوب الخيل وقد أسقط أرضا قبل سقوط النّجمتين؟ ضحكت في وجهي؛ قالت: لا تخشى سقوطا أنت بين رعاية ملكين؛ قلت: أرجوك جئت أطلب الشّفاء؛ من يشفي ذلك الأبرص؟ من يعيد البصر إلى ذلك الجبل الأعمى؟ لا أريد أن أعود خاوي الوفاض دون علاج؛ فجأة اختفت الحوريّة؛ لم أعد أسمع إلا هواتف تهمس همسا نائيا رقيقا كالذّكرى؛ تجمّعت الهواتف على شكل طائر بديع الألوان أخذني في لمح البصر فوق قمّة وسط قمّة بين منتهى عينين يفيض منهما ماء عذب يسيل كلسان الشمعة في صفاء الدّمعة بين منتهى الخدّين؛ قال ملك من ملوك الماء: اشرب؛ قلت: ما أنا بشارب؛ قال: اقرأ؛ قلت: ما أنا بقارئ؛ قال: اقرأ باسم ربّك مالك الملك؛ فاطر السّماوات والأرض؛ قلت: أنا على ديني أرفض عصيان ربّي؛ لن أشرب ماء أو أقول شعرا؛ تحرّك الجبل مع هبوب رياح ثلجيّة باردة؛ نزلت أمطار عاصفة؛ عصف برق خاطف؛ يا اللّه أنا عبد ضعيف؛ أنت خلقت الإنس والجنّ؛ قلت: كن فيكون؛ ربّاه اطرد عنّي السقم؛ جئت إلى مدينة زغوان خاطبا راغبا في الشّفاء؛ أين تقع عين الشّفاء؟ اجبر بخاطري؛ ارفع عنّي البلاء؛ حملت الحديد والصخر فلم أجد أجمل من العافية؛ بعد انتهاء العاصفة الجبليّة سمعت بأنّ ذلك المصاب بالبرص شفي وتعافى من مرضه لأنّه رفض أن يقطف من “سناء الحرم” وهي عشبة جبليّة محضورة؛ هو لم يسقط في الإثم كما سقط أبونا آدم وقد أغوته الثّمار.

   واصلت السّير وسط تلك الممرّات الجبليّة الضيّقة؛ وجدت نفسي  أمام “جبل العشّاق” بزغوان؛ تقول الأسطورة: بنى الرّومان عدّة معابد لا تدخلها إلاّ عاشقات اللواتي تكاثر عددهن تكاثر الأزهار في الجبال؛ لا يسمح للعاشقات مهما كانت صفتهنّ حتّى لو كن من طبقة النّبلاء بدخول تلك المعابد؛ اشترطت الآلهة عليهنّ قبل الدّخول و بعد الخروج من ذلك المعبد السّامي أو المنزّه التوضؤ بماء لا يوجد إلاّ في جوف الأنهار؛ لا يسمح بعبور العاهرات وقد أعطاهنّ صاحب العرش الإذن بالصّلاة التي تخضع إلى عدّة شروط صارمة لعلّ من أهمّها التزام المعشوقة في سلوكها وسط المعبد بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

