طيوب عربية

حب غامض يخلق الادهاش

نورالدين بن بلقاسم ناجي (تونس)

من أعمال التشكيلية الليبية منيرة اشتيوي
من أعمال التشكيلية الليبية منيرة اشتيوي

بعد غيبة طويلة فكرت ان اذهب الى ابعد مركز امني ترابي حتى اسجل بلاغا حول غيابك المفاجئ عن بيتي، عن فراشي، عن جسدي، نعم فكرت ان اسجل شكوى حول ملابسات اختفائك، انت خرجت دون اذن مني، دون تفويض رسمي، خرجت دون استئذان من قلبي، لماذا طرقت بابي؟ هو باب عتيق يدل على حب عتيق، يتضمن الباب بقايا فسيفساء من العهد القديم، يتضمن جنودا يرفعون السلاح ضد كل من يفكر ان يحتل بيتي، كيف استطعت ان تخرج دون ان يراك هؤلاء الجنود؟ كيف اخترقت كل الحراس؟ يخترق الحب في قلبي كل الجنود، كل الحراس، كما يخترق ايضا كل السلاح، صار الوضع بعد خروجك من حجرتي خارج السيطرة، لا استطيع معه تحقيق السيطرة، حين خرجت لماذا لم تفكر في العودة ؟وحين عدت لماذا قررت أن تخرج الى الابد،؟ كانك تبحث عن حب الى الابد، انت خرجت عن بيتي، نعم خرجت عن اشعاري، تركت القوافي دون ان تجد القوافي، انت تركت بابي مفتوحا على مصرعيه؟ لماذا كسرت زجاج نافذتي التي تطل على تلك الذكرى داخل الذكرى؟ لماذا تركت فراشي يخاطب فراشي؟ لماذا تركتني دون غطاء أبحث عن غطاء؟ لماذا اعطيتني أحلاما كثيرة ثم تركتني دون احلام أبحث فيك عن أجمل الاحلام؟ ليس من حقك ان تخرج من حجرتي…من أحلامي…من فراشي دون سبب…دون سبب واضح خرجت، دون سبب واضح تركتني….هجرتني، صرت أبحث عن سبب مقنع غير مقنع يدفعك ان تغادر حديقتي دون انذار مسبق بضرورة إخلاء البيت، او إخلاء الفراش، لم اطالبك بفسخ عقد الايجار، كان العقد بيننا مفتوحا، لا يهمني ما تخلص بذمتك من أقساط الايجار، ما يهمني ما تضخم في قلبي من حب لك، انت من زرع الازهار الشوكية في حديقتي، انت من علمني تسلق الجبال، انت من أعطاني حبا بريّا متوحشا تتخله عدة اشواك برية لا اعرفها، في تلك البراري الشاسعة صرت أبحث عن وجهك في غياب وجهك، كل الوجوه التي كانت تمر امامي لا تشبه وجهك الجبلي، صرت أبحث في كل النظرات العابرة امام بيتي عن نظراتك، نعم صرت احبك دون ان ارى وجهك، المهم اني رأيت عينيك تخاطبني، جاءني صوت ما، صوت خافت كرذاذ المطر الباكر في الصحراء، رجع الصدى كالانين… صوت كالذكرى، جاءني ضوء خافت وسط