قصة

شبشب زيكو

من أعمال الفنان محمد الشريف.
من أعمال الفنان محمد الشريف.

سأحتاج إلى وقت طويل جداً، لاستوعب ما حدث في تلك الدقيقة التي فتح فيها الضابط باب عنبر السجناء، كان الوقت ظهيرة، وشمس منتصف مارس فتيّة حد الجموح، الرمل اللامع في الفناء يعكس دفئاً مراوغاً، الملابس القبيحة على حبال الغسيل تذكر بمراكز إيواء المهاجرين، سمعت صرير انزلاق المزلاج في درفة الباب الحديدي الكبير، ثم  فجأة فقدتُ القدرة على قراءة المشهد، وقراءة الوجوه التي خرجت تواجه صدمة الشمس وعدسات التصوير، والمجهول الذي يجتر قاطرة من الخوف والقلق والريبة والهمهمات المتسائلة، كانوا يتدافعون نحو الفناء بالتفاتة طفيفة إلى الخلف اتّقاء ما يبدو أنها ركلة قدم اعتادت عليها مؤخراتهم.

ثم وبشكل ما شد انتباهي ظل باهت على سطح الرمل، ينتهي عند قدمين نحيلتين داخل شبشب بلاستيكي رخيص، من النوع زيكو، يتصل بجذع منهك ورأس أكلها الشيب، كان ينصت باهتمام أو ربما ببلاهة إلى كلمة مسؤول المنظمة الحقوقية، جميعهم كانوا ينصتون والمسؤول يخبرهم عن أشياء كثيرة ممتعة ومفيدة للسجناء بالإمكان توفيرها لهم، كتب ومجلات، صالة رياضة، ودورات تأهيلية في النجارة والسباكة، وعندما انتهى لم يصفقوا ولم يبتسموا. والسجين الذي أكل الشيب رأسه ينظر باتجاه الباب الحديدي الكبير الذي يفضي إلى الخارج، تلك النظرة المنكسرة القلقة الواهنة المستغيثة، ولأنني كانت المرة الأولى التي أرافق فيها وفداً حقوقياً لزيارة سجناء، فكان إيماني بفكرة الحرية مطلقاً وعميقاً، وأرى أن الحياة أقصر من أن يقضي شخص سنوات طويلة من عمره في عنبر معزول، متعتهم الوحيدة هي إخراجهم إلى الفناء الرملي المشمس أو إلى ملعب الرياضة. تأملت العينين الناعستين الكسيرتين والخطوط الغائرة حولهما، رموشه الطويلة والكثيفة التي تنبئ أنه ما يزال شاباً، وأن الخيانة التي ارتكبها شعرُ رأسه في حق عمره الغض كانت ضمن خيانات أخرى فعلها به الزمن، ربما الفقر، أو تفكك الأسرة، أو خطأ غير مقصود، لماذا نعاقب فرداً هو في الغالب جزءاً من سلسلة كبيرة من المجرمين شاء سوء حظه أن يكون حلقتها الأضعف، كنت وأنا أتأمل الجسد الهزيل ألاحظ أن الشبشب البلاستيكي يقترب بخطوات مني تاركاً ندوباً في الرمل يلفها شيء من الغبار، رفعت رأسي ليفاجئني بوشوشة سريعة: كيف حالك يا أبلة أنا مروان، ناقصني شوية فلوس.

وكأن يد الإله عادت فجأة لتعيد ترتيب خريطة الكون إلى شكلها الصحيح، وتلتقط جسماً رخوياً علق في مدار كوكب دري، وتنفتح فجأة مغارات شاسعة في الذاكرة تعيد صورة حيّنا القديم، البيت المقابل حيث نشأ مروان صبياً متوارياً إلا في الليل حين يقفز الأسوار لسرقة الدجاج من بيوت الجيران، ثم سرقات أكثر قيمة، نقود ومجوهرات وسيارات ومحال تجارية، أذكر والدته المعلّمة الهادئة الرصينة التي فتتها السّكري منذ أن وصلهم أول إخطار من النيابة يطلب ابنها  للتحقيق.  والده الذي يقضي نصف يومه في الوظيفة وبعضاً من يومه عاملاً على سيارته، لا ينقص عن بيته شيء من رغد الحياة، أشقاؤه المهذبون المجتهدون في دراستهم، وجدّته الطيبة الوقور، أذكر رحيل العائلة بعد أول جريمة قتل حين أفرغ رصاص مسدسه في صدر سائق عابر رفض أن يترك له سيارته، ثم أخيرا اختطاف طفل وطلب فدية نصف مليونية، عجزت عنها أسرة الطفل فأرسل لهم جثته الصغيرة في سلة للغسيل.

تجمدت بلا حراك أمام الشبشب البلاستيكي الذي يتلوّى على الرمل كثعبان ذو رأسين، أشيح بوجهي عن العينين المتجاسرتين، وابتسامة وقحة على الوجه الذي سُك من شمع بارد، وكان صراخ الضابط وهو يأمر السجناء بالعودة إلى العنبر، فيركضون ملتفتين إلى الخلف التفاتة طفيفة،  خاتمةً مثاليةً لسردية سخيفة كان من الممكن أن أرتكب مغالطة وأرويها بتعاطف كبير.

مقالات ذات علاقة

الصَّرْخَة…

أحمد يوسف عقيلة

عن الموت في قريتنا الوادعة

المشرف العام

زينب

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق