تراث

الطبيلة الوليدية

كتابة: عبد المجيد الصديق بن دله

الطبيلة الوليدية
الطبيلة الوليدية

مقدمة

تتنوع الفنون الغنائية الشعبية الليبية في كافة ربوع ليبيا، وتختص مناطق وسط ليبيا، وشرقها، خاصة في سرت، وسبها، وبني وليد، واجدابيا، وبنغازي، والمرج، والبيضاء وشحات، وطبرق بفنون شعبية خاصة تمارس في الأفراح والمناسبات، من هذه الفنون: البورجيلة (ضمة القشة)، غناوة العلم، الطبيلة والمجرودة. وتتيح الأفراح والمناسبات المجال لإظهار مواهب مهارات المشاركين في الإحتفال بتنوع أنواع الفنون، وممارسة بعضها حسب الفئة العمرية، فيمارس الشباب في العادة فنون الكشك والمجرودة وغناوة العلم في سهاريهم الخاصة فيما بينهم، أما الطبيلة فهي أحدى أنواع الفنون الغنائية التي يتفاعل معها الجميع كبارًا وصغار. والطبيلة الوليدية، موضوع هذا المقال، هي إحدى أنواع الطبيلة التي تشتهر بها قبائل ورفلة. وتُسمى وليدية نسبةً لمدينة بني وليد، ولقد عُرفت الطبيلة واستُعملت في أعراس سكان الوديان والشعاب المحيطة بالمدينة.

تسمية الطبيلة

تسمى طبيلة نظرًا للطق على الأواني الخشبية، التي منها قصعة العود القديمة، المتميزة بنغمة خاصة (مكتومة قليلًا)، ارتبطت بنمط الإيقاع المُستعمل فيها. ولهذا يقال أن فلانًا “طق العود”، أي قام بأداء فن الطبيلة. وتتميز الطبيلة الوليدية عن غيرها من فنون الطبيلة المنتشرة في شرقي وجنوبي البلاد بأشعارها التصويرية، وإيقاعاتها المُميزة، وقوالبها اللحنية، وتُعدُّ الطبيلة إحدى أرقى الفنون الشعبية الليبية، لما فيها من قالب غنائي متكامل، وفن استعراضي، ومشهد مسرحي في موضع ومكان كل عنصر من عناصرها تالية الذكر.

وتعرف الطبيلة ذات التركيبة المُشابهة للطبيلة الوليدية بطبيلة الوسط، لأنها تنتشر عند شعراء ورفلة والقذاذفة والمقارحة والعزمة والمشاشية، ولكنها تختلف داخليًا بين القبائل، فنقول هذه وليدية بتميزها بلحنها وإيقاعها الأحادي ومقامها (مقام الكرد)، وتلك مقرحية أو عزومية بألحانها المختلفة، وكذلك القذافية أو كما تعرف بالجنجانية.

تكوين الطبيلة الوليدية

     تتكون الطبيلة الوليدية من العناصر الرئيسية التالية: الشاعر؛ الذي يتميز بصوت جهوري وجميل وقدرة على التحكم باللحن، والخمّاسة أو الردادة (ثلاثة أشخاص)، والنخاخات، إلى جانب الوعاء الخشبي، الذي يتمُّ الدق عليه. ومن الناحية الشعرية يتطلب أداء الطبيلة أربع أشخاص، يحبذ أن يكونون من نفس الطبقة الصوتية وهم: ثلاثة خمَّاسة (أو ردادة)، بالإضافة للشاعر، الذي تكون له مكانة خاصة.

التركيبة الشعرية

     تُستهل الطبيلة بالملالاة، وهو موال جماعي يتم فيه تكرار آه يا ليل، ويا ليل يا ليلي آه، ويُؤدَّى على إيقاع الطبيلة الوليدية الثلاثي المُميز (تك اس اس)، ويمكن أن يسبق الشاعر الرئيسي بالبدء بالملالاة ويتبعه الخمّاسة. والملالاة هي العلامة الدالة على أن نوع الطبيلة المُقدَّم هو الطبيلة الوليدية.

