النقد

بعضٌ من سير التعب

الذكرى الأولى لرحيل الكاتب الليبي محمد السنوسي الغزالي – 10 نوفمبر 2021

الكاتب الليبي محمد السنوسي الغزالي
الكاتب الليبي محمد السنوسي الغزالي

حين كنت أتأمل الكتب الوافدة الجديدة بمكتبتي المنزلية، أيقنتُ أن بعضها يحتاج إلى مفاتيح خاصة أو طقوس معينة أو أوقات مناسبة لمصافحتها ومعانقة صفحاتها المتراصة بأحجامها ومقاساتها وألوانها المختلفة. كما أن كتباً أخرى قد تصدك مباشرة بأغلفتها أو ملمسها الخشن أو حجم حروفها الرقيقة فتسد أمامك سبل الوصول إليها مهما حاولت أن تروض نفسك لتحمل رتابة كلماتها المعجونة أو عباراتها الركيكة ولغتها الغارقة في الغموض التعبيري والمضمون البائس أو الغائب كلياً أحياناً. وفي المقابل هناك كتب أخرى تستقبلك عناوينها بالزغاريد، وتحتفي بك مقالاتها النثرية أو نصوصها الشعرية وهي تتفتح أمام عينيك وبين يديك مزهوة بإطلالتك البهية فتنثر في وجهك وروداً وعقوداً من الفل والياسمين لتمنحك طاقة وحيوية وشوقاً عظيماً لالتهامها في حينها، ومواصلة النهل من معينها الثري بالمعلومة والفكرة والبلاغة والذكريات والتجارب والأحداث التي سكنت خزائن من يحاول إعادة الحياة إليها وبعثها من جديد في عالم غادرته منذ سنين.

(بعض من سير التعب)

شدني عنوان كتاب الأستاذ محمد السنوسي الغزالي الصادر منذ حوالي أربعة سنين فأوقعني في شباك حكاياته الشيقة التي ضمها وبلغت اثنتين وعشرين حكايةً تنوعت وازدانت بروح الصدق وحسن الاختيار والتعبير، وقد جاءت متسلسلة على النحو التالي (البدء، الدرناوية في المسار، الولادة، الزهرة السحابة، صديق التعب، لؤلؤة كل الأزمنة، أبوالعذارى، بيت مسكون بالبركة، أكل وشرب وسيقان، سرايا، قمباري، سبب، حكاية الموريس الحمراء، الأبله، مجهولة وتحبه، جريو الزلافات، إعادة ترتيب، حكاية عرفة الحلواني، اجدابيا .. نداء الرمل الحنون، فكرة، الخوف، الطاعون).

آسرتني هذه الحكايات التي تنحاز إلى صدق الواقع التجريبي وروح وقيمة الإنسان البسيط وإيقاعات الحياة بكل مكابداتها وصراحة الراوي رغم قسوتها. حكايات لا تزين الماضي أو تنمقه، ولا تزيفه، ولا تنكره. كما أنها لا تدعي البطولة أو التعالي والتكبر على القارئ الذي تعانقه وتصادقه منذ سطرها الأول حين يستهل مبدعها مبتداه بالقول (… هذا بعض مني … بعض منكم .. بعض من بعض الآخرين..) ومن خلال العلاقة التي تبنيها هذه السلسلة الترابطية المتينة يُضَمِّنُ الكاتب القدير حكاياته جزءاً من تجربة كل منا بشكل غير مباشر، وحتى حين أحسست بعدها، كأنه يتراجع عن ذلك ليحدد خصوصية التجربة ويقر بأنها له وحده مستشهداً بالأديب الراحل الصادق النيهوم حين يقول مؤكداً (هذه تجربتي أنا) اكتشفت بأنه لا يتراجع عن قوله، بل يغوص ويتعمق أكثر في علاقة الشخصية والزمان والمكان، والإبحار بنا في دهاليز الذات ليجعل شخصيته وسيرته الخاصة متأثرة بنا جميعاً ولكنها تحمل بصمته وحده، وفكره وحده، وطبائعه وحده.

