سرد

من كتاب: الوقدات للكاتب عبدالله القويري

تمر علينا اليوم الذكرى الـ30 لرحيل الكاتب الليبي عبدالله القويري.

عبدالله القويري

الكاتب عبدالله القويري
الكاتب عبدالله القويري

12

كنت أواجه البحر مستغرقاً تكاد أصوات أمواجه وهـي تضرب الصخور تنقلني الى عالم لا اعرفه، لولا صياح المكبـر المعلق فوق تعريشة من جريد، يختلط وجيجه بما يمكن أن اتبينه من موسيقى يقطعها كلها مرت دقائق نبرات رجل يقول «هنا صوت العرب».

كنت أسند ظهري الى حائط فندق «النجمي» وقد مر على وصولي الى بنغازي ما يزيد على شهرين، أحسست خلالها عمق الضياع والوحدة وقلة الحيلة . لم يكن أمامي ما أفعله غير الانتظار.

الساعات تمر ثقيلة، فهي هابطة على القلب لا تريد الحركة ومثلي كان يتمنى لو قطعت الزمن، واخترقت الحجب، فلا تعـود تحسب أقسام أقسام الزمن التي اتفق عليها الناس، بل تجعل لي حساباً آخر ما أيسره وما أسرعه، فهو غمضة عين يتغير فيها حالي، فاذا بي اتحرك وتهتر وأفكر واعمل، تضح من حولي الصدور، فهي صانعة فاعلة، فهي في قلبي قوية قادرة، مكتشفاً تلك الجذوة المتوهجة، فهي أقدامهم تبرم وليست ح ت حرصاً الأبدي، بل هي قلبي ووجودي، ولكن من أين لي أن أكون مثلها اتمنى، والناس من حولي نيام، كأنما يتمـون رقادهـم سيرا على حدة كلاتهم ملل، وليست نشاطاً، وبسرعـة ايقاعهـا . ارتبطت حياتهم بريب الزمن الهـاديء وسناناً بهمس من الصحراء، غير عابی، بهدير الأمواج، فهي لا تستطيع أن تفعل أكثر من تكسرها على حافات الشاطىء الصخرية.

وقطع علي وحدتي صوت شاب أسمر الوجه، دقيق الملامح، يلبس نظارة سوداء، يرتدي سراويل رمادية بدل الاستعمال لونها، وفيمصاً كاكياً احتفظ بخضرته الدكنة مختلطة ببقايا العرق، ويعلق بين أصابع قدميه ما يحميها من السير حافيتين، اذ لم أعرف معالـم ما يرتديه فيها، كان قريب النفس من الغير، ودوداً، يريد أن يسمع ويعرف يعطيك انطباع المجتهد الدائم الذي لا يتوقف عن البحث والقراءة والاستماع والمشاركة والاتصال . . وفي لحظات كنا مشتبكين في حديث يتناول جوانب الحياة في المدينة، وما حولها، كنت مستغرباً لما أراه من إهتمام الناس بما يحدث في مصر والمشرق، اذ اعتقدت انني سأواجه طريقة حياة مختلفة، فهم يعيشون ظروفاً ويرتبطون بأحداث يختلف تناولها عن الكيفية التي يمكن ان تتناولها بها مصر، ولا شك ان الذين كلفوا بادارة شئون هذا البلد يختلفون في أفكارهم ومشاعرهم وتكوينهم عمن كلفوا بإدارة غيره من البلدان .

عبدالله القويري (الوقدات) الدار العربية للكتاب، ليبيا - تونس، 1984.
عبدالله القويري (الوقدات) الدار العربية للكتاب، ليبيا – تونس، 1984.

كنت أظن أن ـذرعا ساضم كل وافد، وتغرس في نفسه أشياء جدیده وتجله يحس بان ما يحيط به لا يقدر أحد على المساس بهـ إذ يحيط بالوطن مثله، وقد صنع التاريخ هذه الأشياء التي تحمي المجتمعات، فتكون منها ملامح تستعصي على الذوبان. هي تملك من تتابع الزمن الذي صنعها قسوة التمسك، فهي لا تنحل بالأمنيات ولا تذهب عن الواقع لو استطاعت النفوس أن تذهبها عنها.

قلت للشباب وأنا أدير رأسي، ألم تر كيف أن الناس يغرقون انفسهم في الاهتمام بالغير، إني أكاد المس ان بداخل كل منهم شخصاً آخر بعيش بعيدا عن هذه المدينة . فهم على ما يبدو قد جاءوها على عسر مضطرين، فلم يرتبطوا بها الا مراءة وتحذلقا وادعاء، وكأنما ووجه الشاب بحدة الاتهام، فهـو ابـن للمدينة ولا شك، ومثله فطنت الى أنني تجاوزت الحد في الصراحة ففي حديثي رنـة إتهام رهيب، ولكن يبدون أن كلا منا تقبل معاني الكلمات كما يتقبل الفرد ما توصی به عبارات العزاء.