صوت كالغناء يدفعني الى الغناء، يدفعني الى البكاء رغم البكاء، لم أعرف مصدر الصوت، بدا اكثر من صوت وسط صوت لا يدل على صوت داخل صوت محدد، بدا اكثر من وجه لا يدل على وجهك، بدا اكثر من وجه لا يدل على تفاصيل وجهك، بدا اكثر من ضوء لا يدل على ضوء سيارتك، لايدل على ضوء غرفتك، تبعثرت الافكار، ظهرت اصوات كالعفاريت تتصارع في حجرتي دون سبب واضح، اصوات تريد البقاء وأصوات أخرى تريد ان تغادر، تبعثرت الاحلام، اضواء وسط أضواء لا تدل على ضوء واضح ياخذني الى فراشك، قاومت تلك العفاريت، قاومت تلك الأشباح وسط الاشباح، قرأت المعوذتين، قرأت دعاء الغائب، استرحت قليلا،  استلقيت قليلا على فراشك أبحث عن فراشك، هنا عذبتني، هنا حاصرتني، هنا تنمرت…هنا تمردت، الحب مخلوق من الأشباح يرتدي كل الاشباح، لم افكر انك بعد المطر بقليل، بعد البرق الخاطف بقليل، بعد السحب، بعد الرعد، قبل الفجر، بعد الرياح، قبل الإعصار انتهى الاعصار، هجرتني… تركتني على قارعة الطريق أبحث عنك في آخر الطريق، عادت الأصوات الى غرفتي تحذرني من عاصفة برية،  تحذرني من حب قادم أقوى في سرعته من العواصف البرية، تملكني الرعب، تصارعت مع تلك العواصف، ظهرت العفاريت، منها من وعدني بالحب ومنها من دعاني الى فراشه حتى اقضي معه ليلة كاملة، حتى يصعد الفجر، حتى تصعد النشوة قبل الفجر، لم استسلم الى تلك العفاريت، كانت تتراقص على أضواء خافتة تقتل أضواء ساطعة، تناديني تعالي ان شئت اللذة، قال لي أحد العفاريت: ما أجمل هذا البيت لو كان فيه بيت من الشعر، بدأ العفريت يقترب مني، بدأ  يلمس جسدي، أراد أن يعتدي على شرفي، قاومت بصعوبة نداءه الى الفراش، رفضت كل اشعاره، لم أصدق ما قاله عنك، قال: انا رسول من السماء جئت حتى اخطف روحك، جئت حتى اخطف حبك، جئت حتى اخطف جسدك، جئت حتى انقذك من عذاب الحب، قلت له: اريد القوافي، اريد ان اكتب بيتا من الشعر، اريد روحا وسط روحك، اريد روحا على هياة طائر كاسر، يحلق ولا يطير، طائر بري، منقاره طويل، مخالبه سوداء اللون، اريد ان اعثر عليه حتى في اقصى الجبال، حتى في اقصى الاحلام، اريد ان القي عليه نظرة او نظرتين، اريد ان اطير معه الى اقصى الجبال، لا اريد ان اموت قبل ان اعطيه مفتاح بيتي، قبل ان اعطيه مفتاح حجرتي، مفتاح حديقتي، مفتاح أحلامي.

