طيوب عربية

أنا تلك الأنثى التي خرجت في الظلام

نورالدين بن بلقاسم ناجي (تونس)

من أعمال التشكيلي السوري حمود شنتوت

أنا تلك الأنثى التي خرجت في الظلام؛ خرجت قبل الذكرى بقليل؛ جاءني شعور ما في لحظة ما؛ أننا سنلتقي مثل العشاق؛ جمعت كل نشوتي؛ جمعت كل موتي؛ جمعت كل جسدي؛ كل سجائري؛ تحديت خوفي؛ أردت أن اجلس في آخر مقعد؛ امام الحب؛ امام الغرفة التي تركتها دون موعد سابق مع الحب؛ مع حبيبتك التي تركتها دون كاس؛ دون خمر؛ دون علبة سجائر؛ حتى علبة الكبريت اخذتها ؛ لم اجد ما أحرق به قلبي؛ لم اجد ما اكتب؛ هربت القصائد؛ لم يعد هناك اشعار؛ لم اجد ما اقول؛ فكرت فيما لا يمكن ان اقول؛ هو اللا قول؛ أو ربما هو التفكير ينتهي في غيابك الى اللا تفكير؛ أأقول ما استطيع ان اقول؟

وهل أحب ما أستطيع ان أحب؟ يمكن أن قول ما اقول؛ يمكن أن أحب ما أحب؛ يمكن ما لا يمكن؛ وأستطيع ما لا أستطيع؛ المهم ان اراك؛ كأس واحدة لا تكفي؛ نظرة واحدة لا تجدي؛ سأعترف لك أنى احبك؛ أنى اشتهيك؛ تحتاج الأنثى احيانا الى الاعتراف بحبها؛ كما تحتاج احيانا الى الاعتراف بشهوتها؛ لم أفكر اين سنلتقي؟ ومتى احبك؟ ومتى اشتهيك؟ المهم أنى خرجت على موعد مع الحب؛ الا يأتي الحب فجأة ثم يمضي فجأة؟؛ انا تلك الأنثى التي تحس بحدوث الأشياء قبل وقوعها؛ قبل سقوط المطر؛ قبل المطر كنا عاشقين لا ثالث لهما؛ بعد سقوط المطر أصبحنا قصة لا تنسى؛ انا تلك الانثى التي تعرف ولا تعرف متى تبدأ القصص؟ انا تلك الأنثى التي لا ترى الاشياء على حقيقتها الا في ساعة متأخرة من الليل؛ انا تلك الأنثى التي تسرد القصص؛ كل العشاق ينامون على القصص؛ الست من يحب القصص؟ كم كتبنا على الفراش من قصة؟

الا تبدأ القصص في ساعة متأخرة من النشوة؟

الا يعيش الابطال الى ساعة متأخرة من الذكرى ينتظرون قدوم الذكرى؟ ؛ صارت الذكرى بحجم تمثال؛ اردت أن أتسلق التمثال؛ اردت ان ألتقط صورة لنا؛ نحن كالأبطال لا نظهر الا عندما يختفي الناس؛ الا عندما تختفي المدينة؛ الا عندما ينام التمثال؛ انا تلك الأنثى التي تختفي ولا تختفي؛ تحب وتكره من لا يحب؛ تشرب وتكره من لا يشرب؛ تدخن وتكره من لا يدخن؛ تصلي وتكره من لا يصلي؛ ترقص وتكره من لا يرقص؛ تغني وتكره من لا يغني؛ تموت وتكره من لا يموت من اجلها؛ صرت اكره عقارب الساعة تسرق نشوتي؛ تسرق الكلام من ذلك التمثال؛ صرت اكره الوقت؛ اريد ان التقي بك خارج ألوقت؛ خارج الحقيقة؛ نحن الحقيقة؛ اريد ان التقي بك خارج الوقت المخصص للذكرى؛ لا يرتبط الوقت معك بالساعة؛ بل يرتبط بما تحس به تلك الانثى من رغبة؛ تحتاج الأنثى الى أكثر من رغبة حتى تستعيد ثقتها في الاشياء؛ بدا نزول المطر؛ بدأت الساعة؛ بدأ الرقص؛ بدأ الغناء؛ تشابكت العيون؛ تشابكت السيوف؛ نحن العشاق لا نحب مع الوقت ولا نلتقي الا خارج الوقت؛ نحن العشاق ننتحر ونكره من لا ينتحر؛ نحن آخر الانبياء؛ قامت الساعة؛ انا أحب الانبياء؛ نعم احبك بجنون؛ وحين فكرت ان اتركك تركتك ايضا بجنون؛ أليس خروجي في هذا الليل الدامس أبحث عن وجهك القرمزي. هو الجنون بعينه؛ احيانا اراك تقترب مني دون أن اشاهدك؛ وأحيانا اخرى اشاهدك تقترب مني دون أن اراك؛ حقا نحن العشاق فوق البشر العاديين؛ فوق السماء والنجوم؛ فوق القصص؛ نحس بالأشياء مع طلوع النشوة؛ مع طلوع الفجر؛ تحولت النشوة الى تمثال؛ الم تشعر بأن اصابعي الرقيقة تدغدغك؟