   يتدفّق على المعبد خلال اليّوم عدّة راهبات عاشقات يؤدّين سرّا عدّة صلوات غريبة أمام  أنهار المياه التي يزداد منسوبها من الماء أو من الحبّ بازدياد الصّلوات بين قمّة جبلين منتصبين كالسّيفين فوق النّهدين؛ أمر الملك بحراسة مشدّدة على مضيقين قرب معبدين هامين واقعين بين ملتقى عينين ساطعتين مثل وردتين متحجّبتين في البحر متنقبّتين في الجبل؛ يتدفّق تحت الوردتين الصّخريّتين نهر ماؤه عذب كالفرات لا تنضب سماؤه؛ شهد مذاقه لذّة للشّاربين؛ وقد أمر صاحب المعالي” أدريانوس” في أيّام الشدّة عندما عمّ القحط وجفّ الزّرع بقتل كلّ الطّيور التي تنتهك المزارع تأكل من المحصول وتشرب من ماء العيون؛ كما أمر بحراسة مشدّدة على مدينة” زيكوا “منبع الخيرات؛ كما نهى الملك أن يهدر ماء الجبال وقد شيّد تلك الحنايا حتّى تحفظ مياه الآلهة من الضياع؛ حارت نفسي أمام تلك الأعمدة والأحجار من كلّ أصناف؛ أخذتني القباب إلى ذلك الفنّان المجهول وقد رسمها بإتقان؛ حقّا أحسست كما قال شاعر كئيب أواخر النّهار بأنّ “الفتاة التي شاركتني فراشي مضت قبل أن يطلع الفجر”؛ هناك شمالا تناديك “ذات السّيفين” تعال إن شئت جسدي؛ تعال إن شئت أغنامي؛ كم في تلك الجبال وسط الجبال من كهوف وسط كهوف لا يسكن فيها إلاّ الأنبياء من سلالة تعود إلى منابع المياه؛ شدّتني صلاة العشّاق أمام عيون الماء تنفجر غاضبة أمام ذلك المعبد؛ تقول الأسطورة: إنّ ذلك المعبد محراب العشّاق تحرسه الآلهة منذ آلاف السنين؛ لا تكفّ العين العاشقة تضع رموشها على أطراف الجبل عن البكاء؛ يزور العشّاق بأمر من ملكة الماء “نبتون” تلك الجبال مرّات معدودات في السّنة وهم يحملون صخورا صلبة فوق ظهورهم يتقرّبون بها إلى المعبود؛ ترفض آلهة الرّومان من يرتدي الحليّ من الذهب والألماس؛ تصلب أرضا كلّ عاشقة تكشف عن عورتها أو تبوح بحبّها؛ لقد عذّبت الآلهة كلّ العشّاق وحرمتهم من دخول تلك المدينة التي لا يسكنها إلاّ الشّعراء يكتبون معلقاتهم بين فجرين فوق جبلين يرتفعان كالنّهدين؛ بمرور الزّمن تحوّل الشّعراء إلى طيور صخريّة بريّة لا تعيش إلاّ على التّلال الجبليّة؛ يرى سموّ الملك ادريانوس بأنّ سكان الأرض الأصليّين هم من عبدة الأوثان أصلهم من حجارة يرفضون الاعتراف بأنّ أصلهم يعود إلى سلالة أول الأنبياء سيّدنا آدم وقد خلق من تراب؛ يقول كبير الكهنة: نحن نرفض التّراب؛ نحن نعيش في الماء ولا نشرب الماء؛ ماء النّهر مخلوق مقدّس؛ محضور لمسه باليدين أو شربه بالشفتين؛ معجزتنا الطّوفان؛ آلهتنا تعطي الخير وترفض الشرّ؛ تحبّ الصّدق وتكره الكذب؛ تجمدت تلك الجبال فصارت على هيأة طيور بريّة كاسرة أعلنت عن توبتها؛ قال الجبل: ربي اغفر لي ذنوبي وهن العظم منّي واشتعل الرّأس شيبا؛ انفصل الجبل العاشق في زغوان عن البحر المعشوق في قرطاج؛ بأمر من آلهة الماء “نبتون” تحوّلت أوراق الحنّاء إلى مصابيح خضراء في الماء؛ قالت صاحبة العرش: لن تقبل توبة الجبل يضاجع الطيور في البحر؛ إلهي وقع المحظور؛ ارتكبت العاشقات الفجور فوق الصخور؛ لم يحترمن معبد العيون؛ صارت النّساء متحجّبات آثمات مارسن بالعين غمّازة همّازة الفسوق والفجور؛ لا بدّ من حفظ شرف اللّفظ عن المعنى في تلك الحنايا أخذها نعاس كرذاذ مطر خفيف أصاب العيون تتبرّج كالصهاريج؛ لا بدّ من تدفّق الماء إلى حانات قرطاج وقد أصابها القحط والجفاف؛ لا بدّ أن تنزل الأمطار؛ لابدّ أن تتغيّر رائحة الأرض بعد نزول الغيث لا بدّ أن ترحل النّساء أفواجا كالطّيور فوق ماء العيون؛ يكشفن عن جمال تلك العيون أصابها حور يفتن القلوب؛ خلعت السماء حجابها أمام النّجوم كأنّها جزء من النّجوم؛ شربت دون إذن من ماء العيون؛ ارتفعت إحداهنّ إلى الخدّين تريد عناق الشفتين الواقعتين بين نهرين جبليّين؛ استباحت الطّيور مجرى العيون؛ قطفت ثمارا واقعة بين النّهود؛ ادّعت أنّها في الحبّ لا تصلي إلاّ بعد وقتين بين مغيبين؛ لا يفيض النّهر الواقع بين نخلتين إلاّ إذا عفت الآلهة عن فعل خبيث ارتكبناه؛ لم يعترف ذلك الغجريّ بحكم الرّومان؛ حرّروا العبيد من حبّ تسلّل فجرا إلى معبد المياه؛ أقاموا سدودا تحفظ معبد المياه؛ حرّروا النّساء من السّقوط في ماء المستنقعات؛ أمر الملك الجنود بأن يراقبوا مجاري الأنهار؛ كسّروا الأوثان؛ رفضوا الصّلاة أمام الأصنام المعلّقة في الجبال؛ نهت الآلهة عن زيارة الحنايا لأنّها لا تتكلّم ولكن بالمقابل سمح للعاشقة باستخراج جثّة المعشوق من القبر حتّى يسقى مرّة واحدة من ماء الأنهار؛ كما سمح للميّت إذا كان عاشقا بأن ينام قرب معشوقته يوما واحدا في السّنة؛ ومن غريب معتقداتهم يحنّطون موتاهم بالمسك والكافور؛ يؤمنون بأن الماء يغفر كلّ الذّنوب؛ لا يوجد يوم الحساب؛ لا تخرج الأرواح إذا كانت مؤمنة على صلاة و طهارة من ذلك المعبد؛ لهم فرائض معلومة عشر صلوات؛ تقام خمس صلوات بالنّهار في مرتفعات الجبال قرب مجاري العيون؛ بينما تقام خمس صلوات باللّيل قرب مهوى القرط؛ يرفض الكاهن صلاة كلّ شخص لا يتوضأ من مياه النّهر الجبليّ الذي تعود جذوره إلى سلالة حجريّة؛ كلّ العشّاق لهم أصول تعود إلى منابع مائيّة جوفيّة في أعماق الأرض. يعاقب كلّ من يفشل في الوصول إلى تلك المياه الجوفيّة؛ بأمر من الآلهة يعلّق كلّ عاشق في رأس جبل نباته كالإبر؛ لأنّه سقط في الغواية؛ لم يصل العاشق إلى تحديد منابع الحبّ أي منابع الماء؛ حسب الأسطورة هناك علاقة حتميّة بين الوصول إلى الماء في أعماق الأرض والوصول إلى الحبّ في أعماق النّفس البشريّة؛ حتّى الحبّ من سلالة الماء في الأنهار؛ حتّى النّهر أو ماء النّهر من سلالة الحبّ في النّفس البشريّة.

مقالات ذات علاقة

القصيدة المقال المقاوم

المشرف العام

قتلوني و لكن لم أمت

المشرف العام

الاعتراف هو سيّد الحقيقة

المشرف العام

اترك تعليق