قصة

حقائب

بورتريه صخري - من أعمال التشكيلي الليبي محمد بن لامين
بورتريه صخري – من أعمال التشكيلي الليبي محمد بن لامين

ورثني أبي محفظة ورثها عن جدي تحوي إبرة وسلكا لستر عورة طارئة، ومقصا صغيرا وزر معطف أو قميص ومهمازا صغيرا وثلاثة جنيهات، محفظة رائحتها من رائحته، لا شيء يشبهها، لكم أسعدت سنين طفولتي، دائما في مرأها ابتهاج كبير حين تخرج من جيب سترته الملاصق لنبض القلب، فتجود بقرش أو نصف قرش.

لم تكن مجرد محفظة، كانت البيت كله يحمله أبي على مقربة من نبضه، بها عشنا عشرا ت السنين، تميمة سحرية كانت كافية، لأن نعيش يومنا ونتطلع إلى يوم جديد… ضيقة، متهرئة، مضمخة بالعرق، لكنها اتسعت لنا كل تلك السنين.

محفظة لا يحملها من بيننا إلا هو لكنها، اتسعت لنا جميعا بحجم وطن، كانت الشاهد على آمالنا، وآلامنا، ودموعنا، ودمائنا منها، اشتريت حقيبة كبيرة لتستوعبني أملا يتشكل في كتب، وكراسات، وألوان، ومسطرة، وممحاة، وقلم رصاص، أكتب، وأمحو، وأرسم، وألون حتى أتمكن أن أرسم بالمسطرة الخط المستقيم.

كل واحد من أقراني مدين لمحفظة أبيه، كلها تتشابه في الغوث والإبهاج، واليوم تنزوي مهملة في غرفتي تقابلها حقيبة كبيرة مريبة بأرقام وأسرار، نقود وأوراق وسلاح، وكل الحقائب مثيلاتها لا تبوح بما تحويه، لكل واحدة أسرارها؛ مخدرات- متفجرات- صكوك- معاملات- حقائب واسعة ومحصنة، لكنها لا تتسع إلا لنفسها، بلا رائحة وبعيدة عن القلب، يصحو أبناؤنا كل صباح يحملون حقائبهم على ظهورهم، ويصحو آخرون يحملون حقائب موت يلقونها على الناس، وتزداد حقائب أخرى في الوزارات، ومحفظة أبي تنزوي أمامي، لا تحوي إلا إبرة وسلكا ومقصا ومهمازا، لكني احتاجها فقد اتسعت العورة يا أبي.

مقالات ذات علاقة

حكاية عبد الرحمن

إبراهيم بن عثمونة

الليل يا ليلى يواعدني

سعاد الورفلي

الحوش

سالم أبوظهير

اترك تعليق