النقد

يُوسُف الشّريف.. الصورة الأيقونيّة لأُمَيْلة النيهوم..

“يوسُفيّ المَلاحة يعقوبيّ النشيد“ (قراءة تحليلية)

أحمد دخيل بن زايد

الكاتب يوسف الشريف للتشكيلي الليبي علي العباني.

أوجاع فقْد الشّاعرة أُمَيْلة النيهوم للأديب الرّاحل يُوسف الشّريف تفتّقت عنها قصائدُ رثاء تناثرت لأيام بعد فاجعة الرحيل؛ فأزهرت شِعرًا يُجسّد معاني الإجلال والاحترام، كما تدفّقت وفاءً لا نهاية له لهذه القامة الممْشوقة وسط السّاحة الأدبيّة والثقافيّة بليبيا…

ففي يوْمها الأربعين لمُكابدة أوجاع الفقْد تكتب النيهوم قصيدةً عنوانُها: “يوسُفيّ المَلاحة يعقوبيّ النشيد” حيث يتبدّى الفقيد مُتمتّعًا بحُسن يوسُف الصّدّيق عليه السلام، وتبدو أناشيده كَأناشيد يعقوب عليه السلام، وكأنّ الشريف -بمَلاحة يوسُف- هو سليل لروح كروح يعقوب، فهو يتمتّع بهذه الخصال الراقية عن أصالة.

وتغدو النيهوم تستنطق لسان حالها وتسبر أغوار وجعها المتعاظم بالفقْد وحرقته.. بالغربة ووحشتها.. بالحنين ولهفته، وهو ما يثير أخلاطًا من المعاناة والقسوة، تحت وطأة الوِحدة والانكسار والعَبْرة الخانقة ودموع الشوْق بفاجعة الغياب بحكم اليقين.  

“يوسُفيّ المَلاحة… يعقوبيّ النشيد“

وجعي أكبر من كلّ الكلمات

أقاومه وياللعجب بالكلمات

فقْدٌ مُفجع لا تُعيده الكلمات

يأكل عنقي ويخنق الكلمات

غربةٌ عسيرة تغصُّ بالكلمات

لم أعرف كيف أواجه طيفًا

يُسائِلني

لماذا تركتِ جواد الحرف

يركض بِفزع

دون أسرِجة وسُرُج؟

وجع غياب الصهيل شهقة

شهقة صهيل الغياب وجع

غياب وجع الشهقة صهيل

صهيل شهقات الوجع غياب

ليس حنينا ذاك

الذي لا يأخذنا منّا إلينا

هي روح موجوعة

تلوذ بِوجع آخر

أوّل الفجر

وآخر السمر

وكلّ السهر

هو الحنين لِلّذي يأتي

ولا يأتي

حين لا نلوذ بِغيرهِ

ما أشدّ وطأة حديثهِ

ما أوجع صدى شهقتهِ

نذوب توْقًا

نذوي شوْقًا

تتعاظم فينا غاباتهِ

تتراكم قطرات الأشواق

الصغيرة

تصبح مُحيطات شغف

شهقات وجع

وصهيل غياب

امتداده فينا ترانيم خوف

امتدادنا فيه أزاهير حرف

امتداده فيه شهقة عذوبة

امتدادنا فينا عذاب شاهق

مُبتدَأ الكرم

وآخر نشوة

قطوف اللّهف

همس وريد لوريد

نداء مُريد لمريد

نقاء بسمات وليد

يُوسُفيّ المَلاحة

يعقوبيّ النشيد

آآاه يا بهاء الطفولة

وبهجتها

طوبَى لنا لأنّك نحن

اللهم إنّي أُشهِدُكَ

يا صِدِّيقِي

فاشهَدْ

فأنتَ

شاهِدي

ومشهودي

ومشهَدي

ابنتك/: أُمَيْلَة النيهوم، اليوم الأربعون لفاجعة الوجع

تبدأ أُمَيْلة النيهوم قصيدتها مُتحسّسةً المدى الذي بلغه وجْعها وحالتها تحت وطأته في ظلّ فقْدها الموجع فتكتب:

