قراءات

إضاءة على حكايات مواطن ليبي

رافد علي

كتاب (حكايات مواطن ليبي) للكاتب مفتاح قناو
كتاب (حكايات مواطن ليبي) للكاتب مفتاح قناو

أكرمني الأستاذ القاص مفتاح قناو بالحصول على نسخة متميزة من إصداره الأخير “حكايات مواطن ليبي” عن دار الكون. الإصدار عبارة عن مقالات نشرها قناو في آخر العقد الأول من الألفية بصحيفة أويا، التي كانت تعد لسان حال ليبيا الغد بتلك الحقبة.

استهل الأستاذ مفتاح إصداره بأبيات للراحل الأديب خليفة التليسي في عشق الوطن ومكابداته. ويقدم قناو لكتابه تحت عنوان “الصحفي مؤرخ اللحظة” التي يسلط فيها الضوء على أهمية المقالات والزوايا الصحفية، التي تنصب على مشاكل المواطن كعملية تساهم في كتابة التاريخ، وهو المسلك الذي اتبعه كاتبنا في طرحه ضمن ما أطلق عليه “اللعبة المزدوجة” مع النظام السابق في الكتابة، من خلال ممارسة قدر من النقد المسموح، دون أن تكون أسقفه محددة ومعلومة، بقصد نشر الوعي لدى القارئ، ومحاولة منه لإظهار ملامح الرأي الآخر بالبلاد، مع إشارته إلى أن الرقابة الدقيقة كانت حاضرة.

بعض مقالات السيد قناو أدت بعض الأثر كما يشير في هامش مقاله “حكاية عن الفلك وليلة النجمة” التي استهجن فيها القاص بأسلوبه الساخر إقفال مقر القبة الفلكية، التي كانت ملتقى لأهل الثقافة والفن، وأضحت صالة أفراح للإيجار. “طبعا ما جدوى أن تنشئ بلادنا مرصداً فلكياً، ولا تساعد في إرشاد العروس الليبية إلى نجمتها… ” بليلة النجمة، مستمرا في سرد انتقادات لاذعة للقرار الإداري، واحتماليات الفساد فيه، إذ يختتم قائلاً: “إننا نسعى إلى إدخال التقنية في كل المجالات ومنها الأفراح، ثم إن هذا العمل (تأجير القبة) قد يحقق دخلاً كبيراً للقبة الفلكية يساعد على تطويرها وتحديثها”. قضايا الفساد واستغلال المناصب يعرج عليها قناو بمواضع متنوعة كما في “حكاية عن السلطة”.

حكاية عن التسكين العائلي، هي المقال الأول في المجموعة، وتنصب على نقد قرارات اللجنة الشعبية العامة من خلال الرمز برب العائلة في الزج بقرارات عشوائية تخص أسرته، التي لاحظ تجمعها ذات مساء، مما أربك العائلة بحيث أضحى الجميع ينأى بنفسه عن أن يشمله قرار الإبعاد من البيت الأسري لضيق مساحته. المقال لا يخلو من حالة غمز نقدي حاد ومباشر للارتجالية في اتخاذ القرار، وهو عنصر تشترك فيه المقالة المذكورة مع “حكاية عن الإسكان والتسكين”.

السخرية الناقدة تبرز كإحدى عناصر الكاتب في بعض مقالاته، وتتجلى هذه النقدية في مناقشته انعدام أسلوب الحوار في مفاهيمنا كشعب، إذ تسودنا المناطعة والعناد والصراخ. فالمواطن الليبي ذات لحظة في يومه ينخرط في طابور عام، معتقداً أنه يصطف وآخرين لأجل الحصول على كيلو من لحم صغير الإبل، ليكتشف أن الطابور الذي يصطف فيه كان بخصوص الانخراط في مشروع حوار وطني، فـ “حوار” هو الاسم الذي يطلق في الدواخل على صغير الإبل. القفشة شديدة النقد الهادئ الهادف للإشارة إلى أن الحوار المجتمعي أو السياسي عنصر غائب من أذهاننا العامة، بحال تلاشيه كمفهوم مؤسسي بين الدولة ومكوناتها، بل وبين مكونات المجتمع ذاته.

