قصة

عناكب (قارون)

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

كان (قارون) رجلا يضرب به الامثال في قوة الغنى، فكان بفضل جمع المال عن أي أمر يتعلق بالأخرين، فكان مثاله المفضل عن أي نشاط أنساني آخر سوى اكتناز الذهب، فقد جمع المال حتى أصبح مضرب الامثال وكان له قصر يتكون من أكثر 336 حجرة مملؤة بالذهب، وكان يفخر بنفسه وسط الناس وكان يرتدى الملابس الحرير المطرزة بالذهب، وكان قد شاع اسمه في ارجاء العالم بأنه أغنى اغنياء العالم القديم ويذكر انه كان يعيش في مصر أغنى دولة في العهد القديم شعبا ومملكة.. فكان كل الناس تتودد اليه ليس لكرمه بل لقوة ما يستحوذ عليه من أموال.

وكان (قارون) صورة شرهة لأنسان في تلقف الأموال من الآخرين وكان هذا دأبه في الحياة هو السعي نحو الغنى أكثر فأكثر والاستحواذ على أموال الاخرين كلما أتيحت الفرصة له دون النظر الى قريب أو حسيب أو حتى الحاجة لمن طلبها.. فكان ينظر الى جيوب الناس دون النظر الى عقولهم أو مواقفهم فكان يغض النظر حتى على أقاربه فكل ما يدور في رأسه مزيدا من المال دون تقديم أي مساعدة لما لمن حوله.. فكان كلما ينظر الى الآخرين كان يرمقهم بنظرة متعالية لا تودد فيها بعرفة فأصبح عبدا للمعدن الأصفر ولا يولى أي اهتمام للمتعامل معه حتى مجرد التواصل معه.. أنه حتى لا يوجه النظر إليهم.. كان متعاليا على الناس ولا يحسن لقاؤه معهم.. سوى طلبا للحاجة او التعامل معهم.. الكبرياء والغرور قد حاد عن أي معاملة مع الاخرين.. كان يخيل للناس انه مثل العنكبوت الزاحف على اجساد الحشرات من حوله حتى من بنى جنسه لابتلاعها دون توقف.. وكان كل ما يرمقه الى من حوله سوى النظر الى جيوبهم.. لم يتلامس حاجة الناس قط قد عمى بصيرته الذهب وذهب حتى النظر إليهم استعلاء عن الآخرين وتكبر جامح.. صد حتى مجرد النظر فيما يطلبون لم يقدم أدني مساعدة للآخرين في وقت الحاجة اليه.. وحاد الناس عن أدنى علاقة معه.. وتباعد الكثير عن أدنى علاقة معه.. فلقد تحول نظر الناس حوله بأنه صنم جرد من ذاته وإنسانيته وأنه عبدا لأصنامه الذهبية.. لم يعد هناك وجودا لشخصه حتى شعر الناس بنفي وجوده من حوله.. بل ذاب في صنم الذهب وتحول من ذات الى مادة ونفى ذاته وسط الآخرين.. وذاب في وجود آخر لا يمت له بصلة سوى عبادة الصمت فلم يحاط الناس بأدنى التفاتة.. وكان عذاب الله الذي احاق به فخسف بداره وأمواله كان مجرد درس للآخرين الذين أنكروا وجودهم بين الذوات الأخرى التي يعيش بينها والاستعلاء بالمادة.. وقد انزلت اية سماوية تنكر على الرجل سلوكه تجاه الاخرين:

(وأتبع فيما أتاك الله الدار الاخرة ولا تنسي نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك ولا تتبع الفساد في الأرض فأن الله لا يحب المفسدين).. فنفى الذوات الأخرى هو فساد في الأرض وعدم الإحساس بوجود الأخرين من حوله هو انكار لوجود الخرين …فالاستعلاء عن الآخرين هو جرم أنساني وحياد عن وجود الآخرين ويذهب بالإنسان بعيدا عن وجوده ويصبح نكرة بين الناس في عزلة نفى مطلق.. ونفى الآخر إيذاء الإنسانية بتقديم سوء المعاملة.. لقد فضل (قارون) المعدن عن جنس البشر. فضل الغنى عن الفقير وقد لام الله الرسول عن استنكار الآخر في قوله: (عبس وتولى أن جاءه الاعمى)..

مقالات ذات علاقة

قلوب الأخطبوط!!

محمد عقيلة العمامي

مشهدية

كريمة الفاسي

فراغ الجيوب

رضوان أبوشويشة

اترك تعليق