“وجعي أكبر من كلّ الكلمات

أقاومه ويا للعجب بالكلمات

فقْد موجع لا تعيده الكلمات

يأكل عنقي ويخنق الكلمات

غربة عسيرة تغص بالكلمات“

هكذا تستهلّ الشاعرة قصيدتها بالوجع الذي ما انفكّ يتخلّلها ذاتًا وزمانًا، لكنّ هذا الوجع كبير مُسفرٌ عن آلام خيّمت عليها ضاربةً بأطنابها، وليس لها مِن مُجير أمام هذه الآلام سوى الكلمات التي ما عادت تُجدي نفعًا أمام حالة الوجع المتفاقم، ذلك لأنّه… “وجع أكبر من كلّ الكلمات” أي أنّ كلّ مفردات اللغة ستقف عاجزةً أمام توصيف هذا الوجع، فما بالك ببلسمة جراحه؟!

ولأنّ الكلمات هي كلّ ما بقيَ للشاعرة في مواجهة حزنها المرير بالفقْد؛ أخذت تكرّر هذه المفردة “الكلمات” وذلك إيحاءً منها أنّها الملاذ الوحيد لها في محنتها، الذي يمكن أن تستجير به؛ لكن مقابل كلّ ذلك تتعجّب النيهوم لذاتها إزاء ذلك الوجع الذي هو أكبر من الكلمات، عندما تقول: “أُقاومه ويا للعجب بالكلمات” في إشارة واضحة أن كلماتها لا يمكن لها مقاومة هذا الوجع المكين لأنّه أكبر منها؛ فهو وجع استفحل متمدّدًا متراكمًا متفاقمًا متجدّدًا بتجدّد اللحظات وتقاطرها.

ثم تتحوّل الشاعرة إلى حالة الفقْد التي تقاسيها، كسبب رئيس لتألّمها وكسرٍّ لوجعها فهو: “فقْدٌ مفجعٌ لا تعيده الكلمات“.. فقْد مفجع لأنّه أبديّ كان مِن ورائه الموت، الذي إن غيّب كائنًا فلن يعيده أبد الدهر، ومن هنا تتجلّى حقيقة هذا الفقْد المتصل بالمنيّة كقدرٍ محتوم، يمكن أن يتجسّد في صورة راحلٍ غادر دُنيانا، وليس من بعد رحيله رجاء في عودة، حسب ما يُقرِؤُنا قدر الموت الرهيب ويعلّمنا عبْر دروسه القاسية والراسخة كتجارب حياة مريرة، فأنّى للكلمات أن تعيد هذا الرّاحل؟!

هكذا يظلّ هذا الفقْد متربّصًا بذات الشاعرة، مخيّمًا على حياتها، لِتصفه في صورة تجسّد من خلالها أثره الحسّي فتقول: “يأكل عنقي ويخنق الكلمات“.. وكأنّ بهذا الفقْد قد صار وحشًا ضاريًا يغرزُ أنيابه بعنقها، الذي هو مصدر التحدّث والصراخ بالآلام وشكواها، وهو يُمثّل أيضًا كنايةً عن “الكلمات” التي اتخذت منها الشاعرة ملاذًا أخيرًا وقد باتت مخنوقةً، ليمنعها من مجرّد الحديث والبوْح بما يجول في خاطرها، فيخنق كلماتها وهي كلّ ما لديها، لِتلتمس من خلالها العزاء وقدرًا من المواساة.