“الفهلولة والتلتلة” كأمراض يعانيها المجتمع الليبي بسبب انهيار بعض القيم، كانت من عماد مقالة “حكاية مُقاول” التي تنصب على أن يرتب مقاول سابق لرجل دولة حفلاته ومستلزمات الترفيه الماجن.

وضع الثقافة والصحافة كان من القضايا التي حاول قناو ملامستها بكتابه، من خلال حوارية مواطن ليبي مع جاره الحاج الصادق، إذ اكتشف الأول أن ابنه، متوسط الثقافة، يكتب شعراً بإحدى الصحف، رغم أنه غير متمكن من بحور الشعر، ولا من قواعد اللغة، مما زاد صدمته عن حال الثقافة بالبلاد، بعد أن عاش شبابه محتكاً بمطبوعات متنوعة تنكب على تثقيف العامة ورفع وعيهم، فالثقافة والمكتبات العامة باتت تتلاشى على مستوي البلاد، كما يأتي ذلك في “حكاية مكتبة البستان”، منوهناً إلى أن أشباه المثقفين يزورون الأوسمة والقلائد للتباهي وتحقيق الشهرة، كما جاء في “حكاية القلادة الذهبية”. كما سلط قناو الضوء في مقالاته على أزمة اقتحام رابطة الأدباء والكُتاب بقرار من أمانه مؤتمر الشعب العام حينها، مبرزا المخالفات الإجرائية والقانونية بالخصوص. فمشكل ممارسات مؤسسات الدولة لتجاوزات إجرائية وقانونية من الهموم التي حاول الكاتب إبرازها، كما في مقالات “حكاية عن العدالة”، و “حكاية قرض”، و “حكاية فاتورة خمس نجوم”، و “حكاية مرتب”، والمقالات المتعلقة بكلية الطب، فلا وجود لرقابة إدارية ولا لنقابات فاعلة من شأنها تدارك المخالفات والفوضويات فيها.

أزمة التعليم بليبيا وتخبطات التخطيط في المؤسسة العلمية بالبلاد سُلط عليها الضوء في عدة مقالات كقضية الغش، والأبلة رجعة والمنهج السنغافوري. كما أن معضلة الإيفاد العلمي لنيل الشهادات العليا نالت اهتماماً جيداً، فالعائد بتخصصه الدقيق، منهم من صار مجاله مهملاً، أو أبعدت من المناهج التعليمية، فمن ظل في غربته يعمل بمؤهلاته التي حازها صار ينعت عامةً “بناكر الجميل” او “عديم الوطنية” ضمن محنة الانتماء، وهذه الوضعية حاول الأستاذ مفتاح إبرازها في “حكاية مخرج سينمائي” و “حكاية عن الانتماء”.

مقالات الأستاذ قناو في حكايات مواطن ليبي، المذكورة هنا او عداها، جاءت صوتاً سلساً وبأسلوب جميل، ولعل المثير فيها جميعاً أنها مقالات لازالت تشاكس الواقع المعاش اليوم، لكون أن النظام السابق قد سقط، لكن خطوات البناء والتجديد لازالت غائبة ونحن بصدد افتتاح عشرية جديدة من هذه الألفية، وكأن الكاتب المحامي يشاكس “بأثر رجعي”، كما هو في لغة القانون، فمشاكسة الجاري بأشكلته تعد خطوة للوصول لحلحته بحسب نهج فلسفة الأحوال. فأسلوب المخاتلة والسيمائية في الطرح، كما اعتدنا كعرب، وجب أن نتخلى عنهما كتدابير، وخلق صوت ناضج ينبه السلطة، ويلفت نظر الوعي بالأزمات المعاشة عبر الثقافة والصحافة التي لازالت لم تقم بعد في ليبيا المحن.

مقالات ذات علاقة

صالح بن دردف… وحكايات بنغازية (1)

سالم قنيبر

قراءة في كتاب “الشخصية الليبية” للدكتور منصف وناس

المشرف العام

القصة وأشكال الكتابة الجديدة

فتحي نصيب

اترك تعليق