     يتم بعد الملالاة الانتقال إلى الهذوالي، وهو مجموعة أبيات تلاثية قصيرة تسمى بالقدعات، وتكون في العادة غزلًا في من تقوم بالنخيخ (فن الرقص بشَعر المرأة)، وذلك لتشجيعها على أن “تنخ” بحماسة ودلال، كأن يقول الشاعر:

لحن وإيقاع الملالاة في الطبيلة الوليدية عزف الموسيقار هشام عرّيش

قُضّي الشَّعر، والعبي بالمخبّل :: على من يطبّل

أي: اسدلي شعرك وتمايلي به احتفاءً بمن يدق العود على الطبل

أو

قُضّي الشَّعر، والعبي بالخلافي :: على منو لافي

أي: اسدلي شعرك وجلّي به يمنةً ويسرة احتفاءً بمن أتى

أو

قضّي الشَّعر، والعبي بقضيبه :: من غير غيبة

أي: اسدلي شعرك ونخّي به دون الشعور بحرج أو ريبة

قُضّي الشَّعر، والعبي بالمخبّل *** على من يطبّل

أي: اسدلي شعرك وتمايلي به احتفاءً بمن يدق العود على الطبل

أو

قُضّي الشَّعر، والعبي بالخلافي *** على منو لافي

أي: اسدلي شعرك وجلّي به يمنةً ويسرة احتفاءً بمن أتى

أو

قضّي الشَّعر، والعبي بقضيبه *** من غير غيبة

أي: اسدلي شعرك ونخّي به ولا تغيبي عنّا

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة السَّرحة أو الزرع، وهي المكوّن الشعري الرئيسي للطبيلة وعدد من أنواع الفنون الشعبية الأخرى. تُّسمى بالسرحة تشبيهًا لسرحان وهيام الشاعر مع قافية ما، ويقال أن الشاعر “بدي يزرع” حين يسترسل في شعره. ويتكون البيت الشعري للسرحة من شطرين يُسميان (تنائي)، أو ثلاثة أشطر تُسمَّى (ثلوثي). وتحكي أبيات السَّرحة قصة ما أو تصف المعشوق وصفًا شعريًا تصويريًا يتغزل بشكله، أو بخطواته، أو بأهله ونسبه، أو بالمكان المقيم به، أو بالأطلال التي مر عليها (وتسمى الأطلال شعبيًا بالاوهام). وقد يكون هناك رمزيات ذات دلالات لا يفهمها إلّا من هو ملم بحيثيات ورمزيات وخصوصيات المنطقة، والمكوّن الشعبي المحلّي الخاص بها.

خلال إلقاء الشاعر لأبياته في مرحلة السَّرحة يكون الحضور في حالة هدوء وإنصات كامل لتذوق الوصف الشعري، وبعد إتمام السَّرحة يتم الرجوع لرأس البيت المُسمَّى بالملزومة، ويكون في العادة بيت حيوي حماسي مشوّق تكثر معه زغاريت النساء لإحماء وتحميس الرجال (يعتمد على جودة إلقاء الشاعر والظروف المحيطة). ويحدث أحيانًا أن يتم شبك سرحتين، أو أكثر دون الرجوع للملزومة. ويكون نظم سرحة الطبيلة أوسع وأطول في الزمن الموسيقي من سرحة الخفيفة، أو الموقف، وأقل من تلك المسماة بالهلالية.

التركيب الإيقاعي

يختلف الإيقاع الوليدي للطبيلة عن باقي أنواع الإيقاعات المُستعملة في الطبيلة من حيث النمط والسرعة، حيث أنه أبطأ قليلا أثناء الملالاة والهذوالي، وذو ضغطة أو ضربة ثقيلة واحدة (تك اس اس)، ويلاحظ وجود زمّة إيقاعية في صورة عبارة تأكيدية تحميسية “آه” يؤديها أحد الخمّاسة تتكرر بعد ثماني دوائر إيقاعية، تم تكتمل الجملة بعد أربع دوائر إيقاعية إضافية، فتكون الجملة من اثنى عشر دائرة إيقاعية في إيقاع الطبيلة الوليدية. وعند بداية السَّرحة يسرّع الإيقاع قليلًا ويتغير نمطه (متحولًا بذلك إلى إيقاع الطبيلة المعروف (تك تك تك اس)، وتختص الطبيلة الوليدية بنغمة مُميزة صعبة التركيب والأداء، ولا يُتقتها إلأ من مارسها كثيراً، وتعرف هده النغمة بالغبيني، ويكون لحن الغناء على مقام الكرد، المقام رقيق الطابع ذو الألحان الشيّقة الخالي من أرباع الأبعاد.

النخيخ

تتميز الطبيلة بنوع فن مُخصص لها المسمى بالنخيخ (أو الرقص بالشَّعر لمجموعة من النساء)، وتكون حركات النخ أو (رمي الشعر) مُتطابقة مع إيقاع ونمط الطبيلة حسب مراحلها، وتجلس مجموعة من الفتيات، اللاتي يكن في العادة من عائلة العريس، على الأرض في مُقابل الشعراء، ويغطين الوجه بالكامل بمنديل، ويملن رؤوسهن نحو الأسفل لينسدل شعرهن نحو الأرض.