وتوحي هذه الصورة الأليمة بعَبرة شديدة حارقة ألمّت بالشاعرة، إلى الدرجة التي وقفت فيها عاجزةً عن الكلام، لتحول بينها وبين ما تخطّه من قصيدٍ يُمثّل لها براحًا تستعيد فيه أنفاسها لتستشعر -ولو لبرهةٍ- راحةً من أوجاعها، هكذا تصف استفحال حالة الفقْد وتراكم أوجاعها.. إلى أن تخيّم عليها غُربةٌ تعيش في وحشتها، فتكتب: “غُربةٌ عسيرة تغصّ بالكلمات“.. ذلك لأنّ الغربة -كحالة طارئة على الشاعرة- لها وقعها الشديد، ومن المعروف كخاصيّة أساسيّة للغربة، أنّها كلّما تمدّدت رقعتها في مدى الزمان، كلّما أشتدّ وقْعها على الذّات التي تُكابدها، فعلى مدى هذه الغربة تتدافع كلمات الشاعرة توْقًا للخروج، لتُمثّل -في حقيقتها- صرخاتٍ ذات مغزى وبُعدٍ دلالي جَلِي حينما تُتَرْجم حالتها العميقة ككائن مُغترب، كما أنّ للغربة ضمن هذا السياق دلالتُها الخاصة، لأنّ حالة الاغتراب هنا تُمثّل كنايةً على فقْدِ وطن، أي الوطن كقيمة ذات بُعدٍ مفهومي جليل ورمزيّة خاصة، إنّه ذلك الكائن الذي يبعث حضوره على الشعور بالطمأنينة والراحة والأمان، ولا شك أنّه أضحى وطنًا مفقودًا -حسب قلم الشاعرة- وهو ما أنتج شعورًا بالاغتراب، فالوطن في سياقه هذا روح أفِلت ولن تُشرق من جديد، مُتمثّلًا في روح فقيد الشاعرة العزيز، الأديب يُوسف الشريف. وفي غربتها هذه، تتساءل أُمَيْلة النيهوم في حيرة ثم تستنطق فقيدها في صيغة تساؤل رديف:

“لم أعرف كيف أواجه طيفًا

يُسائلني

لماذا تركتِ جواد الحرف

يركض بفزع

دون أسرجة وسُرُج؟“

فالطيف هنا يتمثّل في “الروح الوطن” الذي يزورها وما يلبث أن يُطلّ مُستفهمًا عبر تساؤلٍ صريح… “لماذا تركتِ جوادَ الحرفِ يركضُ دون أسرجةٍ وسُرُج؟” وجواد الحرف هنا ما هو إلّا استعارةٌ عن ملَكة الكتابة كخاصّية في أُمَيْلة الشاعرة، التي تُشبِّه حالتها الذهنيّة والعاطفيّة وكأنّها جواد يركض في حالة “فزع” وفي هذا إشارة إلى أنّ هذا الجواد لم يكن مُتهيئًّا للركض المعهود، الذي هو خاصيّة أصيلة فيه، مثلما أنّ الكتابة الشعريّة خاصيّة مُتأصّلة في الشاعرة، وإنّ في تساؤل ذلك الطّيف بهذه التّوْرِيَة حول الجواد لَتلميحٌ -من الشاعرة- بعمق العلاقة مع طيف الأديب الأب الراحل ومدى تناغمها معه، فهي تستوعب كلماتِه وتساؤلاتِه حتى وإنْ جاءت بأسلوب قائم على التلميح والتوْرية، كما كانت تجري العادة إبّان حياته.

وفي صورة الجواد المفزوع والمضطّرب هذه انعكاس لعدم استقرار حالة الشاعرة، ذلك لأنّ أطياف “الروح الوطن” لم تكن زائرًا في أوقات بِعينها، فهي قد تأتي بغتةً لتُسْفر عن حالة اضطراب تعجز الكلمات عن مواكبتها، هكذا يمكن إسقاط صورة الجواد هذه على ذات الشاعرة في ظلّ مُكابدتها لأوجاع الفقْد، كما أنّ الفزع يمكن أن يعود بنا إلى ذلك الألم الأكبر الذي تطول مَداءاته فتعجز اللّغة بجميع مفرداتها أنْ تبلغ نهايته.

