طيوب عربية

ومضة نقدية.. في قصيدة: (رقصة طائر ذبح) للشاعرة المغربية الكبيرة خديجة بو علي

جليل شبر (العراق)

الرجل والطائر من أعمال التشكيلي محمد عبيه

إذا كان النقد ميدانا للفرسان فالقصيدة ساحة النزال والفروسية ولا يخوض غمارها الا من تحلى بكل صفات الشجاعة…. قرأت الكثير للشاعرة المتألقة خديجة بو علي فوجدتها فارسة الكلمة ومثل أعلى في الشجاعة الأدبية… لم تقيدها الحروف العربية فهي تصنع الحرف وتجعله طيعا بين يديها… المتأمل في عنوان القصيدة يشعر بالمأساة الإنسانية وخاصة مسألة الذبح… وهنا أجد انها نجحت في إثارة ذهن المتلقي…حيث تركت لنا متسعا من الوقت كي نفهم العنوان…. فهي لم تقصد الطائر بعينه بل انسانا تعرض للاغتيال النفسي والاجتماعي…

لقد جعلت شاعرتنا الحروف تنساب على شفاه القارئ حيث بدأت بحرف الاستقبال.. (السين) الذي أعطى إشارة للمستقبل كونه حرف صوري تجسد في القرآن الكريم وبمواضع عديدة.. وفي قصائد الكثير من الشعراء…. ستبدي لك الأيام ماكنت تجهله… شاعرتنا بدأت بالتحدي كي يتناسب مع العنوان… بقولها: سأركب المغامرة… تلك الصورة الرائعة التي تحمل معان كثيرة للفروسية والحماسة… اعقبها تحدي آخر: سأجرب اليوم ان لا أراك هذا المعنى حمل بداخله اسلوب نفى فيه أشار للمستقبل لان الأداة.. لا.. تنفي الحاضر والمستقبل… وهنا وقعت بين شيئين متلازمين الناصب، والمنصوب فهي معترضة بينهما وهي التفاتة ذكية من شاعرتنا المعطاء كونها تتحدى الواقع بكل ما يحمله من تناقضات…. التتابع الصوري والايحاء الصوتي متناسقان …شعرت بأنني استمع لتقسيم موسيقى صاغته أنامل فنان…. الأوتار في عوده تعزف أجمل الالحان.. (وأن انام وأتحدى الارق) هنا جمعت النوم مع التحدي لتظهر للقارئ انها شجاعة في كل زمان ومكان… الحوار القصصي جعلته الشاعرة مع نفسها.. فزمان ومكان الحدث تقاربا رغم البعد الزمني والمعنوي بين النوم والتحدي.  …. هنا جعلت الشاعرة الإنسان يثور على واقعه، من خلال كبح جماح النفس الإنسانية….. عنصري الزمان والمكان ترادفا رغم الاختلاف اللفظي وهنا نقف أمام إبداع جديد للشاعرة…. بعد أن ابحرت سفينتي بين أمواج الكلمات كنت فيها ربان السفينة تصيدت أجمل اللآلئ من كلمات صاغتها أنامل خديجة بو علي… أصل الى شاطئ جميل رست فيه سفينتي… (قهرا ام شفقا).. وهنا استغنت شاعرتنا عن همزة الاستفهام بدليل وجود ام المعادلة من أجل التخفيف عن القارئ وهذه ميزة الشعراء الكبار… يستمر التحدي مع، الزمن لان الكبرياء والشموخ يليق بفرسان الكلمة فتقوم الشاعرة بحرق تلك الصور القديمة التي رأتها في وقت سابق انها جميلة… لكنها أدركت انها لم توفق في الحكم عليها.. أما الآن فأصبحت لديها مجرد ذكرى عابرة وكأنها ورقة سقطت من شجرة…. وهنا أعطت للقصيدة بعدا فلسفيا فمزجت الطابع الفلسفي بالطابع القصصي وهنا لفت انتباهي التقارب اللفظي مع الإيقاع الداخلي للقصيدة فقد أخذت من النثر تقنيات السرد ومن الشعر ايقاعه الداخلي…. حملت الشاعرة سيفا لتحارب كل الضعف، والهوان الذي، دب في نفسها فهي لم تخف من نيران الانين وحنين الذكريات… ما اثارني تلك الصورة الرائعة التي قفزت إليها الشاعرة بقولها: شغاف الدواخل انظفها من شرانق عشقك.

أشعر أن الشاعرة اضناها التعب وطلبت هدنة للاستراحة حتى تلتقط أنفاسها للثورة من جديد…. (سأغير ترتيب الأولويات) (سأصم الاذان عن الآذان) هنا استخدمت الشاعرة الجناس البلاغي … أظهرت من خلاله الجانب الاجتماعي في حياتها فهي انسانة مؤمنة بالخالق.. تؤدي الصلوات في اوقاتها ولها طقوسها الخاصة في تأدية تلك الشعائر…. تمسك الشاعرة فرشاتها لترسم وتلون أجمل الصور… صورة الغفوات واللحظات الجميلة فرغم الضعف الذي عاشته الا انها تنتفض عليه حاملة عدة القتال حتى تحققت الانتصار على الذات… تتوالى الصور وتزدحم في خيالها ذكريات خلدتها ذاكرة الشاعرة فتقول:( كيف اذبت جلدي) (مجداف صبري) (انت سلطان، وملك).. ثم، تنتفض من جديد… سأجرب اليوم، ان لا أراك… اجد الكثافة التعبيرية تتجسد بصورة جلية… متن التجاهل اركب… هنا اسلوب التشخيص واضح وهو استنطاق الجماد وقد دأب على استخدامه الرمزيون من الشعراء….. يبدو أن الشاعرة بو علي أتقنت من، خلال حنجرتها التناغم الصوتي فعادت مرة أخرى لحرف…. السين… وكما بدأت بالعصيان، والتمرد على واقع تشعر، انه رتيب فحان وقت، التغيير فامتطت صهوة جوادها وارتجزت فقالت: سأركب المغامرة لتعلن انها لم تنته من حربها على واقعها…. ونحن نقول لها كلنا معك أيتها المبدعة المتألقة وهنا أجد أن الطابع الكلاسيكي الممزوج مع الرمز وضعته الشاعرة مسكا الختام.

ذي قار… الرفاعي

2022/1/14

مقالات ذات علاقة

غربةٌ

المشرف العام

كيف طاوعتُ النهار؟

المشرف العام

عبد الله رضوان.. الشغفُ الأبيضُ بالقصيدة

المشرف العام

اترك تعليق