طيوب عربية

في قريتنا سنجاب…

رقية العلمي (فلسطين)

من أعمال التشكيلي الليبي محمد البرناوي.
من أعمال التشكيلي الليبي محمد البرناوي.

بينما كان الأولاد يلعبون في حرش السرو…فجأة ظهر حيوان غريب الشكل… لكن منظره مألوف…

كان الحيوان هادىء… جميل الشكل…وله ذيل مغطى بشعر كثيف ويكسو جسده الفرو…

تجمع كل الأطفال لمراقبة هذا الحيوان سريع الحركة…. قافزاً هنا وهناك…. من غصن الى غصن… ومن شجرة إلى أخرى…

“ما هذا الحيوان؟ ” قال أمجد:

“هذه المرة الأولى التي ارى فيها مثله… ولكن شكله ليس غريباً علي!”…

قال أحمد:

“هذا سنجاب”…

“وكيف عرفت؟”…

هل أنت متأكد من هذه المعلومة؟

بالطبع أنا أعرفه… أعرفه من الصور في قصص الأطفال، والرسومات في دفاتر الرسم والتلوين…كما درسنا عنه في كتاب القراءة… وكما أذكر كان أسم الدرس: “حول البيئة في الغابات والبراري”!…

أضاف أحمد: “السنجاب يُعد حيوان ذكي…… متيقظ…

يعيش السنجاب في المناطق البرية…. وعلى الأشجار في الغابات وخاصة أشجار الصنوبر…ذيله كثيف الشعر مما يسهل عليه الفقز والانتقال بين الأشجار، دون أن يفقد توازنه….. ويبني أعشاشاً بين أغصانها: لذلك يسمى “سنجاب الأشجار”.

يتصف السنجاب بأنه حيوان رشيق، له ذيل طويل ذو شعر غزير، وله عينان سوداوان، واسعتان، وأذنان مستديرتان، وأسنان حادة، ومخالب قوية وحادة، ويزداد نشاطه في النهار…

أجاب أمجد: “فعلاً هو السنجاب الذي نشاهده في أفلام الكرتون مثل فيلم “السنجاب والبندق” وكرتون “السناجب الثلاثة! اذاً هذا هو السنجاب نراه على الطبيعة!

أصبح السنجاب الشغل الشاغل للأطفاال، منهم من يطعمه المكسرات، ومنهم من يطعمه الفواكهة والخضار… وشوهد أكثر من مرة وهو يأكل الحشرات وحبيبات الصنوبر الملقاة تحت أشجار السرو…

في قريتنا مزارع مشهور اسمه “أبو خليل”: ما إن سمع بخبر وجود سنجاب في الجوار حتى جن جنونه… وأخذ الرجل يصرخ معترضاً على إطعام السنجاب…مضيفاً أنه لا بد أن هذا السنجاب ليس الوحيد، فمن المطلق أن هناك سناجب آخرين سيلحقون به ويعيشون معه هنا، معنى ذلك بأنه سيبقى في الحقل مما سيدفعهم قَرَّضَ المحاصيل الزراعية وهذا سيدمر محصولي الزراعي الذي أعتاش منه.

يزرع أبو خليل في مزرعته الخضار، منها الزهرة (القرنبيط الأبيض) والزهرة الخضراء المعروفة (بالبروكلي)، الغني بالمواد المضادة للأكسدة والتي تحمي الخلايا من التلف والسرطان، يحتوي على كميات وافرة من المعادن والفيتامينات الأساسية، وهو مفيد لصحة العظام والبصر وشرايين القلب… لذلك يهتم “أبو خليل” بزراعته… كما ان الملفوف (الكرنب) والقرنبيط الأبيض (الزهرة) يحتويان على فيتامينات ومعادن لا تقل أهميتها عن تلك الموجودة في البروكلي.

 أشتهرت ايضاً مزرعة “أبو خليل” بزراعة الملفوف والفلفل الحلو والبندورة والخيار، وكل هذه المأكولات يستهويها السنجاب ويحبها… الأمر الذي يقلق “أبو خليل”.

بمساعدة معلمة العلوم، ابتكر الأطفال أفكاراً لمساعدة “أبو خليل” وحماية مزرعته من أذى السنجاب، وذلك بإبعاد السنجاب عن محيط المزرعة وتوجيه مساره بعيداً عنها… كيف كان ذلك؟

قالت المعلمة “هاجر” إن السناجب تتغذى على الفواكه والبذور والمكسرات كالصنوبريات، والجوز، والبندق، والبلوط، سنفكر في طريقة تبعد السنجاب عن مزرعة “أبو خليل”:

ووضعت خطة ساعد في وضع بنودها الأطفال كافة:

ومن ضمنها الخروج أسبوعياً إلى الحقول والجبل لجمع حبات البلوط التي تكون عادة متناثرة تحت أغصان شجرة البلوط….

