طيوب عربية

نخلة بين نهدين

من أعمال الفنانة التشكيلية “مريم الصيد”

ذات صباح خريفي
خرجت الى غابتك
بحثت عنك في صحراء وسط صحراء…
بحثت عنك في غابة وسط غابة….
رفضت كثبان الرمال ان تبوح بعطشي….
رفضت غابات الصنوبر طيوري
رفضت استقبال جنودي..
رفضت ان تبوح بنشوتي وسط نشوتي….
غير بعيد ارى نخلة ساجدة على الارض
هناك جنوبا ارى نحلة تمتص ورودي…
هناك جنوبا ارى هضابا ترتفع…تنخفض… ترتجف …مثل نهود وسط نهود…تعرّت الصحراء…رأيت نهديها…رأيت شفتيها…
خلت انها كانت تصلي الى الله…
خلت انها كانت تطلب الخلاص…
رفعت يديها الى السماء…
طلبت من يعطيها الماء
طلبت من يعطيها الحياة
سمعتها تنادي بأعلى صوتها:
تعال إذا شئت جسدي…
تعال إذا شئت قلبي…
تعال إذا شئت ان تقطف التفاح من اشجاري
تعال إذا شئت ان تسمع اغنياتي
تعال إذا شئت ان تضم فراشي
نسيت إني ضائع بين نهديها وسط الصحراء
نسيت إني غريب ادخل تلك الصحراء…
نسيت إني امام واحة من واحات النخيل
انا امام واحة بين نهرين…بين نهدين…
انا بين قبرين…
انا بين نخلتين…
تدلت عراجين التمر
اصفرت كالذهب
احمرت كالغروب
ينحني النخل من شدة الشوق…
ينحني النخل من شدة الحر…
ينحني النخل من شدة الانتظار
ينتهي النهر من طول الامنيات
ينحني النخل من طول الاغنيات
سقط كثير من التمر
سقط كثير من الدمع
بين نهرين…بين نهدين…
خلت ان الصحراء كانت تبكي
خلت انها كانت تحكي
خلت انها كانت تسقي
سقط كثير من التمر
سقط كثير من الدمع
خلت انها كانت تبحث عني
خلت انها خرجت تبحث عني
لم أفهم لماذا كانت تبكي بين نهرين؟
لماذا كانت تصلي ركعتين اثنتين؟
لماذا كانت تبحث عني بين نهدين؟
لم أفهم سقوط التمر في المساء
لم أفهم سقوط الدمع في آخر المساء
واسيتها بين قبلتين
حملتها من نظرتين
رفضت ركوب فرسي
رفضت ركوب نخلتي
رفضت شعري
ليت شعري….
المهم انها كانت تبكي
المهم انها كانت تحكي
اغواني التمر الأصفر
اقتربت من النهرين
اقتربت من النهدين
اغراني سيف سقط في الصحراء…
وضعت السيف بين النهدين
وضعت السيف بين نظرتين
لكنها رفضت سيفي
نعم رفضت طعنتي…رفضت شعري…
طلبت ان تأخذ كل تمري…كل فجري…
اغمضت عينيها
رفعت يديها بين نخلتين
حاصرتها بفرسي
دعتني الى العدو
دعتني الى الحرب
حملت سيفها
رمقتني بنظرة او نظرتين
فهمت منها انها لا تريد قتلي…
فهمت منها انها لا تريد أن تقع في عشقي..
قبلتها…تنمرت….
تظاهرت انها اقوى من تلك النخلة في الصحراء
تظاهرت انها عروس تاهت في الصحراء
تظاهرت انها تنتظر وصول قافلة ضاعت في أطراف الصحراء
طلبت ان احميها من صعاليك الصحراء…
طلبت ان اعطيها الحب في اخر الصحراء
طلبت مني ان اسقي كل نخلة تعرت من ملابسها في اول الصحراء
وعدتها بذلك
وعدتها بتحقيق النشوة تحت النخلات في الصحراء
وعدتها بتحقيق التمر الأصفر في اقصى المساء
جاء اللصوص
أمرت الجنود
استعدوا بدأت الحرب في آخر المساء
التقت السيوف
التقت العيون
التفت الساق بالساق…
انسحب اللصوص….
مات كل الجنود
لم يبق الا النخل
لم يبق الا التمر
لم يبق الا الحب
حتى إذا جاءت تلك القافلة وراء تلك القافلة
اعطيتها قصيدتي
طلبت ان نفترق
رفضت
طلبت ان أعود
عدت احمل سيفي
عدت احمل بقايا من تمر
بقايا من صمت…
بقايا من خجل…
استسلمت الى السيف….
لم تقاوم الصحراء صهيل فرسي يعدو في أطراف الصحراء
رفضت منطق القوة
طلبت مني الرفق
طلبت مني اللين
اعطتني بقايا التمر
اعطتني بقايا الفجر
هجر الحصان الصحراوي فراشي
هجر صهيل الحصان ارضي…بكت بين نخلتين…وقع سيفي بين النهدين
احتضنت بدفء تمرتين…دمعتين
فكرت ان اتذوق طعم التمر في الصحراء
فكرت ان اتذوق طعم الحب في الصحراء
فكرت ان تلك النخلة ربما كانت عاشقة ظهرت بين قبرين…ظهرت بين نهرين او بين دمعتين
ربما كانت عاشقة متمردة بين نخلتين…
فكرت ان اتسلق النخلتين
فكرت ان امسح الدمعتين بين الخدين او بين النهرين