وتبقى صورة الجواد الراكض والمفزوع راسخةً، لِتستثمرها الشاعرة في مُعادلةٍ كلاميّةٍ مَبنيّةٍ على مُقدّمات تُسفر عن نتائج، وفق القواعد الصارمة للمنطق فتتماهَى قائلةً:

“وجع غياب الصهيل شهقة

شهقة صهيل الغياب وجع

غياب وجع الشهقة صهيل

صهيل شهقات الوجع غياب”

وكأنّما الصورة السالفة المُستعارة عن الجواد قد أسفرت عن غياب الصهيل بالفزع، ولم يعُد بإمكانه الاستعاضة عن صهيله سوى بمجرّد شهقة ليصير… “وجع غياب الصهيل شهقة“.. فغياب الصهيل بالنسبة للجواد غايةً في الألم، لأنّه يعكس تجريده من الخاصيّة التي تُعبّر عن هويّتة، ولم تكن الشهقة إلا تعبيرًا عن العجز وحجم التألّم الذي يسبّبُه، من هنا تتجلّى النتيجة المنطقيّة لهذه المُقدّمة لتكون: “شهقة صهيل الغياب وجع“.. فالصّهيل كَكِناية عن حالة استصراخ الشاعرة لآلامها، وللبوْح بمُعاناة الغياب الطويلة والمُهيمنة على ذاتها، هو صهيل الغياب، أي حالة الصراخ الداخلي بهذا الغياب والذي بدا مخنوقًا، فلم يتمثّل سوى في شهقة، لكنّها تُوحي بمزيدٍ من الوجع، في صورة شهيق الصهيل هذه المرة.

وعلى هذه الوتيرة تمضي عجلة الآلام في دورانها لتنتج مزيدًا من الصراخ بقلم الشاعرة التي تُصيغ معادلتها الكلاميّة بدقّة فتستنتج أنّ… “غياب وجع الشهقة صهيل“.. أي عندما تتوارى أوجاع الشهقة فإنّها تفسح المجال لجوادها بالصهيل، الذي لم يكن سوى عودة لنقطة البداية تلك، لتجدُّد صورة الذات المتوجّعة ليصير في النهاية… “صهيل شهقات الوجع غياب“.. أي أنّ الصهيل – في حقيقته – ما هو إلا انعكاس لحالة تتابع شهقات الوجع وتراكمها ثمّ تدافعها، إثر غياب تلك الروح الصافية النقيّة التي طالما مثّلت للشاعرة معنىً حقيقيًّا للكلمة وطن؛ وذلك نابع عمّا استسقته منها مِن مشاعر الأبوّة ودفئها.

وبتحقُّق الغياب يولَدُ الحنين كملاذ لبلسمة الجراح الغائرة، فالحنين هو الرجاء الذي يبرز تحت ضغط أوجاع الفقْد والاغتراب، إنّه نحتٌ لصورة المُتألّم وهو يلعق جرحه الذي يُثقل كاهل مَشاعره، على أمل تحقُّق الوَصل بالوطن أو الذّات المفقودة، لكن في ظلّ الغياب الأبدي لن يكون الحنين سوى طقسٍ عابرٍ من طقوس الفقْد، يمكن أن يجلب شيئًا من السكون كمهدّيء لآلام الجراح المكينة الغائرة، أما الحنين الذي ليس من بعده وصل فهو ليس بالحنين، كما تستطرد النيهوم:

“ليس حنيناً ذاك

الذي لا يأخذنا منّا إلينا”

أي الذي لا يعود بنا إلى تلك الروح التي غادرتنا إلى دنيا الغيب والتي هي نحن، إنْ بلغناها بلغنا ذاتنا، وفي حال عدم تحقّق الوصل بها ما عاد الحنين حنينًا.