أجابني وهو ينظر الى الأرض قائلا، بأنني حديث عهـد بالبلاد، فلا شك انني في حاجة الى فترة من الزمن حتى اتكشف ما تحت السطح، فللمدينة اعماقها كما للوطن ـوعلاقات الناس فيه- أبعاده. إن ما أراه -هكذا قال- من تعلق بالغير، أو هو التعلـق بالاذاعات وما ينطلق عبرها من أصوات وموسيقى ومؤثرات. إنما فرضه على النفوس خلو الوطن من شيء يملأ الوجـدان فلا شك ان الحرب دمرت كثيراً من الأشياء، وقبلها دمر الايطاليون النفوس. لم یبن الايطاليون شيئاً، ولم يحاولوا أن يعمروا البلاد بأشياء تهمهم. كانوا يريدون ارضا لا بشراً , فتفرق أهل البلاد في كل اتجاه، أحسوا أنهم فقدوا وطنهم فلا عودة اليه الا في أحلامهم.

وعندما عادوا كانوا يفترقون عن الأرض التي طردوا منها، كان وجدانهم قد تشبع باشياء أخـرى غطـت ذلك الحنين والارتبـاط بالأرض. لم يستطع الايطاليون أن يربطوا أبناء البلاد بهم، أو هم حاولوا ذلك في فترة متأخرة. ولو فعلوا لكان لما فعلوه سلاح ذو حدين إذ هو بقدر ما ربط الشباب بالثقافة الايطالية لكان بالضرورة قد ربطهم بوطنهم. وأعني هنا من نشأوا في ظل الايطاليين.

لعل الشاب أدرك أنني لا أتقبل كلامه، وان كنت استمع مجاملاً فاستدرك ليحيط بجوانب الموضوع قائلاً. إن الوطن في حاجة الى أبنائه، ومثلا تعلم فان اتجاهنا التعليمي كان الى مصر، فلم يكن أمامنا غيرها، وهناك مثلما تعلم واجهنا تيارات لم تتضح كثيراً في رؤوسنا. لم نكن على وعي بها، والمجتمع المصري كثيف فنـرى التيارات والحركات فوقه تدفعـك أنـت ولكن المجتمع لا يحس بك وبها.

قلت مقاطعاً، لا شك انـك تملك نظرة ثاقبة للمجتمـع المصري. فأنت في السنوات الأخيرة من تعليمك كما أعلم، ويبدو أنك لم تنتم الى تيار. أجابني متبرماً من اقتحامي جانباً لا يحق لي أن أدخله. إن الإنتماء صعب ويحتاج إلى وضوح في الرأي والهدف، والى إخلاص في العمل، أنت ولا شك تدرك ظروفنـا. إننـا نبـدأ من الصفر. أو ما قبل الصفر. ومن كانت هذه بداياته فعليه ان يهتم بالأساسيات المتمثلة في تعليم أهله أو الإمساك بجانب إداري أو فني قبل ان يهتم بالحركات السياسية والصراعات المذهبية.