فكرت ان اغرس نخلتين بين قبلتين
فكرت وأطلت التفكير في منتهى الحب بين نهرين
فكرت في منتهى الحب يسكن في قبرين بين نخلتين
فكرت من غرس النخلتين في الصحراء؟
فكرت في مصير الدمعتين
فكرت في مصير العاشقين
فكرت في دوافع الحرب بين القبلتين
فكرت في مصير المجنون بين القبيلتين
فكرت في سقوط التمر من النخلتين
نعم فكرت في ركوب النهدين حتى أصل الى ملتقى النهرين..
على مسافة قريبة من النهدين بين النهرين رأيت ناقتين…
دخلت احداهن حدود ارضي
انتهكت احداهن زرعي وضرعي
دخلت احداهن خيمتي
سقط الظلام على الظلام
كسرت احداهن بيضي
اجتمع قومي
قرروا الحرب دون اذني
قرروا الثأر من اجل نعامتي
لم اعارض ذلك
دخلت الحرب معك ضدك معك
أردت أن افوز في الحرب بنعامتي
وقعنا في الحرب اسيرين
أردت غزو قبيلتك
أردت هتك عرضك
أردت دخول خيمتك
أردت الوصول إلى عينيك
أردت الوصول إلى نعامتي
أردت ما بقي من البيض تحت نعامتي
خلعت النعامة ملابسها في الصحراء…
خلعت النخلة تمرها في المساء
اقتربت من نعامتي اواسيها
اقتربت من نخلتي اناديها…اناجيها ….
اقتربت من قبيلتها اعاديها…
اقتربت من نهرين في عينيها
ابتعدت عن القبرين
ابتعدت عن النعامتين
ابتعدت عن الناقتين
اقتربت من البيضتين
استسلمت إحدى الناقتين
اعطتني حليبا من ضرعيها
اعطتني قبلة من شفتيها
استسلمت إحدى النعامتين
اعطتني بيضتين
اعطتني عشين اثنين
اعطتني دقيقتين
اعطتني نظرتين…قالت: سر…بي…. على عجل
حاولت ان اعتدي على بيضتيها
لكنها رفضت..
حاولت ان اسرق تمرتين من نخلتيها
لكنها رفضت
حاولت ان اسرق نشوتها قبل خروج نشوتها
حاولت ان اسرق دمعتها قبل خروج دمعتها
حاولت ان اختلي بناقتيها…
رفضت دعوتي الى الفراش
قالت: انا على طهارة
ارفض صلاتكم
ارفض اشجاركم
ارفض تفاحكم
ما اغوتني ثمارها
اريد الدخول الى جنتي
رفضت نشوتي
رفضت دعوتي
قالت:
ارفض الصلاة معكم
ارفض الدعاء معكم
اريد الصلاة وحدي
اريد البكاء وحدي
اريد النوم وحدي
فجأة هبت عاصفة صحراوية
حجبت عني تفاصيل جسدها الصحراوي
دغدغتني امواج رملية داكنة
نزل رذاذ من المطر في اقصى الصحراء
انتعشت النخلة
فرحت الناقة
رقصت النعامة
عصفت الرياح وسط الرياح
سمعت اغنيات
سمعت ابتهالات
بدأت النعامة تصلي
بدأت الناقة تبكي
بدأت النخلة تنحني
تركت الصلاة في جسدي حيرة
تركت الصلاة بين النخلتين نغمة وسط نغمتين
ترك الدعاء بين الصلاتين او بين النهرين اغنيتين
تركت في جسدي اثرا كالجرح…
تركت في جسدي اثرا كالنداء
أيتها….. ايها…
في اقصى الصحراء شرقا رأيت هودجا يتمايل فرحا
في اقصى الصحراء غربا رأيت فارسا يعدو كالبرق
اخذني فضولي الى ذلك الفارس
خطفني كالبرق كالرعد
ازداد الرعد في الصحراء
نزل المطر بغزارة
بدا العرس
اسمع ضرب الطبول
اسمع أصوات البنادق
اشم رائحة العروس
اعترضت سبيلها…ضربتني بسهم
تشابكت النظرات
تشابكت السيوف
بدأت الحرب…
طلبت مني انقاذها من الذئاب في الصحراء
طلبت ان اشرب الماء بين نهرين لا ثالث لهما…
قال الفارس: انا ملك من السماء
جئت أحذرك من الصلاة تحت تلك النخلة
لا تقربي النخلة
لا تلمسي التمر
استغربت من تحذيره
قلت لكن النخلة اغوتني…وقعت في المحظور…
نفض على وجهي التراب…احمار وجهي خجلا…
فهمت انه أعطاني فرصة اخيرة
نعم أعطاني قبلة اخيرة
بعثني الى الدنيا
بعثني الى الصحراء
حيث لا ماء ولا مرعى…
قالت: امهلني
جئت الى الصحراء انتظرك
بين نهرين
بين نهدين
اريد العيش وسط شفتيك
اريد البقاء وسط عينيك
امهلني يوما او يومين….
ضمني بين يديه
ضمني بين دمعتين
تركني بين نخلتين
تركني بين نظرتين
أبحث عن نخلتين بين نظرتين او قبلتين…

مقالات ذات علاقة

دوائر ثريا وقاص

زياد جيوسي (فلسطين)

حلم الزراع لحروف هجاء

مهند سليمان

العلامة ابن خلدون سابقة علمية اقتصادية فريدة (2-4)

المشرف العام

اترك تعليق