الم تشعر بأن لساني يناديك تعال ان شئت كأسي؛ تعال ان شئت قلبي؛ ولذلك خرجت؛ ولذلك بدأت؛ ولذلك انتهيت؛ النشوة لا تنتهي مع الفجر؛ بل تبدأ مع اول الفجر؛ كم صنعت على فراشي من نشوة؟ كم تركت في غرفتي من فجر؟ كم تركت على طاولتي من كاس؟ كم اشعلت في شفتي من سيجارة؟ كم حرمتني من قبلة؟ كم حرمتني من سيجارة؟ كم شربنا؟ كم رقصنا؟ كم قلت لك: أنى احبك؟ كم تركت من فجر؟ كم تركت من كأس؟

كم أحرقت من سيجارة وانت تطلب أقصى الحب؛ أقصى الموت؟ كم تركت من تمثال؟

لم أفكر وانا أبحث عنك في هذا الظلام؛ انك قد لا تأتي؛ انك ربما تغيرت؛ خرجت واثقة انك في إحدى حانات المدينة؛ تشرب آخر كأس؛ تغني آخر أغنية؛ فكرت فقط اني سأجدك؛ فكرت فقط اني احبك؛ احب كاسك؛ احب سيجارتك؛ دخلت الحانة؛ أضواء خافتة شاحبة كالصحراء؛ لا تساعدك على معرفة من يجلس بجانبك؟؛ من يخاطبك عن حزنه؟؛ كل هؤلاء يشربون حزنا؛ كل هؤلاء العشاق هربوا الى هنا؛ هربوا الى هناك؛ حتى لا نرى حزنهم؛ حتى لا نرى حبهم؛ حتى لا نرى فرحهم؛ كل هؤلاء يفكرون ولا يفكرون ويحبون ولا يحبون؛ ويشعرون ولا يشعرون؛ يختفون وسط الحانات حتى لا نرى موتهم؛ حتى لا نكتشف براءتهم؛ صرت اتنفس بصعوبة؛ صرت اراك أكثر تقترب من غرفتي؛ تقترب من جسدي ؛ تقترب من موتي ؛ تقترب من نشوتي؛ احدهم ركب فوق التمثال؛ تسلق اللذة قال بكل ثقة: انت خائنة؛ انت عاهرة؛ كل النساء عاهرات؛ حينها كنت على موعد سابق مع الذكرى؛ ألم يقل حبيبي اريدك على فراشي عاهرة ؟ اريدك على صدري عاشقة؟

اريدك على قبري مجنونة؟ صرت أغني مع المغنين ؛ صرت ابكي مع الباكين ؛ صرت ارقص مع الراقصين؛ صرت احلم اني اراك ؛ صرت احلم اني اشاهدك؛ احلم انك على قبري تقطف لنا وردة؛ احلم انك تصنع لنا تمثالا يزوره كل العشاق؛ لم انتبه الى ان ذلك التمثال الراقص هو حبيبي؛ لم انتبه الى ان ذلك التمثال قد مات على صدري؛ احتضنته كأني احتضن ذكرى؛ كأني احتضن السماء؛ صعد الحب الى السماء؛ خرج كل العشاق يشاهدون تماثيلهم؛ تركت نشوتي في الحانات؛ قامت الساعة؛ خرجت مهرولة أبحث عن حبي في السماء؛ أبحث عن تمثالي في الظلام؛ أبحث عن شخص احبه ولا أراه وأراه كأني أحبه.

مقالات ذات علاقة

ظاهرة الكاتب الموسوعي .. هل اختفت من حياتنا؟

المشرف العام

التفاعل اللغوي والهوية الإنسانية

إبراهيم أبوعواد (الأردن)

الرسالة الخامسة والأربعون: إنّه لنهار مختلف

فراس حج محمد (فلسطين)

اترك تعليق