حوارات

علي عبداللطيف حميدة: الاستعمار الإيطالي كان عنصرياً وبشعاً وقام بجرائم إبادة

الطيوب | حاوره: رامز النويصري

أتمنى أن ترمم المعتقلات وأن يبنى متحف عنها

هناك ذاكرة مفقودة في العديد من أنحاء ليبيا والعالم العربي

الكتاب يحقق ويعيد كتابة تاريخنا الحاضر

الطيوب في حوار مع الدكتور علي عبداللطيف حميدة
الطيوب في حوار مع الدكتور علي عبداللطيف حميدة

لم تنتهي حقبة الاستعمار الإيطالي لليبيا لحظة خروجه مندحراً في الحرب العالمية الثانية، ولا بخروجه النهائي في أكتوبر 1970م، بل إن آثاره مازالت موجودة ومستمرة وماثلة للعيان، على المستويين التاريخي والاجتماعي، ومن هذه الآثار المعتقلات التي أقامها الاستعمار الإيطالي، ولعلنا نذكر مشاهد البؤس للمعتقلين كما صورها فيلم (أسد الصحراء) للراحل الكبير مصطفى العقاد، وأيضاً قصيدة (ما بي مرض) للشاعر والمعتقل رجب بوحويش.

في هذه الفسحة نستضيف الدكتور علي عبداللطيف حميدة، للحديث المعتقلات التي أقامها المستعمر الإيطالي الفاضي، خاصة وإن الدكتور حميدة صدر له قبل فترة كتابه (الإبادة الجماعية في ليبيا) أو (Genocide in Libya: Shar, a Hidden Colonial History)، حيث اختاره موقع Bookscrolling، ضمن قائمة أهم كتب التاريخ في العالم، الصادرة خلال العام 2020؛ عن دار روتليدج – مجموعة تايلور وفرانسيس.

تناول الحوار، مجموعة من النقاط التي تركزت على مشروع الكتاب، موضوعاً وتأثيراً، خاصة وإن المعتقلات تدخل ضمن عمليات الإبادة الجماعية التي مارسها المستعمر الإيطالي الفاشي في ليبيا. هذا إضافة إلى مجموعة من الموضوعات المهمة ذات العلاقة بمسألة المعتقلات والإبادة الجماعية، إقليمياً وعالمياً…

بداية؛ كيف جاءت فكرة الكتاب؟ ولماذا؟

جاءت فكرة الكتاب مبكراً، خلال فترة بحثي ودراستي أطروحة الدكتوراه، وموضوعها الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لأساليب المقاومة الليبية للاستعمار الإيطالي، والتي أنجزتها في عام 1990.

فقد لاحظت أن المعتقلات الجماعية في الفترة ما بين 1929 – 1939 كانت من أخطر وأبشع جرائم الاستعمار الإيطالي، لكن لانشغالي بالتدريس الجامعي وقضايا بحثية أخرى عن تاريخ السياسات الكولونيالية في شمال أفريقيا، تركت الموضوع لمدة عقد من الزمن. وبعدها رجعت للموضوع لسببين:

أولاً اكتشفت أنا الموضوع مغيب ومجهول في الدراسات الحديثة عن المعتقلات والإبادة الجماعية، ليس فقط في الخارج وكان هناك كتاب وحيد أنجزه د.يوسف سالم البرغثي. قدم أصلاً كرسالة ماجستير في التاريخ.

ثانياً؛ الاهتمام بهذا الموضوع الخطير تطور تدريجياً عندما استوعبت عملية النسيان والتجاهل وأيضاً الذاكرة الشفاهية للأحياء والناجين. تجاهل من الدولة الليبية، وصمت إيطالي وغربي ومقاومة خفية في الداخل.

بدأت في البحث الأرشيفي والميداني في عام 2000، واستمر حتى عام 2010، أي عقد من الزمان وخمس سنوات في التأكد والتحقيق في الدلائل والمصادر المختلفة باللغة العربية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية.