مراحل النخ

يبدأ النخ بأولى حركاته وهي حركة الجل؛ حيث تحرك الفتاة فيه رأسها يمينًا ويسارًا ويتحرّك معه الشعر المنسدل أيضًا بشكل متناغم مع إيقاع الطبيلة الأحادي (أي خلال مرحلة الملالاة والهذوالي)، ثم بتسارع وتغير إيقاع الطبيلة والانتقال إلى السَّرحات، تنتقل النخاخات إلى النخ بالقلب، أي رمي الشعر إلى الخلف ثم إلى الأمام في حركة دائرية، تم تستمر في حركة الشعر المائل إلى الأمام يمينًا ويسارًا وتقلب مرة أخرى، ويكون القلب مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، مُتطابقًا في هذا مع إيقاع الطبيلة.

النخ وارتباطه بالشاعر

يكون النخيخ هو ضابط الإيقاع البصري للشاعر، ويتم تتالي حركات الجل والقلب بالتزامن مع الإيقاع، وتقوم بعملية ضبط التزامن بين النخاخات إحدى عجائز العائلة، التي تخرج مع النخاخات وتكون ورائهن، وتقوم بالإضافة لضبط النخ بضبط ملابسهن وأرديتهن والحرص على أن لا يقع المنديل، الذي يُغطي الوجه كي لا ينكشف وجههن سترة لهن. وعندما تخطئ النخاخة يرتبك اللحن، ويفسد إيقاع الطبيلة إلى حين أن تقوم العجوز بتوجيه ملاحظاتها وتصحيح حركة الإيقاع.

     وقد يكون عدد النخاخات غير مُحدد، فقد تكون البداية بواحدة وقد يصل العدد حتى خمسة أو ستة حسب جودة الشعر وصوت الشاعر وحماسة المشهد، ويتحكم في عدد النخاخات نساء العائلة اللاتي يكن في خيمة أمام الشعراء يحجبهن عن الرجال ستار يسمى بالمطقوق. ويتم مجاملة الشاعر، متواضع الإمكانيات، بنخاخة واحدة أو اثنتان، ويصل عدد النخاخات إلى ثمانية في حال وجود شاعر متمكن ملهب للحماسة في شعره وأوصافه.

مشهد مصوّر: نرى العجوز المشرفة وهي تقود النخاخات إلى أماكنهم، ويستهل الشاعر والخماسة ملالاتهم وبعدها إلى هذواليهم ومن تم إلى النص الشعري. يلاحظ عدم وجود الستار الفاصل (المطقوق)، و عدم تزامن النخاخات في حركاتهم، ويرجع هذا لكون المشهد مادة مصوّرة لا تلتزم بالضرورة بكل التفاصيل التقليدية.

مشهد الطبيلة

     يتوسط المشهد الشاعر، وحواليه الردادة، ويكون الحضور الرجال من خلفهم، ومن أمامهم النخاخات، وخلف النخاخات العجوز المشرفة، ويكون وراءها الستار الفاصل المسمى بالمطقوق وراءه البيت أو الخيمة التي تحوي الحضور من النساء، وتقوم النساء في العادة بالتلصص من وراء الستار الفاصل عند اتصاله بزاوية البيت (الذي يُسمى شارب البيت).

يقوم الشاعر والردادة بتغطية رؤوسهم بنقابهم (ويسمى جَرِد) التزامًا بالقيافة وأداب الجلسة، ويقال أنه لابد أن يكون “النقاب ضافي”، ويستهل الشاعر والردادة بطق العود بطريقة استعراضية مميزة ولافتة للنظر لما فيها من اعتداد وزهو وكتمان لتعابير الوجه لإضافة الهيبة على مجلسهم، مع الحفاظ على الحد الأدنى من العفة والخجل بحكم جلوسهم مقابل مدخل خيمة النساء.

     ويحكى في هذا أنه عندما كان إحدى الشعراء يطق العود على ألحان الطبيلة والجميع في إنصات، لمح بطرف عينه ملامح معشوقته وهي تختلس إليه النظر في إعجاب لما يقول، فقال:

جبين مناي منين يتوق :: مع المطقوق :: قمر زرقت واتاها روق

أي: حين ينظر، مع المطقوق: عند الستار الفاصل في مدخل النساء، قمر زرقت واتاها روق: كالقمر الطالع في ليلة رائقة ذات سماء صافية

والطبيلة في ذلك هي عبارة عن استعراض مسرحي للرجال والنساء المشاركين والمشاركات فيها على حد سواء، فللشعراء الحرية في إخراج مواهبهم بأداءهم، وجمالية صوتهم، وعمق معانيهم، وتوصيفاتهم، والنساء بحسن مظهرهن وتزامن إيقاعهن وحماستهن وانسياب شعرهن، حيث يقترب فن النخيخ من كونه فنًا راقصًا.