شراء الجوز والمكسرات النيئة وغير المملحة…الحبوب مثل الشعير والقمح والذُرة الصفراء….

الطلب من جميع الأمهات تزويدنا بقشور الفواكه والخضراوات عند إعداد السلطة…

جمع فتات وبقايا الخبز لأن السنجاب يهوى الخبز اليابس….

البذور بجميع اشكالها مثل بذر الشمام والبطيخ والقرع وعباد الشمس…

تأمين الماء بشكل يومي يضع في إِناء مخصص يشرب منها السنجاب.

بإشراف المعلمة: بدأت الخطة ترى النور وقبل كل شيء كان من الضرورة أن يخصص مكان لجمع الأطعمة، فبدأ النجار “أبو اسامة” بعمل صحن خشبي شكله مربع وله حواف قصيرة وذلك لوضع الأكل فيه…..

ما بين الظهر والعصر، لاحظ الأطفال أن هناك صياد معه بندقية هوائية يصوبها نحو السنجاب، فأخذوا يصرخون بقوة طالبين منه الرحيل وعدم النيل من هذا الحيوان الظريف…

إن منظمات حماية الحيوان تنادي بعدم صيد الحيوانات البرية بهدف صنع الملابس والأحذية من جلودها وفرائها…

شعر السنجاب بسعادة كبيرة وهو يرى الأطفال يلعبون معه طول النهار ويحرصون على تغذيته بالأطعمة المفضلة لديه.

بقيت هناك فكرة تقلق الأطفال: “نحن الآن في فصل الصيف ونستطيع تأمين الطعام بشكل يومي للسنجاب، ولكن ماذا سيحصل في فصل الشتاء؟”

جاء الرد سريعاً على هذا التساؤل:

عند حلول الخريف، أخذ السنجاب بجمع الحبوب وحبات البلوط والجوز وأوراق الشجر الجافة… وبدأ بحفر حفرة في ساق شجرة السرو، فبنى لنفسه بيتاً شتوياً ومخزناً لجمع الاحتياطي من الطعام فيها…وهذا ما تفعله السناجب، فهي تخبىء الأطعمة الجافة لأكلها في الشتاء…أو دفنها تحت الأرض وأحياناً في ثقوب الأشجار…

أصبح السنجاب واحداً من أفراد قريتنا يحبه الشيوخ والشباب والنسوة والأطفال ويرحبون بوجوده.

أما “أبو خليل” ففرح كثيراً من الخطة التي نُفذت لحماية مزرعته، مما شجعه أن يكون عنصراً فعالاً لتنفيذها… كانت مهمته أن يجلب أوراق ثمرة الزهرة (القرنبيط) والزهرة الخضراء (البروكلي) والتبرع بالبندورة والخيار لإطعامها للسنجاب.

أما الأرنب فقد أصبح صديقاً مقرباً من السنجاب… فدعاه السنجاب أن يقيم معه في بيته داخل الشجرة طوال فصل الشتاء… رحب الأرنب بالدعوة وقبلها مسروراً على أن يساعده بحفر البيت وتوسيعه ليتسع لشخصين.

أما تخمين “أبو خليل” بأن للسنجاب أصدقاء سيلحقون به لا محالَ… فعلاً…خلال شهور أصبح في الحرش أربعة سناجب وثلاثة أرانب، وأصبح الحرش موقعاً يجذب المتنزهين والزوار لتعريف أطفالهم على حياة السنجاب والأرانب عن قرب.

أما الجمعية التي تعنى بالمحافظة على البيئة وتهتم بحماية الحيوانات من الانقراض، قدمت جائزة لقريتنا لأن أطفال القرية أثبتوا بأنهم عناصر حافظت على حياة الحيوانات وصانتها من الاندثار…

لأن السنجاب لا يوجد له مكاناً معين يعيش فيه فأنه يسرح في البراري…ويمرح في الخلاء… ولكن قريتنا ساهمت بأن يكون له بيتاً يشعر فيه بالأمان والاستقرار ويحظى على العناية من كل الناس…

أصبحت قريتنا معروفة كتبت عنها الصحافة، والتقطت عدسات الكاميرات صوراً…وجسدت وجوب الرفق بالحيوان…واثنت على مشروعنا الصغير هذا ولكنه مهم…وهذا ما تنادي به الأحاديث النبوية الشريفة وتعاليم ديننا الإسلامي فالرفق بالحيوان واجب ديني وأخلاقي.

مقالات ذات علاقة

زر وسط القميص: نصوص مفخخة

المشرف العام

الشوق يتنرجس المشاء الأخير

إشبيليا الجبوري (العراق)

لنغتسل

المشرف العام

اترك تعليق