سيدي المحترم هذه عناصر الدعوى نقلت لك تفاصيلها بكل امانة ،  نعم نقلتها لك بكل براءة، دع العدالة تاخذ مجراها، اريد الدفاع عن حقي في ذلك الرجل، لا اريد ماترك من أرض، لا اريد ما ترك من عمارات، اريد ما ترك لي من حب احتاج اليه في ححرتي، ارجوكم ساعدوني في الوصول اليه، لو هرب ساعدوني في القبض عليه، اريد الدفاع عن حقي في ذلك الحب المجهول، ارجوكم خلصوني من تلك العفاريت التي سكنت خزانتي، سكنت عقلي وقلبي، اريد ان اتخلص من كل العفاريت التي سرقت النشوة من فراشي، تعددت الأسباب والحب واحد، تعددت الأسباب والموت واحد، نعم تعددت دوافع غيابك، تعددت دوافع حبك، في غياب الدوافع لا توجد دوافع تدل على دوافع تبرر اذا كنت تحبني فلماذا هجرتني؟

كنا نلتقي هنا في تلك الحديقة، في ذلك المكان السحيق من الارض حيث لا يمكن أن يوجد الا انا وانت، كنا على طهارة منذ الازل، نراقب تلك الخرفان ترعى بطمأنينة وسط غياب الطمانينة، جلسنا نتذكر تفاصيل ذلك الحب الالهي،  ذلك الحب الجبلي، كنا نراقب تفتح الازهار، تفتح الاحلام، شدني جيش من النحل يمتص رحيق الازهار،  شدني ان الحب مثل رحيق الازهار،  شدني ان تلك النحلة رفضت ان تتخلى عن الزهرة ، احتضنتها، رقصت معها على وقع اغنية قديمة، رقصت ذات اليمين وذات الشمال، شدني ان الحب في حديقتك زهرة شوكية، شدني رحيق شفتيك، صرت مدمنة على شفتيك، صرت مثل تلك النحلة أدافع عن حقي في اللذة المستعصية، ادافع عن حقي في تلك الاغنية القديمة” عايزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يا زمان” تركت النحلة وشانها تمارس حقها في النشوة، فكرت انها يمكن ان تكون اهم شاهد في بلاغ الضياع،  تعرف النحلة ذلك الشخص الذي التقيت به، هي تعرف بالتاكيد وجهك القرمزي، لن اقول مثل الصبي في رواية الايام” اماه ما شكل السماء وما لون القمر؟”اعرف لونك، لكن لا أستطيع ان ارسم شكلك، اعرف محتواك لكن اجهل مضمون حبك لي، هو بالتاكيد ليس اقوى من مضمون حبي لك، هي تعرف ما لا اعرف عنك، كم مسكتنا متلبسين في قبلة وراء قبلة؟، كم سترت عورتنا؟  هي تعرف كم من اثم ارتكبناه معا؟، كما فكرت ان ازهار الصبار، شاهدت ان حبنا بدأ عند الغروب، الحب بعد الغروب دمعة وسط دمعة تنحدر من مجرى العين غربا وتنتهي الى مجرى النهر شرقا، نعم هي شاهدت ذلك، وهي شاهدة على ذلك، اقسم بذلك، اعرف  اني اقسمت على حبك، اعرف ان القضية فيها قسم امام الله، اعرف في ظل عدم توفر الادلة سيضعنا القضاء امام القسم الالهي، لكن ثق اني املك عدة ادلة تدين حبك لي،  هو حب يترك عدة بصمات على الارض وفي السماء، لقد تركت عدة بصمات على جسدي تدينك، كم تركت على شفتي من قبلة تدينك؟، كم اعطيتني من وردة حمراء تعرفك؟، هي تعرف ما لا يمكن ان اعرف، هي تعرف سبب حبك لكن تريد ان تعرف سبب غيابك… اعرف ان ملابسات الاختفاء معقدة، الحب فعل مبني للمجهول اختفى الفاعل وحل محله المفعول به كي ينهض بوظيفة نائب فاعل تعدى الى المفعول الأول والمفعول الثاني، بعد اختفاء من قام بالفعل، من قام بالحب، أصبح الحب اسم نكرة، اصبح الفاعل في غياب الفاعل دون محل اعرابي، يستدعي فعل الاعتقاد المبني للمجهول نائب الفاعل وهو يستدعي بدوره اكثر من مفعول ، لم تفصح كل  أفعال القلوب عن موضعك، عن معناك في سياق التركيب، الحب معنى سياقي، هربت الى أفعال العطاء، لم اجد من يعطيني اسمك، لم اجد من يعطيني حديقتك،

فكرت ماهي دوافع الحب؟ ماهي دوافع القتل؟ وراء كل حب داعية يختفي، لا يترك اثرا يدل على دعواه، قد يترك المعنى اثرا يدل على اللفظ، قد يترك الحب اثرا يدل على صاحب الحب ، اعرف ان القضية يمكن ان تحفظ ضد مجهول، اذا لم يكن لدي عدة شهود وادلة قوية تدين ذلك الرجل المجهول، اريد الوصول إلى ذلك المجهول، الحب في المجهول،  هو عنوان اشهاري، يغري كل الجرائد والمجلات، كم نشرت من بلاغ وسط بلاغ حول اختفائك، منهم من رفض إيداع البلاغ لعدم توفر الادلة الكافية منها صورتك ، عنوانك، مدينتك،  هاتفك ومنهم من أبدى تعاطفه معي. كلهم حرضوني علي ان ارفع قضية في جبر الضرر.