الفكرة بدأت تبرز بعد إكمال برنامج البحث الأرشيفي والمقابلات الشفاهية مع الناجين والزيارات الحقلية الميدانية لمواقع المعتقلات، وبالذات المعتقلات التي أسميتها معتقلات الموت؛ العقيلة والبريقة والمقرون وسلوق. لكن فكرة الكتاب تطورت من دراسة عن المعتقلات وتاريخها وشهاداتها في ليبيا، إلى دراسة معمقة للتاريخ والذاكرة الاستعمارية في إيطاليا الآن، وأيضاً أدبيات الإبادة وبالذات ما يسمى دراسات الإبادة الذي يركز على المحرقة اليهودية التي ارتكبتها الدولة النازية، وأصبح الكتاب أكثر تركيباً وسعة، ليشمل دراسة تاريخ وذاكرة ونسيان المعتقلات الفاشية في أوروبا وبالذات إيطاليا وألمانيا وليبيا، وأيضا إضافة الحالات الأخرى للإبادة الاستعمارية في الكونغو وناميبيا والجزائر.

إذا الكتاب لا يحقق في تاريخنا المنسي والمخفي فقط، ولكن التاريخ والثقافة والفلسفة الأوروبية ذاتها، إنما يضع الحالة الليبية في إطار عالمي مقارن نقدي، ومن وجهة نظر ضحايا الفاشية والنازية، وليس في أوروبا فقط، ولكن في أفريقيا، وبالذات ليبيا تحت الفاشية الاستعمارية الإيطالية.

بالتالي، صار الكتاب أوسع وأشمل وأكثر طموحاً منهجياً ونظرياً وتاريخياً، ولهذا أخذ مني أكثر من عقد ونصف من البحث في ثلاث قارات وثلاث لغات.

الكتاب يحقق ويعيد كتابة تاريخنا الحاضر ليس في ليبيا والعالم العربي وإفريقيا فقط، لكنه أيضاً يعيد كتابة التاريخ والثقافة الأوروبية من منظور ما بعد الاستعمار، ولكن من خلال المنظور التاريخي الليبي العربي الإسلامي، يضع الحالة الليبية للإبادة ويقدمها للمعرفة العالمية المقارنة والمترابطة. أي يضع تاريخ الذين لا تاريخ لهم في الواجهة، ويتجاوز التاريخ المهتم على أوروبا فقط.

في هذه الرحلة الطويلة من البحث؛ ما الذي اكتشفته خلال هذه الرحلة؟

اكتشفت أولاً، أن الذاكرة الليبية للأحياء خصبة ومفصلة وواعية لما حدث لهم، وأن هذه الذاكرة يُحافظ عليها بشكل أهلي عائلي اجتماعي للأبناء والبنات والأحفاد. ثانياً أنه كانت هناك سياسة متعمدة للنسيان وطمس هذه الجريمة والعبث بالأرشيف الذي يفضح هذه الجريمة في إيطاليا. ثالثاً إن سياسة الإنكار والصمت على هذه الجريمة الجماعية لم تدرس في ليبيا بعمق، حتى في أيام النظام الجماهيري السابق، وقبله النظام الملكي، ولهذا جل الشباب الليبي يجهل هذه الجريمة، ويتذكر فقط فيلم مصطفى العقاد، عن عمر المختار (أسد الصحراء).

أما في إيطاليا فاكتشفت أن الدولة والنخب الحاكمة والجامعات والمدارس لا زالت تتجاهل هذه الجريمة، بل إن الفاشية الإيطالية لازالت تطرح ليس فقط أقل شراً من النازية، بل حالة تمدن وحضارة حدثت إيطاليا والمستعمرات، هناك فقط استثناءات لبعض المؤرخين والصحفيين الشجعان، ولكن الصمت يعاد إنتاجه حتى الآن، بل بكل وقاحة هناك الكثيرون في إيطاليا يقولون نحن بنينا ليبيا وطورنا البدو المتخلفين الليبيين.

أخيراً اكتشفت أن القادة النازيون الألمان أعجبوا بالمعتقلات وخطط الاستيطان الإيطالي في ليبيا. لماذا؟ لأنهم نجحوا في تفريغ الأرض من السكان الأصليين وتوطين الفلاحين الإيطاليين بها.

لماذا لجأت إيطاليا إلى عمليات الإبادة؟

إيطاليا لجأت للإبادة والمعتقلات الجماعية، أولاً لسحق المقاومة، وثانياً لتفريغ المنطقة الشرقية من السكان تمهيداً لتوطين فلاحين وعمال طليان في ليبيا، لهذا أطلق على المستعمرة الليبية الشاطئ الرابع، أي إنها ليست مستعمرة تقليدية، لكنها جزء من إيطاليا، كما الحالة الفرنسية في الجزائر.