أعترف بأن حكايات الأستاذ القدير محمد السنوسي الغزالي لازالت طازجة رغم مرور عقود طويلة على أحداثها، وأزمنة أخرى على تجميعها وكتابتها ونشرها. فها هي انعكاسات فقدان الأم منذ الصرخة الأولى لازال صداها مدوياً في حياته الراهنة. وها هي دموع الإنسان الصادقة المنهمرة من عينيه الجميلتين لازالت تبلل فؤاده المسكون بالمحبة حين يعانق أفئدة قرائه وأحبته كافةً. وها هي أيضاً بعض رغبات اللهو ونوايا النزق والعبث تعزف حنينها الخافت إلى عهودها القديمة رغم غياب القدرة وتبدل الظروف والإمكانيات للتلذذ بشقاوتها. وها هو الرأس الكبير يتغطى ببعض القبعات الملونة لمشاكسة شعرات الرأس البيضاء التي تفضح أو تبوح بمشاوير الزمن وتجاعيده المثقلة بالأفكار المتضادة ولكنها ثابتة وزاخرة بالحب والانحياز لقيم الخير والجمال كافةً.

(بعض من سير التعب)

إن هذا العنوان البارز بالخط العريض المتكون من أربعة كلمات والذي اختاره ووضعه الأستاذ محمد السنوسي الغزالي على واجهة كتابه الممتع أخفى تحته مباشرة الإعلان عن المضمون الأساسي للكتاب وهو (حكايات) التي ظهرت كلمة صغيرة تحت العنوان الكبير مكتوبة بخط رفيع مختلف، وكأنه يريد أن يجعلها مفاجأة جميلة يباغث بها قارئه حتى لا يصرح له علانية بأن هذه النصوص هي فصل من فصول سيرته الذاتية، كما شبهها الكاتب والقاص الأستاذ محمد المسلاتي في المقدمة التي صدّر بها كتاب صديقه الغزالي (… كأنها السيرة الذاتية للكاتب لتدخل في مناخات ذاكرة مفتوحة على كل ما التقطه الكاتب خلال طفولته ورحلة صباه ..) تاركاً لقارئه تأملها واستكشافها والبحث في انتسابها.)

جاءت حكايات الأستاذ القدير محمد السنوسي الغزالي عفوية في استلقائها على صفحات الكتاب، غير متسلسلة وغير عابئة بتدوين تواريخ وأمكنة كتابتها، عدا حكاية (أبوالعذارى) التي كتبت في مدينة لارنكا بقبرص سنة 1989، وحكاية (أكل وشرب وسيقان) التي كتبت في بنغازي سنة 1980، وحكاية (الخوف) التي كتبت في العاصمة اليونانية أثينا سنة 1979، وحكاية (الطاعون) التي كتبت في مدينة بنغازي سنة 1975. أما بقية الحكايات فلا يخبرنا المؤلف شيئاً عن ترتيبها أو أمكنة ولادتها.

ويمكننا من خلال تتبع نصوص الحكايتين اللتين كتبتا بعيداً عن مهد الأحداث وأرض الوطن ملاحظة أن الأستاذ محمد السنوسي الغزالي لم يخضع لهيمنة أو تأثير المكان الذي استرجع فيه ذكريات حكاياته عندما استعاد أجواءها وظروفها ورموزها وسطرها وكتبها أثناء تواجده في ذاك الفضاء الأوروبي الغربي سواء كان جالساً في أثينا أو لارنكا، لأن أجواء بنغازي وشخصياتها وبيئته الخاصة بجميع أركانها وأطيافها لم تفارق قلبه وعقله في سفره وترحاله، ولم يتخلى عن وفائه المعهود لها، لأنها تعيش معه في كل نفس، وتسجل طغيانها عليه بوضوح لافت حتى وإن سافر بجسده بعيداً عنها.

ففي حكايته (أبوالعذارى) التي كتبها ربما مستلقياً في شقته أو جالساً في أحد مقاهي العاصمة اليونانية أثينا العريقة نجده يستذكر تلك الشخصية التي كان يعمل لديها بمدينة بنغازي صديقه الشاب “سمير” الذي يصفه بأنه “مستشار غرام”، ويعلن صراحة بأنه يحتقرهما معاً لأن الأول (أبوالعذارى) استضاف الثاني (سمير) في بيته وعرض عليه بناته الأربعة لاختيار زوجة منهن، فاستهجن الأستاذ الغزالي هذا التصرف المشين حسب رأيه، وظل بسببه يحتقر كلاً منهما لسنوات طويلة.