الموقف

     بعد إتمام مراحل الطبيلة وقبل الإنتقال إلى طبيلة أخرى أكثر نشاطًا وحماسةً، يتمُّ إراحة النخاخات والخماسة وتجديد النشاط وكسر الرتابة بنشاط فنّي آخر يسمى بالموقف (نطق القاف نفس النطق المصري لحرف الجيم). في الموقف يكون الشاعر الرئيسي هو محور الحدث، ويكون المشهد أن يقف الشاعر بجانب العمود الرئيسي للخيمة (المسماة بيتًا)، بأن يتكئ بيدٍ على العمود الرئيسي للخيمة ويضع الأخرى على وسطه في وقفه استعراضية تعكس اعتداد الشاعر بنفسه، يسمى الموقف بذلك وصفًا لوضعية الشاعر الاستعراضية في سرده، ويسمى أيضًا بسبب التوقف المؤقت للطبيلة قبل الشروع فيها مرة أخرى. ويستهل الموقف بملالاة الموقف، وهي شبيه بملالاة الطبيلة، وذات نفس الألفاظ، ولكن على إيقاع مفتوح ولحن مختلف من نفس المقام الموسيقي. وبعد إتمام المرحلة يقوم الشاعر بسرد شعره بشكل ارتجالي. ويغلب على الشعر المواضيع، التي لها علاقة بالفخر والإعتزاز بالهوية وبالشجاعة، وقد يكون عاطفيًا أيضًا.

     ويقول الشاعر المرحوم خلف الله محمد بن دله في جزء من إحدى قصائد موقفه، ساردًا خلاله قصة قدوم الإستعمار الإيطالي لأراضي قبيلة ورفلة:

سمّيت باسم الواحد القهّار :: وصليت على الهادي بلَالُوفات (1)

نعلّولكم ما صار :: تواريخ كانِن قبل مدسوسات

ورفلّة طيور أحرار  ::    اتجي صولبة اليا زام بو حلقات (2)

زام الطبل من قبل الأفجار ::   محال الروم جنّا زاحفات (3)

وجاها شعب جارد بالعمار :: ضراري فوق سبق ضايلات (4)

صار بينهم ماصار :: غلايل والقلوب محنجرات

بدي الحرب ضرب ازقار :: دماهم بالكمامي مخضبات (5)

لاشدهم بو مشط لا طيّار ::    لا كور لا فوشيك طقطاقات (6)

ايبان عقدهم تحلف طيور احرار :: نزل على المقاتل ضربهم شلتات (7)

جونا بقوة ومدفع السيار :: ومعاه الحبش طالق الزغراتات (8)

تنادولهم شدولهم لوعار :: وبديو جيفهم حسب لالوفات

حسب وسهاري قولت صار وصار :: وعيبًا يقولو ولن هاربات (9)

وبالله يا حضّار :: صلّو على سيد الكائنات

إلى آخر القصيدة.

معاني الكلمات

(1) بلالوفات: آلاف المرات.

(2) اتجي صولبة اليا زام بو حلقات: عندما يضرب الطبل للحرب تأتي ورفلة بالآف. صولبة: ورفلة، بوحلقات: طبل الحرب.

(3) زام الطبل: دق الطبل، محال الروم: كتائب الإيطاليين.

(4) جارد بالعمار: أعداد وعتاد بالجملة، سبق ضايلات: الضايل هو الحصان أو الفرس، وتعني هنا خيول متسارعة.

(5) ضرب ازقار: ندية وتساوي في القتال، الكمامي: سكين مدبب مسنن من الجهتين، مخضبات: ملطخات بالدماء.

(6) بو مشط: نوع من البنادق ذو مخزن بخمس طلقات، طيّار: استخدام الطائرة في الحرب لأول مرة في ليبيا، كور: كرات المدافع المتفجرة، فوشيك  طقطاقات: رصاص الرشاش ذو الذراع  (رشاش براونينق ام 1917).

(7) عِقد: أكثر من خمسة فرسان بجانب بعضهم، نزل على المقاتل ضربهم شلتات: ضرب دقيق وعنيف في الأماكن الحساسة والقاتلة (مقتل)

(8) مدفع السيّار: مدفع ذو عجلات، الحبش: الأثيوبيين والأرتريين، طالق الزغراتات: أصوات تشبه الزغاريت.