هنا من الضرورة الوعي بإن الاستعمار الاستيطاني في ليبيا والجزائر وجنوب أفريقيا والكونغو وناميبيا مختلف عن التجارب الأخرى في العالم العربي وأفريقيا.

اسمح لي بالتوقف هنا، والاستفسار؛ هل كانت هذه المعتقلات ممنهجة؟ وهل حققت الهدف منها؟

إيطاليا على الأمد القصير حققت أهدافها بعد إبادة حوالي 60000 ليبي، من المنطقة الشرقية وآلاف آخرين في بقية أنحاء المستعمرة، ونفي آلاف آخرين، وجاءت بمستوطنين طليان، والهدف توطين نصف مليون إيطالي. لكن المقاومة استمرت من خلال أسلوبين.

أولاً ذاكرة المعتقلين والمنفيين في الخارج وبالذات جميعة الدفاع الطرابلسي البرقاوي قامت بعمل جيد لإحياء الجريمة وقضية حق تقرير المصير والاستقلال الذي جمع الشعب الليبي.

وثانياً أنا مدين للأحياء والناجين الذين حافظوا على التاريخ الشفاهي للمعتقلات، وتحدثوا معي، بعبارة أخرى الناجين وتاريخهم الشفاهي والشعراء الليبيين حافظوا على هذه الذاكرة.

لقد كنت محظوظاً لأنني بدأت في عام 2000، لأنني لو تأخرت في القيام بهذا التحقيق العلمي والتاريخي لضاعت منا أصوات الضحايا والناجين، لأن جلهم صاروا كباراً في السن أو أصابهم الخرف أو توفوا. أحمد الله أنني بدأت في العام 2000، وكنت محاطاً بالأصدقاء والزملاء وأبناء وبنات الناجين الذين يسروا لي القيام بالبحث الميداني والشفاهي.

سؤالي الآن: هل كل إيطاليا في ذلك الوقت؛ كانت موافقة على ما يحدث في ليبيا، خاصة عمليات الإبادة؟

القيادة الفاشية الإيطالية من غراتسياني حتى الجنرالات الكبار، كانوا واضحين في سياسة الإبادة والنية المبيتة على ذلك.

وقد وجدت رسائل دامغة في تحقيقي التاريخي والثقافي على هذا، خاصة رسائل دي بونو وبادوليو وغراتسياني الذين كانوا وراء تنفيذ سياسات المعتقلات والإبادة.

عودة على مسالة بحثك في التاريخ الليبي: كيف تقيم هذا الاستعمار؟ كيف كانت تنظر إيطاليا إلى ليبيا كشاطئ رابع؟ وهل أنت ممن يرون أن ما تعيشه ليبيا هو نتيجة هذا الاحتلال؟

الاستعمار الإيطالي كان عنصرياً وبشعاً وقام بجرائم إبادة مثل الحالات الأخرى للاستعمار الاستيطاني. حتى المدن التي بناها والمزارع والطرق كلها كانت من أجل الطليان والمستوطنين وليس الليبيين، وهنا لابد من الحذر من رجوع السردية الاستعمارية والتي تحاول أن تسوق لفكرة أن إيطاليا الاستعمارية بنت ليبيا الحديثة.

هذا هراء ودعاية فاشية وكتابي يقدم الدليل الدامغ على واحدة من أكبر جرائم هذه الفاشية، التي تميزت بأنها وحدها في أوروبا كانت لها مستعمرات.

إيطاليا بعد 1922 كانت دولة فاشية واستعمارية، بينما ألمانيا فقدت مستعمراتها بعد الحرب العالية الأولى، ولكني أجادل بأن المحرقة هي كتطبيق للإبادة التي حدثت في ليبيا والكونغو وناميبيا، وليست حالة استثنائية كما يطرح في جل دراسات الإبادة في أوروبا وأمريكا.

ما رأيك فيمن يقول، إن ليبيا الحديثة، من مباني وبنية تحتية ما قبل الاستقلال تدين بالفضل للاحتلال الإيطالي؟

لابد من طرح سؤال؛ لمن ولأجل من بنيت المدن والطرق والموانئ والمزارع؟

الإجابة، للطليان.