وتكشف لنا هذه الحكاية أن الواقعة ظلت تسكن أعماق الأستاذ محمد الغزالي السنوسي سنوات طويلة بعد مرورها حتى اعترف في نهاية النص قائلاً (.. بعد أن تزوجتُ … وأنجبتُ البنات .. وعرفتُ قسوة الحياة ..ورأيتُ نفسي في صورة أبي العذارى … احتقرتُ نفسي لأني احتقرتُ هذا الأب دون فهم … توقفتُ عن احتقار أبي العذارى وظللتُ محتقرا لسمير وبعمق). وهذه إشارة تبرز أهمية وحيوية الحادثة موضوع الحكاية التي ظلت تتفاعل في أعماق الإنسان لفترة زمنية ليست بالقصيرة، وتجعله يراجع أحكامه وفق متغيرات وظروف ومستجدات حياته وأفكاره، وبالتالي نجده بكل شجاعة يقر بالاعتراف بخطئه والتأكيد على عدم صوابه، وهذا بحد ذاته يطلعنا على أخلاقه وسلوكياته التي لا تجد حرجاً في التراجع والاعتذار وهو سلوك نبيل يحفظه له الجميع.

كتاب بعض من سيرة التعب للكاتب الليبي محمد السنوسي الغزالي
كتاب بعض من سيرة التعب للكاتب الليبي محمد السنوسي الغزالي

وكذلك لا نجد في حكاية “الخوف” أي بصمة أو أثر لسيطرة أو أنفاس مكان كتابتها، وهو مدينة لارنكا بالجزيرة القبرصية النائمة وسط البحر الأبيض المتوسط، على أسلوب الراوي في نقل ووصف الحدث من موقعه الأصلي وهو مدينة بنغازي أو على تفاصيل الحكاية وشخصياتها. ففي هذه الحكاية قدم لنا الأستاذ الغزالي شخصية “إبراهيم” الذي تعرف عليه خلال فترة من فترات حياته الضاجة بالحركة والشباب والنشاط ويقول عن تلك الشخصية (كان ابراهيم طفلا .. لكنه ضد البراءة..) كما يصفه بأنه (فظ القلب واللسان) و(شرس) و(وحش)، ثم يتناول أساليب الابتزاز التي كان يمارسها (إبراهيم) لكي يغتصب حاجات الآخرين من بينهم الراوي نفسه الذي كان أحد ضحاياه حين تعرض له مرات عديدة. وفي الوقت الذي استلذ فيه (إبراهيم) طيشه وسطوته وممارسة ضغوطه على بعض أترابه ومن بينهم الراوي الذي أحس في لحظة استفاقة واستقواء، بضرورة التخلص من خنوعه واستكانته وخضوعه المذل لهذا الوحش، والانتصار لذاته وكرامته الإنسانية، فثار وانتفض في وجه (إبراهيم) ليعريه على حقيقته ويكشف مستوى ضعفه ويجرده من تلك القوة الزائفة، وقد أدت تلك الانتفاضة والانتصار للذات الإنسانية إلى اختفاء (إبراهيم) من مشهد مغامرات حي البركة.

وتبرز لنا هذه الحكاية قدرة الراوي على طول الصبر والمسالمة وتحمل الأذى والظلم، ربما لطبيعة الحياة الأسرية التي نشأ فيها وإفرازات حالة اليتم وفقدان الأم التي ترعرعت بداخله، وبالتالي الاستسلام والانصياع بكل هدوء ودعة للآخر. وفي نفس الوقت تبرز قوة شرارة الثورة التي أضرمها في داخله والاستعداد للتغلب على الهون والذل والضعف وهزيمة الخوف والانتصار على الابتزاز حتى استطاع أن يقتل قلقه، ويملك إرادته التي استمد منها صلابته وقوة عزيمته ويحقق انتصاره على (إبراهيم) وحش حي البركة ويسجل لنا أحداث حكايته أثناء تواجده في ربوع المدينة القبرصية على شواطئ المتوسط الدافئة.

إن حكايات الأستاذ محمد السنوسي الغزالي حبلى بالماضي والذكرى والاستمتاع الذي تستجيب وتطرب له المشاعر الإنسانية، وتثبت هذه الحكايات بكل يقين أنه يملك تجربة ثرية في الحياة بإمكانها أن تشكل إضافة لأدب السيرة الذاتية. فهذه الحكايات التي تولى الأستاذ محمد السنوسي الغزالي سردها بلغة بسيطة خالية من المفردات الغريبة أو الجمل والعبارات الغامضة أو المبهمة، ظل أسلوبها محافظاً على عنصر التشويق وشد القارئ لمتابعة مجرياتها وترقب بعض التصرفات أو ردود الأفعال التي تفرزها أحداثها المتنوعة.