ثم تنتقل الشاعرة لتلقي نظرةً على حالتها الداخليّة ضمن تفاعلاتها مع الوجع الذي يتملّك سائر أوْقاتها فتبوح:

“هي روح موجوعة

تلوذ بوجع آخر

أول الفجر

وآخر السّمر

وكل السّهر”

فبعد الصور السالفة والمجسِّدة لأوجاعها وشهقاتها المكوّنة لحالة الصهيل تظلّ تئنُّ تحت وطأة الوجع؛ ف… “هي روح موجوعة“.. جرّاء تفاقم عذابات الفقْد، وحتّى محاولاتها للتخفيف من شدّة أوجاعها كانت عبثيّةً، وهذا ما تُقرّ به واصفةً روحها المُتوجّعة التي… “تلوذ بِوجع آخر“.. وكأنّ بأوجاع الفقْد قد تَمَلّكتْ حياة الشاعرة التي تمضي لتوضّح كيف يتربّص بها الوجع آناء الليل؛ الذي من المفترض أن يكون فسحةً ينعم فيها المرءُ بالراحة والاسترخاء، فإذا به ينقلب إلى زمن مُكابدة مُتجدّدة مع طَوْر جديد من الألم الذي يتمثّل في… “وجع آخر“.. وهذا إيحاءٌ بِتجدّده طوال الليل وصولًا إلى “أوّل الفجر“.

وقد كسرت الشاعرة قاعدة السّرد المُتوقّع هنا، فقدّمت الفجر الذي هو آخر لحظات سهرها وسمرها وهو الذي قطع ليلها الطويل، وفي هذا تلميح منها أنّ وجعها ظلّ مَكينًا مُؤلمًا عاتيًا حتّى انقضاء الليل وبداية حلول النهار، وذلك كما كان عليه “آخر السمر” أي الساعات المتأخّرة من الليل، وكما كان من ذي قبل إبّان الليل، أي ” كلّ السهر” ليكتمل هذا المشهد للرّوح المتوجّعة بفقْدها الأليم على طول رقعة الليل، بل إنّها توصل الليل بالنهار وهي تعتصر ألمًا، بينما يتمتّع الآخرون بسكينة الليل وينعمون فيه بالراحة ويخلدون إلى نومهم، إلّا أنّ وجع الشاعرة يحرمها من كل ذلك، ولأنّ الغياب عنصر أساسيّ مِن وراء كلّ تلك الأوجاع، فإنّ لإطلالة الغائب وقعها المؤثّر والمثير لمشاعر الحنين في عمق الشاعرة؛ إنّه الحنين الذي يُطلّ بعد سهرها وسمرها الطّويلَيْن فتسكب حبره:

“هو الحنين للّذي يأتي

ولا يأتي

حين لا نلوذ بغيرِه

ما أشدّ وطأة حديثه

ما أوجع صدى شهقته

نذوب توْقًا

نذوي شوْقًا

تتعاظم فينا غاباته

تتراكم قطرات الأشواق

الصغيرة

تصبح محيطات شغف

شهقات وجع

وصهيل غياب“

فالحنين هنا مُتعلّق بروح الفقيد الذي يأتي كصورة أو ذكرى لكنّه لا يأتي في شخصه المعهود، ولم يكن ليأتي حاضرًا أو مستقبلًا، فتَستدعيه المشاعر والذاكرة لتطلّ روحه وأطيافه، لكنْ بصفته المؤلمة كراحلٍ عبَر إلى حياة الغيب بحكم اليقين، ويُمثّل هذا الحنين ملاذًا آخر للشاعرة، لكنّه يُمثّل أيضًا أوجاعًا أُخَرْ، وهذا ما يبدو جليًّا مِن خلال استعمالها أسلوب الدهشة عندما تقول: “ما أشدّ وطأة حديثه.. ما أوجع صدى شهقته“.. لتُعبِّر عن شدّة الأوجاع ووقْعها عليها، إلّا أنّ المُفردة “صدَى” ضِمن هذا السياق، تضطلع بمدلول يُثري صورة الشهقة، فالصدى كناية عن الفراغ الذي تتردّد في جوفه الشهقة وتتضاعف حتى تتناهَى في غياهبه، كما أنّ الصّدي يمكن أن يوحي بهيْمنة السكون الذي يسمح بتردّد الشهقة، فتصير شهقات يمكن سماع تردّدها؛ وإضافةً إلى كلّ ذلك يُمكن أنْ تكشف المُفردة “صدى” عن حالة الوِحدة التي تُقاسيها أُمَيْلة النيهوم في مواجهة آلام الفقْد والغربة والحنين وألوان عذاباتها، إلى جانب الفراغ الذي خلّفه رحيل أيقونتها في عالم الكتابة والشعر، ولم يكن الفراغ الذي ذكرناه سلَفًا إلا مُحاكاة للفراغ الذي تُعانيه الشاعرة، والتي تستصرخ أوجاعها في ظلّه فتمضي كاتبةً… “نذوب توْقًا.. نذوي شوْقًا“.. والذوبان توْقًا ما هو إلا تصوير لبلوغ قمّة الشوْق، أمّا الذّوي شوْقًا فهو توصيف لحالة الضعف، وتجسيد لذبول روح الشاعرة في حقل من المُعاناة المُتزايدة، وذلك ببلوغ ذُروة الحنين إلى روح الفقيد المُعلّم والأب، الأديب يوسُف الشريف، الذي هو فقيد كبير بحجم الوطن، من هنا صار تنامي مشاعر الحنين وتجدّدها أمرًا بديهيًّا، لأنّ فقْده – وهو مَن هو – قد أسفر عن غياب للطمأنينة والارتياح والدفء والاستقرار النفسي، هكذا يتجلّى الحنين لهذا الفقيد مُتراكمًا مُتعاظمًا، فتصوّره الشاعرة قائلةً: “تتعاظم فينا غاباته“.. والغابات المُتعاظمة هي استعارة عن تشكُّل حياة جديدة بتعقيداتها وأشجانها؛ كما أنّها إشارة إلى السُّكنى والبقاء، أي بقاء ذلك الحنين وتكرّس طقوسه كنتيجة للغياب وكأثر لمشاعر الاغتراب والوجع بالفقْد، هكذا تغدو النيهوم مُتماهيةً مع أبياتها لترسم صورة شوْقها حيث…”تتراكم قطرات الأشواق الصغيرة“.. والقطرات انعكاس لتراكم الأشواق وتفاقم آثارها، كما أنّ في القطرات دلالة على الرّقة والشفافية التي تعكس حالة الشاعرة المشاعريّة و الشعريّة في وصف ذاتها المكلومة؛ لكنّ تراكم هذه القطرات “الصغيرة” بَدا كحالة دائمة، لتكون كنايةً عن ذَرْف الدمع، وإنّ وصفها بالصغيرة لَتلميح على نضوبِه جرّاء كثرة البكاء، لكنّ ذلك الذَرْف كان طويلًا إلى الحدّ الذي كوّن مُحيطات من الدمع النفيس، إنّها قطرات تتراكم على مدى الوجع إلى أن تصبح “مُحيطات شغف” والمُحيطات هنا استعارة عن وقع الوجع وقسوة فظاعته المُنعكسة في غزارة الدمع، وهي مُحيطات شغف، أي حبّ ووفاء وتعلُّقٍ بروح الراحل التي أثار غيابها -من جديد- “شهقات وجع” مُتتابعة مَخنوقة كما في صورة سالفة، إلى أن تصير “صهيل غياب” أي حالة بكائيّة شديدة تُوحي بانهيار عاطفيّ للذّات الباكية.

ثم تتحوّل الشاعرة لتُبيّن كيف استحالت أوجاعُها ومشاعرُ حنينها إلى شِعر، وذلك ضمن تجلّيات الوجع، وهو ما يمكن اعتباره الملاذ الأخير لها، والذي يتمثّل في رثاء الغائب بالشعر لتخفيف آلام الوجع وبلسمة جراحه، هكذا ترسم أُمَيْلة النيهوم مُعادلةً كلاميّةً أخرى، ناتجةً عن الصهيل كفعل مجسّدٍ لحالة التوجّع بفاجعة الرحيل المُفضي إلى الغياب دونما رجعة، ومِن بعده حياة على عتبات الحنين:

“امتداده فينا ترانيم خوف

امتدادنا فيه أزاهير حرف

امتداده فيه شهقة عذوبة

امتدادنا فينا عذاب شاهق“

والامتداد هنا تصوير لتغلغل الصّهيل الذي هو أثر للحنين إلى الغائب في أعماق التّائقين له، والذّاوين شوقًا لأجله، وفي هذا إشارةٌ من قِبل النيهوم إلى مَن يقاسُمها أوجاع الفقْد مِن مُحبّي الأديب الراحل، فيُفْرز هذا التغلغل “ترانيم” وهي لفظة مثيرة للقيمة الجَماليّة لِلكلمات ونبرة صوتها، لكنّها في هذا الموقف تبدو ” ترانيم خوف ” لأنّها ناتجة عن الغياب كمِحْنة مُستجدّة ودائمة، غير أنّ هذا الخوف ما يلبثُ أن يُشكّل حالة تفاعل عاطفيّ تنبثق عنها صورٌ جماليّة مبثوثة في قصيدِ الشاعرة التي تسرح في دنيا الحنين فتكتب: “امتدادنا فيه أزاهير حرف”.. وكأنّ بآلامها تستحيل إلى مصدر إلهام لها فتُزْهرُ حروفًا متناثرةً في مخيّلتها، حيث تقترن الآلام بِالآمال لتكوّن الحالة الشعريّة والّتي يظلّ فيها الوجعُ حجرَ الزاوية، وهذا الحرف الذي هو كناية عن شطحات الذّائقة الشعريّة لدى النيهوم، يصير كيانًا ماثِلًا في مشهديّة الوجع المُختَزَلة في الشّهقة، هكذا تتأتَّى النتيجة لتُخبر بأنّ… “امتداده فيه شهقة عذوبة“.. أي الشهقة التي تنبجس على إثرها ينابيع عذبة سائغٌ تذوّقها، لأنها تفيض شِعرًا مِزاجُهُ صور وقيم جماليّة، ولكي تؤكد الشاعرة أنّ الألم سرٌّ أصيل للإبداع، تُقفل مُعادلتها بقولها: “امتدادنا فينا عذاب شاهق“.. أي أنّ مخاض الكتابة الإبداعيّة وحالة الاستصراخ بالشعر لم تكن سوى عودة إلى الذّات، لسبْر أغوار حالتها الوِجْدانيّة واستشعارها والإنصات إلى انفعالاتها وتفاعلاتها، التي هي آلام وأوجاع ودموع وآهات، تتبدّى في شهقات العذاب أو العذاب الشّاهق.

وهذا العذاب الشّاهق، وهو نبع الشّهقة كترجمة للوجع، تترسّم خرائطه في فراغات الغياب ومِحنة رحيل الروح التي طالما مَثّلت للشاعرة عطاءً غدقًا فهو… “مُبتدأ الكرم وآخر نشوة قطوف اللّهف“.. وفي هذا تصريح من الشاعرة بأنّ الأديب الرّاحل هو أوّل مَن أخذ بيدها إلى عالم الكتابة فشجّعها وأغدق عليها مِن عطائه، فتظلّ مُنتشيةً بذكرياتها معه، وبلحظات حضورها إلى جواره كما يظلّ هو حاضرًا في ذاكرتها، فتخطّ القصيد تِلوَ القصيد وجعًا بغيابه، وكأنّها تجني قطوف اللّهف إليْه، وذلك ضمن تفاعلات تتكشّف عن همس فنداء فآهة طويلة:

“همس وريد لوريد

نداء مُريد لمُريد

نقاء بسمات وليد

يوسفيّ المَلاحة

يعقوبيّ النّشيد

آآاه يا بهاء الطفولة

وبهجتها

طُوبَى لنا لأنّك نحن“

وهذا الهمْسُ بين الأوردة يمكن أن يُوحِي بحوار داخليّ “مونولوج” يتفاعل في خلجات الشاعرة، وقد يوحي أيضًا بِحوار بينها وبين أبيها الروحي في عالم الأدب والإبداع، مُتمثّلًا في… “همس وريد لوريد”.. أي أنّه سلسٌ يُنْبىءُ بتقارب كبير تتّسم به العلاقة بين الشاعرة وقُدوتها، وهذا الهمْس يَتمثّل في… “نداء مُريد لمُريد”.. والمُريد هو تصوير لمَن يمْثل في حضرة مُعلّمه بدافع التعلُّم ونهل المعرفة، بينما تعكس مفردة “نداء” الحاجة إلى المُنادَى، وهو معلّم الشاعرة الذي طالما غرفت مِن مَعين معرفته المُتدفّق عن روحه الكريمة المِعْطاءة النّقيّة، والتي تستعير النيهوم لِوصفها، بسمات الوليد… “نقاء بسمات وليد“.. أي الإنسان في أوّل أطواره حيث البراءة الملائكيّة، وكأنّ بِيُوسُف الشّريف وهو في مرحلة مُتقدّمة مِن العمر، يتبدّى بنقاء الطفولة وبراءتها فهو… “يوسُفيّ المَلاحة“.. أي أنه يتمتّع بجمال يوسُف عليْه السّلام وحُسنه وصدقه وتسامحه، وإلى جانب ذلك هو… “يعقوبيّ النّشيد”.. حيث تبدو أقواله كأناشيد يعقوب عليه السّلام، التي تتمثّل في وصايا هذا النبيء الكريم الزّاخرة بالحكمة والوعظ بالخير والدعوة إلى القيم السّامية.

هكذا تَمْثل صورة الشريف الأيقونيّة أمام النيهوم في لحظة عصْفها الذّهنيّ والشاعريّ لتُطلق آهةّ طويلة نابعةً عن عمق يتخلّلُها نداء، وهو عملٌ بالنِّداء الآنف الذِّكر… “آآاه يا بهاء الطفولة وبهجتها”، ولم تكن الآهة الطويلة سوى تجليًّا لاستصراخ عميق بالوجع المُتجدّد، الجاثم على روح الشاعرة إثر فجيعة الفقْد، حيث تدقّ نواقيس الذّكرى لتستدعي صور الفقيد وما بقي له من آثار، وهو الذي استحوذت الطفولة على حيّز من حياته، فكرّس لأجلها جهدًا كبيرًا، فحُقّ له أن يُوصَفَ ببهائها وبهجتها، وهذا ما جعله ينعم بإرث زاخر بالعطاء كان وسيكون له أثره على مُحبّيه والذين مِن بينهم أُمَيْلة النّيهوم، التي تلتمِس قدرًا من السكينة فتواسي ذاتها مُحتفيةً بالقول: “طُوبَى لنا لأنّك نحن“.. ثُمّ تختتم مرثيّتها مَمهورةً بوفاء لا ينتهي لابنة تلوذ هذه المرّة بترانيم مُبتهلة:

“اللّهمّ إنّي أُشهِدُك

يا صِدّيقِي

فاشهد

فأنت

شاهدي

ومشهودي

ومشهدي“

ابنتك/ أُمَيْلة النيهوم، اليوم الأربعون لفاجعة الوجع.

فتُقفِل أُمَيْلة النيهوم قصيدتها الرثائيّة بمشاعر البُنوّة لروح الراحل يوسُف الشريف، لتُعبِّر عن عمق وفائها له، والبُنوّة ما هي إلا إقرار بأبوّة الفقيد ليصير لفقْده أثر مَكين الألم شديد الوجع… إنّه ألم اليُتْم.

22 اكتوبر 2021، الزويتينة، ترهونة.

مقالات ذات علاقة

انتشاء حد الحزن

عزالدين اللواج

عبد الحميد بطاو شاعرا بالعامية

حسين نصيب المالكي

التمنّع في قصة محمد الزنتاني… نص “القرار” نموذجاً

المشرف العام

اترك تعليق