لأن النظرة الاستعمارية كانت إيديولوجية عنصرية، ومن السذاجة والاستلاب التاريخي أن ينظر كما أقرأ الآن أن بالبو بنى ليبيا الحديثة، عندما يقرأ الليبيون كتابي الذي سوف يصدر بالعربية في نهاية الصيف، سيستطيعون أن يقرروا بأنفسهم في موضوع الحداثة والتنمية وبناء ليبيا.

فيما يتصل بالتاريخ الليبي؛ هل هناك أجزاء مخفية من تاريخ إيطاليا في ليبيا؟ وما مدى العمق التاريخي الليبي الإيطالي، تاريخياً وثقافياً؟

المعتقلات هي أهم الجرائم التي أخفيت وتم طمسها في إيطاليا، والدراسات الإعلامية والأكاديمية والفن والـسينما الإيطالية والغربية، ولكن علينا التحلي بالشجاعة وممارسة النقد الذاتي. بصراحة نحن لا نعرف تاريخنا، ولم يقدم أو يدرس لنا، لهذا هناك ذاكرة مفقودة في العديد من أنحاء ليبيا والعالم العربي.

أيضاً ما حدث في المعتقلات لم يعرف حتى الآن وهو مخفي يحافظ عليه الناجون وأحفادهم وقلة من الباحثين، وبالذات الدور الرائد لمركز دراسات الجهاد (المركز الليبي للمحفوظات والبحوث التاريخية) في تجميع التراث الشفاهي ولكن باستثناء كتاب د.يوسف البرغثي، فنحن أهملنا دراسة هذه الجريمة الجماعية الشنيعة والتي لازالت آثارها معنا حتى الآن.

قبل الختام؛ هل هناك ما تود إضافته بالخصوص؟

كتابي ليس الكلمة الأخيرة، هو بداية للنقاش والحوار والتعمق. أتمنى أن يُقرأ ويناقش مرة واثنتين وثلاثة، في المجلات والمواقع والمدارس والجامعات، وأتمنى أن ترمم المعتقلات وأن يبنى متحف عنها، وأن يبدأ شبابنا في دراسة هذه المرحلة، وأيضا الاهتمام بدراسة اللغة الإنجليزية والإيطالية.

كما أتمنى ان تكون القراءة ناقدة وعميقة وليست سريعة ومتكررة، لأن هذا الموضوع معقد ومركب ويحتاج الصبر والنقاش الجاد.

قد يساهم هذا الكتاب في فهم من نحن؟ وماذا حدث لنا؟ وألا نسقط في الخطابية والإنشائية أو عقدة الاجنبي وأدبيات وجدليات الحداثة من غير أن نتحدث عن الاستعمار والإبادة الجماعية أو نسقط في كره الذات، والشعور الدونية، نحن نملك تاريخاً نضالياً تحررياً، برغم قلة شعبنا وفقره المادي إبان مرحلة النضال ضد الاستعمار.

ما هي مشاريعكم المقبلة؟

هناك كتاب ثان عن المعتقلات أقوم بدراسته الآن، اسم الكتاب (بقايا العقيلة)، ويركز على الآثار المعاصرة لجريمة المعتقلات في المجتمع والثقافة الليبية بعد الاستقلال في عام 1951.

كلمة أخيرة…

شكراً أخي رامز على استضافتي في الموقع المميز بلد الطيوب.

الكتاب قام بترجمته الدكتور زاهي المغيربي، وسوف يصدر في ليبيا، ضمن منشورات مركز ليبيا للدراسات المتقدمة، في بداية الخريف القادم.

مقالات ذات علاقة

خديجة بسيكري إحدى المنظمات لجائزة مفتاح بوزيد في دورتها الأولى لفسانيا: بنغازي كلها تعاضدت من أجل نجاح الاحتفالية

حنان كابو

الشاعرة سميرة البوزيدي .. الهذيان الذي ينتج كتابة خلاقة ومختلفة ينبغي جميعا ان نحبه

حنان كابو

الكاتب يونس الفنادي لبرنيق: الثقافة وطن مسكون بالتحدي.. تحدي المعرفة تجاه الجهل وتحدي الجمال في وجه صور القبح

منى بن هيبة

اترك تعليق