(بعض من سير التعب)

أسعدتني كثيراً اعترافات الراوي الأستاذ محمد السنوسي الغزالي التي أعلن عنها بكل صراحة وجرأة وعدم تنصله من الماضي بجميع سلبياته أو التنكر لأحداثه ووقائعه وعلاقاته ببعض الشخصيات السلبية والسلوكيات المشينة. حقاً لقد أعجبتني شجاعته وعززت مكانته لدي وتقديري واحترامي له وهو يوضح للقاريء (.. في ذلك الزمن كان قد أحاط بي رفقاء الشقاء .. تناوبوا على تعليمي كل ألوان السوء ..) ويضيف مستمراً (.. كنت مع رفقاء الحسرة أتحصل على بعض المال من سرقاتهم الصغيرة إضافة إلى ما يمدني به أبي الذي كان يظن أني مجد في دراستي ..) ولا يبين أوجه صرف ذاك المال، إلا أنه يواصل سرده (.. لم أكن طفلاً صالحاً كما ينبغي تبعا لظروفي الاجتماعية.. كنت قد فقدت أمي من العام الأول لولادتي .. وأعترف أني كنت شقياً ومزعجا وطفلا ثقيل الظل …).

وليس هذا فحسب بل يتأكد من نبرات تعبيره ومفردات لغته المباشرة الهادئة أنه يخاطب ضمير وقلب وعقل قارئه بروح صادقة وواثقة من تقدير وتعاطف ذاك القاريء لظروفه الاجتماعية، حين يتولى شرح أسباب سوء ظن أهل الحي به ومبرراته ودفاعه عنهم (.. كنت شقيا بلا شك .. مزعجاً ومجلباً للمتاعب، وكان يمكن أن يصدق الناس أني السارق .. بسبب رفقاء السوء الذين أتبعهم ..). وحين وصل الأمر إلى نقله إلى مركز الشرطة وتقييد حريته أحس بخطورة تطور موقفه مع إحساسه الخفي بالألم والذنب لأنه صار في وضع لم يتوقعه (.. وضعوني في الزنزانة لأول مرة في حياتي!! لم يكن يخطر على بالي أني سأصل إلى هذا الحد من البؤس!!!). 

وفي جانب آخر استوقفتني في حكايات الأستاذ محمد السنوسي الغزالي تلك العبارة القصيرة التي وضعها على عتبة صفحات (حكاية عرفة الحلواني) والتي يبدو أنها جاءت ليؤكد بها حقيقة واقعة الحكاية التي يرويها ويثبت بأنها ليست من نسج خياله، فذيلها بهامش يحتوي على كلمتين يقول (حكاية واقعية) فحيرتني هاتان الكلمتان وحركت أسئلة عديدة في ذهني لعل أهمها: هل هذه الحكاية وحدها التي تنتمي لعالم الواقع الحقيقي التي عاشها الراوي دون غيرها من بقية الحكايات؟ وبالتالي هل شخصيات (نجوان، وحواء، والحاج سعد، وقمباري، وسبب، وزهرة، وسرايا، وخديجة، ومصباح عاشق العزوبية وغيرهم كثير) شخصيات حقيقية عاصروا الوقائع التي يسجلها الراوي في حكاياته، أم أنها من نسج خياله أم ماذا؟ حقيقة لماذا وضع الأستاذ الغزالي هذا الهامش الاستثنائي المحير الذي قد يوحي لنا بأن بعض حكاياته ليست واقعية؟

(بعض من سير التعب)

اعتمد الأستاذ محمد السنوسي الغزالي الأسلوب السردي الإخباري في كل حكاياته التي خلت من الخيال والجمل والعبارات والتصويرات البلاغية، كما أنه لم يلجأ إلى استعمال وتوظيف الحوار في أغلب حكاياته بشكل أساسي، بل ظهر مرات قليلة وبصورة مبسطة، عدا حكايتين فقط هما (فكرة) و(قمباري). ففي حكاية (فكرة) التي وصفها منذ البداية بأنها (حكاية قصيرة جداً) تأسست على حوار فلسفي تصادمي بين الراوي وامرأة لم يفصح عنها النص حول رغبة تكرار الزواج من امرأة ثانية. وقد انطلق هذا الحوار الدائري المغلق بالإصرار على هذه الغاية والتشبت بها ثم سرعان ما تم التنازل عنها، وإلغاءها في نهاية الحوار.