(9) سهاري قولت صار وصار: سهاري تعقب الحرب ويسرد فيها ما حدث، وعيبًا يقولو ولن هاربات: لا أحد يريد أن يقال عنه أنه ولّى يوم الزحف.

الخلاصة

تحتوي المنطقة المحيطة بمدينة بني وليد على العديد من أنواع الفنون الشعبية التي تتميز بها عن غيرها من المدن، وكمثال على مثل هذه الفنون قدم هذا المقال نتائج بحث عن الطبيلة الوليدية، وهي نوع من أنواع فن الطبيلة التي يشتهر به سكّان الأودية والنجوع. وتتميز الطبيلة الوليدية عن الطبيلة بتكونها على قالب غنائي متكامل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الملالاة، والهذوالي أو الزرع (ويكون كلاهما على إيقاع الطبيلة الوليدية تك اس اس)، والسرحات أو الأبيات الشعرية السردية؛ حيث تختلف كل سرحة عن الأخرى بقافية مختلفة، ويربط بين سرحتين ببيت مرجّع يسمى بالملزومة. يتغير الإيقاع عند البدء في السرحة بتحوله إلى إيقاع طبيلة ليبية مفتوح (دم دم دم اس)، ويكون السرد الغنائي للأبيات الشعرية على مقام الكرد، وهو الذي تتميز به الطبيلة الوليدية عن غيرها من الفنون.

وبالإضافة لاحتواءها على قالب غنائي متكامل، فإن في الطبيلة الوليدية مشاهد استعراضية خاصة مثل النخيخ: وهو فن الرقص بالشَّعر، والموقف، وهو عرض منفرد للشاعر يسرد فيه شعرًا غنائيًا بعد انتهاء الطبيلة، ويكون على نفس المقام الموسيقي.

واجه هذا البحث صعوبات متعلقة بفقر المصادر والمراجع، مما تطلب عمليات بحث ميداني وتجميع معلومات من مصادر محلية وتواصل مع خبراء في الموسيقى وفي الموروث الشعبي وتحليل تسجيلات ومشاهد مصوّرة لها علاقة بالطبيلة، ذلك لضمان تغطية الجوانب الفنية المتعلقة بموسيقى الطبيلة الوليدية بالإضافة إلى محتوى ومعاني الأبيات الشعبية ومقاصدها.

التوصيات

يفتقر الموروث الشعبي لعمليات الدراسة والبحث والتوثيق، مما يجعله مهملًا وعرضةً للتشويه والسرقة والتصدير والتمليك للغير، وعليه وجب العودة إلى مصادر الفنون الشعبية المحلية ومحاولة فهمها وتوثيق محتواها ودراستها موسيقيًا وأيضًا بمنظور علم الاجتماع لاقترانهما مع بعضهما البعض عند محاولة فهم المركب الاجتماعي لهذه المناطق ووضعه في سياقه التاريخي بغرض دراسة تحولاته المختلفة.

وبالإضافة للتوثيق لغرض الحماية من الضياع، فإن البحث في الموروث الشعبي المحلي هو في الواقع مفتاح لفهم وسبر أغوار حضارة وثقافة عضوية نشأت في حضن البيئة الحاضنة بفعل التطور التاريخي للمنطقة، حيث أن الفنون الشعبية المختلفة هي أولًا توثيق تاريخي لأحداث مهمة وذات تأثير على المنطقة، وثانيًا هي إحدى السبل المتبعة لتوجيه النشأ وغرس قيم وفضائل وأخلاق معينة مستهدف زرعها، تحملها الأبيات الشعرية والطرق المستعملة في توصيفها إلى داخل كل فرد.

شكر وتقدير

أتقدم بالشكر إلى محمد محمد النعّاس بن دله لمساعدته في تكوّن هذا المقال، كما أتقدم بالشكر للوالد الدكتور الصديق خلف الله بن دله والحاج الساعدي أحمد خليفة بن دله الذان قدما الأبيات الشعريّة وشروحاتها ووصفا المشاهد والمكوّنات الرئيسية للطبيلة، كما لا أنسى الموسيقار هشام عرّيش من جزيل الشكر والعرفان لقيامه بالإهتمام بالطبيلة الوليدية في أعماله الفنية، وأخيرًا أتقدم بالشكر للدكتور عبد الله السباعي لمراجعته هذا المقال من الناحية الّلغوية.

مقالات ذات علاقة

الصُبح يطل

هليل البيجو

يــا اعوينهم..!!

جمعة الفاخري

فندقكم ما يصلح حاجه

ميلاد عمر المزوغي

اترك تعليق