وجدت ان رابطة حفية تمت بيني وبينه، ولكنه كان على ما يبدو غير حريص عليها، هي علاقة نشأت مثل تلك التي تنشأ بين راكبين في حافلة أو قطار، قد تذهب الى الأعماق بعيدا، ولكنها لا تلبث أن تنقطع فجأة، دون أسى أو ثمن. وغادر الشاب مكانه محيياً مثلها أتي، وبقيت أرسل نظراتي الى البحر، متتبعاً الخيط الذي ينقل الصوت الى المكبر المعلق فوق التعريشة عبر الشارع، والتقاء الأقدام المتحركة بالأرض يقطع علي استرسالي في التفكير. ترى أكان مثله في حاجة الى هذا الإحساس، ألم يكن في الإمكان نشوء محتوى وطني يربط الفرد أثناء تفتحه، ثم يتركه بعد ذلك ليقارن ويوازن ويختار إذ يكون قد حاز ملكة النقد والفهم، واقتدر واعياً ان يختط طريقه. ان الاجتماع ممارسة ولكن لا بد من أسس، تقوم عليها حركة الاجتماع، التي تتأثر بما يجد في العالم. أن المفهوم المسطح أو الذي يحاول ان يقولب المجتمع في سهولة هو المفهوم الذي يدفع الى النقيض، فكلما كان المجتمع كثير القنوات، كلما توصلنا الى جوهر التواجد الاجتماعي المتحرك. التفت في حركة متابعاً أفكاري، فواجهني وجهـه المثقف ثقافة ايطالية. كان مبتسما اذ رأى على وجهي علامات القلق، فلم يجد مني جواباً غير أن السبب لا يتعدى قلقي الفكري، فتساءل عن سبب ما أحس، وأخذنا الحديث دون تخطيط أو اعداد، نقفز من فكرة الى فكرة، حتى رجعنا دون أي وعي منا، أو لعله كان يقصده هو ذلك ـ الى المشكل القبلي فسمعته يقول بأن النظام الملكي عندما قام في ليبيا، لم يجد أسسا يرتكز عليها غير النظام القبلي، والقبيلة كانت قد تهرأت إذ تقصدها الاستعمار الايطالي، خوفا من أن تكون حائلا بينه وبين الامتداد الداخل، فضرب مرتكزاتها، ولم يساعد على نموها ولم يعطها اعتبارا بل حاول أن ينتقی افراداً يجعل منهم واسطة وبين السكان. لم تكن القبيلة وحدة سياسية مثلما لم تكن وحدة اقتصادية، وإن تمتعت بما يسمى أرض القبيلة، ولكنها كانت وحدة تاريخيةـ ساعدت عوامل الاتساع وقلة السكان، وعدم وجود نقاط احتكاك حضاري كثيرة على بقائها واستدامتها.. لذلك لم يجد الايطانيون صعوبة تفكيكها، ففرغت من بقايا محتواها الذي كان يعتمد أرض القبيلة، وتم عزل النشاط الداخـل بعيدا عن الأمكنة الخصبة، ذات الأمطـار، واجتذبت العناصر النشطة الى المدن والقرى، وما إن أشرف الاحتلال على تمام استقراره حتى كاد أن يجعل النظام القبلي أثرا بعد عين، ثم كان النظام الملكي ومجيء الإدارة البريطانية قبله، فعملت على إن تجد لذلك النظام مرتكزاً يتواءم مفهومه ومدى وعيه وبالواقع الليبي فلـم تجـد خيرا من النظام القبلي تحييه، وتجمع مشائخـه حتـى يـكـونـوا عـمـد السلطـة وأدواتها وبالتالي يساهمون مع  قبائلهم في إيجاد شكل للمجتمع.

لذلك كنت تلمس التناقض بين دستـور حديث اتحادي ونظلم قبلي وجهوي. إذ سمعت الخطب قلت أنك في دولة دستور وعندها قوانين، وفيها طرق للعمل والتعاون والتبادل مع الدول الأخرى، واذا عشت الواقع ودخلت قلب المعاملات الادارية والمالية، ووجهت بوسائل قبلية لا ترى مصلحة في غير مصلحة القبيلة وشيخ القبيلة، وما يرتبط به النظام من مصالح متبادلـة واحـكام وأعراف ومذهب صوفي يمتلك رمزاً يقترب من الرمز الطوطمي.

لقد كان لبريتشارد دوره في جمع المعلومات عن القبائل، وهو يعمل تابعاً للجيش البريطاني، يجول بين مضارب الخيام ، ثم ليصدر كتابه مستفيداً كثيراً من معلومات دي أوجستيني. وليوزع ذلك الكتاب على جنود الجيش البريطاني كدليل يرشدهم في تعاملهم. ومن هنا تتبين مدى حرص الجيش البريطاني ثم الإدارة البريطانية على فهم الواقع في ضوء ما يريدونه، أي إحياء شكل مجتمع كاد أن يتلاشى، واعطائه مقومات فقدهـا.. وبالتالي إيجـاد شكل يتعاملون معه ويرتبط بوجودهم مع البدو.

تساءل المثقف أن كان أثقـل علي، فنفيت ذلك، ورحبت بحديثه، فصوت الأمواج لم يعد هديراً، وكلاته لا تدل على أنه يبتغي شيئاً من ورائها. هي معلومات كونها على مهل، وزادت التجربة فأعطته ايماناً بها ، فود لو ان مثلي اقتنع بها.


* عبدالله القويري (الوقدات) الدار العربية للكتاب، ليبيا – تونس، 1984، ص: 164-170.

مقالات ذات علاقة

حدث في مدينتي

المشرف العام

جزء من رواية لن ترضى عنك روما

فتحي محمد مسعود

مقتطف من رواية عطر شان

فتحي محمد مسعود

اترك تعليق