أما عن طبيعة الحوار في حكاية (قمباري) فقد تميز بأنه الأطول والأكثر تنوعاً وتشويقاً، وقد أضاف إلى الحكاية روح التواصل بين شخصياتها، وساعد في التعرف على شخصية الحكاية وهي (قمباري) وأسلوب ومسارات حياتها المتعرجة وبعض أفكارها البسيطة ومواقفها الوطنية من التواجد الأجنبي على أرض ليبيا الحبيبة. كما تضمن الحوار في هذه الحكاية مفردات بالعامية الدارجة مثل (الكبترانيه) و(الدوقادوستا) وكلمات أجنبية بحروف عربية مثل (أرابيك … ستيوبيت … ستيوبيت) و(أنا ستيوبت يا دونكي).

(بعض من سير التعب)

هذه الحكايات لا ينقصها الكثير لكي تصبح “سيرة ذاتية” متكاملة لأنها تستجيب لاشتراطات ذاك الجنس النثري وتتوفر فيها كل أركان السيرة، الزمان والمكان والشخصيات والأحداث، وما ينقصها إلا تقنيات الروابط التي تحركها وفق مسارات السيرة وحبكتها السردية الدرامية. فالمدن والمناطق والأمكنة عامة حاضرة في هذه الحكايات مثل بنغازي واجدابيا ودرنة، وحي البركة وشارع البوري. والأحداث جاء سردها رقراقاً مشوقاً يحتاج إلى إضافات مفصلة بتوسع أكبر يتناول جوانب دقيقة لمراحل أظنها تمثل أهمية راسخة في حياة الراوي الأستاذ محمد السنوسي الغزالي، فمثلاً أنا فوجئت بغياب حكاية مفصلة عن (مدرسة النهضة) في اجدابيا التي تعرف فيها للمرة الأولى على التعليم المدرسي، وحكاية أخرى ينقل لنا فيها الأجواء الدراسية في فترة الخمسينيات في حي البركة، يعرفنا من خلالها على زملائه بمقاعد الدراسة، وأساتذته، وبعض المواقف والأحداث والطرائف المتكدسة في خزانة الذاكرة. وإضافة لكل ذلك فقد أسكن الأستاذ محمد العزالي السنوسي الكثير من الشخصيات والأسماء في حكاياته مثل أصدقاء والده وغيرهم في مدينة اجدابيا (صداقة والاشهب وبودربالة وعبدالله التمرجي) ورفاق والده في حي البركة (… الحاج كشبور والمدولي والدينالي وإبراهيم الهوني وكركورة اليوناني ورافع الاثرم “الحسان” وعوض السلاوي ومصطفى بن عامر والشيخ عبدالله المحجوب وأيضاً الطبيب الألماني “كلوك” والدلال عبدالرحيم و”سعد اليتيم”)، وكم تمنيت لو أنه ضمن كتابه حكاية خصصها لذاك الوالد الطيب الذي كثيراً ما أشاد به في حكاياته.

من خلال الرحلة الممتعة التي أمضيتها عبر حكايات الكتاب الشيق التي لا أدعي أنني مارست حيالها دور الناقد، بل أظنني قدمت قراءة انطباعية تعريفية متواضعة لها، أيقنت من خلالها أن الأستاذ محمد الغزالي السنوسي يملك تجربة عميقة بالحياة، وثرية بأحداثها، وممتعة بتنوعها، نقل لنا بعض صورها من خلال أدواته الفنية وقدراته التعبيرية بلغته وتقنيات فنه السردي وأسلوب حكاياته الجميل. كما صرت أؤمن بأن هناك الكثير من الحكايات الأخرى ظل مسكوتاً عنه ولم يغادر خزانة الذاكرة بعد، فمتى يطلق الكاتب الأستاذ محمد السنوسي الغزالي العنان لقلمه الرشيق ويغمسه في مداد ذاكرته ليخط لنا سطوره الأولى في سفر السيرة الكاملة والتي بالتأكيد ستشكل إضافة للمشهد الأدبي والثقافي في بلادنا؟

______________________________________________

(*) نشر هذا المقال بصحيفة “الأحوال” الأسبوعية الصادرة بمدينة بنغازي عن هيئة دعم وتشجيع الصحافة، العدد رقم 45 السنة الأولى، الصادر بتاريخ 19 ديسمبر 2012 الصفحة رقم 9.

مقالات ذات علاقة

لماذا تبهرنا كتابات الفـاخري؟*

محمد عقيلة العمامي

أنثى المكان: فاكهة الأساطير في “سلطانة” العمّاري

المشرف العام

توازن الشكل والمضمون في قصة توجس

المشرف العام

اترك تعليق