بعد رفع الدعوى، الى النيابة العمومية اذنوا بفتح تحقيق جدي في ملابسات وجود شخص من عدم وجوده، كيف يمكن أن يكون الشخص موجودا وغير موجود؟ أخذوا بياناتي بكل دقة، وعدوني انهم لن يدخروا  جهدا حتى يتعرفوا الى ذلك الشكل لا يدل على شكل محدد، الى ذلك المحتوى لا يدل على محتوى محدد، وعدوني بأن العدالة ستأخذ مجراها ، طلبوا مني ان استعين بالنحلة وزهرة الصبار وبصمات يديك في الارض، لم انس ايضا بصمات عينيك في السماء، قالوا قد تاخذ القضية وقتا طويلا قبل النطق بالحكم، عفوا قبل النطق بالحب. سألتهم متى النطق بالحكم؟ متى النطق بالحب؟ سخّرت احد المحامين المشهورين حتى يتابع ملف الدعوى ضد مجهول، اوالحب في المجهول، لم افكر في تكاليف القضية، فكرت فقط أن اربح القضية، المهم ان اكسب شخصا اصبحت اعرفه الى درجة صرت فيها لا اعرفه، اعرف مضمونه ولا اعرف شكله، لا تهمني الأشكال او الالوان، لا يهمني كم تخلد بذمته من الإيجار، لقد عفوت عنه، ما يهمني كم تخلد في قلبي من الحب أو ما بقي من الحب، دليلي الوحيد انه لم يترك على الارض اي خطى تدل على اثر تركه او رسمه، لكنه مقابل ذلك ترك في قلبي اكثر من اثر لا يدل على اثر بعينه، طرح علي المحامي عدة أسئلة مألوفة الى درجة غير مألوفة، قال: ماهي بصمات وجهه على الارض؟ قلت له: اعرف فقط بصمات وجهه في السماء ، اعرف فقط انه لم يترك على الارض اثرا لكنه ترك في القلب جرحا،  هو لا يستقر في مكان يجوب من مكان إلى مكان، هو لا يستقر في زمان يجوب من زمان الى زمان ، اشعر انه كل شيء، اخذ مني كل شيء، لم يفهم المحامي شكل هذا الشخص لايدل على شخص بعينه، شكل هذا الحب لايدل على حب بعينه، لم يفهم اصراري لماذا اريد ان اكسب القضية التي رفعتها ضد شخص مجهول؟ ابتسم في وجهي ثم قال: اعتذر هذه قضية فلسفية، قلت له: في الحب اكثر من قضية فلسفية، الحب ليس قضية عاطفية هو قضية انطولوجية يختلف فيها الوجود عن الموجود لصالح تعقل الوجود، الفيلسوف ينبذ الميتافيزيقا، العاشق ينبذ كل فكر فينمينولوجي، المهم في تفكير الفلاسفة ليس الجواب بل السؤال، المهم في تفكير الفلاسفة في قضيتي ليس شكل الشخص بل معناه، المهم في قضيتي ليس شكل الحب بل معناه، المهم ليس مادة التعبير بل شكل للتعبير، المهم ليس مادة المضمون بل شكل المضمون، لم يفهم المحامي مضمون الدعوى، تظاهر بأنه امام عدة قضايا اخرى وان الوقت لا يسمح له بالمرافعة ضد شخص لا وجود له الا في خيالي، قال لي هذا الشخص لا يوجد الا في الميتافيريقا، هو شخص لا يتحدد الا وفق معايير فلسفية معقدة، لن ينصفك القانون، لن يعطيك الحق في شخص هو محض خيال، شخص زارك في الليل وخرج مع اذان الفجر.

لقد حزّ. ذلك في نفسي كثيرا ، شعرت بالاهانة، في الحب اكثر من اهانة، في الحب اكثر من قضية، كل قضية تختلف عن القضية الاخرى، لماذا نهتم اثناء المرافعات بالقضايا المدنية ولا نهتم بالقضايا العاطفية؟ الحب يحتاج إلى تفكير فلسفي عميق يبحث في اصل الكينونة، أليس من دواعي التفكير في الحب اعادة التفكير في الحب نفسه قبل الخلق ثم بعد الخلق ؟ لم اعد اتحمل غيابا وسط غيابك؟ لم اعد اتفلسف، لم اعد افكر، لم اعد اسال، من يعترف بحقي في الجواب في غياب الجواب؟ الجميع ظنوا اني معتوهة، مسّني الجن، من ينتزع حقي من الجن؟ من يدافع عن حقي في حب على طريق الفلاسفة، هو حب وسط حب غامض يخلق الادهاش؟

مقالات ذات علاقة

تفاصيل الصمت

حسين عبروس (الجزائر)

الرسالة الثامنة والستون

فراس حج محمد (فلسطين)

لا تصدّقوا أبدا أنّ الكتب تغني عن الإنسان

فراس حج محمد (فلسطين)

اترك تعليق