طيوب عربية

أطفالنا.. ولدوا كبارا

عندما يقلّب المرء صفحات طفولته، يتلمس ذلك الحنين الجارف إلى طفولته التي لم تغادره مطلقا، وهي تستعيد في رحلات أنفاسه جميل اللعب والحكايا، ولو في بساطة أشكالها، وفي حقيقة مادتها، وهو يجتهد ليصنع لعبته، ويسترق السمع لكلّ حكاية تتدرج على ألسنة الكبار، وخاصة الامهات والجدات، والآباء حين يجدّ الكلّ في رحلة الفرح، ونديّ البساطة. لقد عرف أطفال الأمس أنواعا متعدّدة من الألعاب التي لم تشغلهم عن متابعة الدراسة والتفوّق فيها، وهي في شكل لعب للمنافسة ،والمحظوظ من حفظ ما تيسّر له من فيض التنزيل، ومن رائق الفصيح في الحديث النبويّ الشريف، ومن جميل الاشعار رغم صعوبتها، وفي الضفة الأخرى يظل الطفل يتوق إلى عالم الكبار، فكم عرف الأمس ما يعرف بمسرح الدمى، أو مسرح الماريونات، أو مسرح الأرجوزة ، وغيرها من مسميات مسرع العرائس، هذا النوع من المسرح المرح، الذي شكّل في نفوس الصغار عالم الأحلام ،وعالم الخيال، فارتبط به اسم (مسرح خيال الظلّ).

لقد كان مسرح خيال الظلّ عبارة عن إطار مثبت عليه قطعة من القماش الأبيض، وذلك خلفها مصباح، حيث توضع الدمية العروسة التي تتحرّك بواسط خيوط بين المصباح والشاشة البيضاء، فتعكس ظلّها على الشاشة، وساعتها يشرع الحكواتي في سرد القصة التي يراها مناسبة. من سير وحكايات البطولات ، ومن خلال هذه الدمية يقول على لسانها ما يشاء من أقوال ،واسرار ، وأغاني تسرّ الأطفال الصغار ، والكبار أيضا بتغيير نبرة الصوت حسب كل شخصية في العمل المسرحي، وفجأت بدأت لعبة خيال الظلّ تختفي شيئا فشيئا، لتحل محلّها رقميات وبرامج جعلت الصغار يولدون كبارا على تطبيقات جديدة أفرزتها وسائل التواصل الاجتماعي ، فغابت عن عيون الصغار متعة التأمل ،ومتعة الضحك الطبيعي التلقائي ،ومتعة الحديث والفصاحة، فأصبح أطفالنا اليوم يلفّهم الصمت الغريب المبهم، وهم يختلون كل واحد بجهازه الهاتفي الذكيّ لا يشاركه فيه أحد، وتعصف العزلة به عصفا رهيبا، وتطوقه حالة التأزم وسرعة الغضب، وعطّل لسانه عن كل جميل من التعبير، وأفسح المجال أمامه للسمع السرّي، كما تعطلت يده عن الكتابة بخط جميل، وأصبحت يده وعقله وحواسه كلها معلّقة بحبل وريد الهاتف الذكي.

لقد طلعت علينا التقنية الجديدة في عالم مسرح الطفل. تقنية (الستوب موشن- Stob motion)، فأحدثت أشكالا جديدة لدعم انتاج عرائس الطفل، وذلك بتقنيات سمعية بصرية رقمية في تصوير الأفلام (المواد الصلبة الخشبية، والطينية والصور المثبتة)، مع متابعة تحريكها فتتحوّل فجأة الى دمى متحركة بعد تحويل الصوّر إلى أفلام. وهناك تقنية أخرى تدعى (كروماكاي- chromakey) وهي تقنية تصوير المشهد على خلفية ذات لون أخضر أو أحمر، وبعد ذلك يتم حذف الخلفية ببرنامج (الجرافيك)، ودمج المشاهد والمؤثرات المصممة على البرنامج. فشتان بين الطفولة التي تصنعها القصة والحكاية، والممتع من السرد، وبين الطفولة التي يرتبط مصيرها بالآلة والج1هاز الذكي الذي يعطلّ فيهم كلّ الإحساس والحواس.

مقالات ذات علاقة

مسرحية العزاء الأكبر هنا

المشرف العام

أسمنتت سهرات المدينة! *

إشبيليا الجبوري (العراق)

توكتوك ولاية الفقير

إشبيليا الجبوري (العراق)

اترك تعليق