طيوب البراح

رحلة إلى الوظيفة

محمد الهرام

من أعمال التشكيلي الليبي أسامة النعاس

وصلنا إلى منطقة البيضان عند منتصف الليل وقررنا المبيت عند أحد أبناء العمومة يدعى عامر. بتنا ليلتنا تلك هناك وانطلاقنا صباح اليوم التالي لنكمل رحلتنا برا إلى العاصمة طرابلس، في اليوم الثالث كنا قد وصلنا مدينة تاورغاء، قررنا أن نرتاح قليلا، على يمين الطريق أوقف السائق صلاح الحافلة التي تقلنا، أعد لنا يونس وجبة أرز، تغدينا ثمانية أشخاص بصحن واحد، صلينا الظهر والعصر قصرا وجمعا وواصلنا رحلتنا غربا.

نحن ثمانية شباب مللنا البطالة وسأمنا التهميش، وضاقت صدورنا بالعمل عند الآخرين في أعمال تنتهي دائما بتعب اجسادنا دون حصولنا على كامل اجورنا، ثمانية شباب في مقتبل العمر قررنا أن نُقدم شهاداتنا لوزارة العمل في العاصمة لعلنا ننال وظيفة تليق بمستوانا العلمي، بعد أن بعثرنا ملفاتنا والسيرة الذاتية لكل منا في كافة المكاتب الحكومية والمؤسسات العامة بحثا عن وظيفة، لكن تلك الملفات جميعها بلا فائدة، فهنا لن تحصل على العمل أو الوظيفة الحكومية إلا بصلة قرابة أو صداقة مع مسؤول.

أحمل أنا وعلى وجلال درجة ماجستير في المحاسبة، ويونس وخليل شهائد بكالوريوس في اللغة الإنجليزية، والمهدي وطارق خريجي المعهد العالي للنفط، بينما يحمل سائق الحافلة شهادة ليسانس في اللغة العربية، مضى على تخرج آخر شاب منا، خمسة أعوام، ولم يحصل أي منا على وظيفة حكومية رغم احقيتنا في تقلد مناصب بها آخرون لا يحملون حتى شهادة ثانوية.

وصلنا إلى العاصمة طرابلس وكانت الزيارة الأولى لنا جميعا باستثناء السائق الذي جاب بنا الشوارع ونحن مذهولون بالمباني الشاهقة والمناظر الملفتة والمنازل الفخمة، وصلنا إلى مبني مرتفع مكون من عدة طوابق مرصع بالزجاج كتب عليه من الخارج وزارة العمل والتأهيل، قال السائق صلاح:

– سأنزل أنا واحاول مقابلة مدير مكتب الوزير لعلنا نتمكن من تسليم ملفاتنا للوزير.

وافقنا جميعا لثقتنا في صلاح، ولأنه الوحيد الذي سبق له أن زار العاصمة ويعرف مخارجها وشوارعها ومكاتبها جيدا، اعطيناه الملفات وبقينا ننتظر في الحافلة.

داخل الوزارة من موظف إلى آخر كان يهرول صلاح لعل أحدهم يساعده في الوصول إلي مدير مكتب الوزير، أخيرا وجد موظف يبدوا من لكنته أنه من مدينتنا في أقصى البلاد، ألح عليه صلاح وتبعه من مكان إلى آخر ومن مكتب إلى مكتب، حتى وافق على الصعود إلى الطابق الخامس لمقابلة مدير مكتب الوزير، دخلا المكتب وكان يجلس على كرسي متحرك خلف طاولة سوداء، شخص بجسد ضخم وبطن متدلى امامه لا يقدر على الحركة بسبب السمنة المفرطة، نظر إلى الموظف وقال:

– من هذا ومن سمح لك بجلبه إلى مكتبي.

رد الموظف والخوف قد سرى في قلبه:

– هذا شاب مسكين من أقصى البلاد، جاء بحثا عن عمل، هو وأصدقاءه وهم جميعا لديهم مؤهلات علمية.

فقال مدير مكتب الوزير متسائلا:

– عن طريق من هم -أي من طرف من جاءوا-.

فرد الموظف: ليسوا من طرف أحد أنهم لا يعرفون أحد هنا.

قال مدير مكتب الوزير بغضب: إذا لماذا حضروا إلى الوزارة.

وأردف قائلا بتهديد: أخبرهم أن ينصرفوا من هنا أو استدعي رجال الأمن ليقبضوا عليهم.

تدخل صلاح بخجل وقال: ليس هناك حاجة لاستدعاء الأمن أرجوك سيدي، فقط أستلم منِ هذه الملفات واعطها للوزير وأعدك ألا ترى وجهي هنا مره أخرى.

تفحص مدير مكتب الوزير، وجها الموظف وصلاح بنظره ثاقبة وقال: حسناً اعطيني الملفات وأغرب عن وجهي بسرعة.

أعطاه صلاح الملفات وغادر عائدا إلى أصدقاءه، وما إن غادر الموظف وصلاح المكتب حتى وقف ذلك الضخم ومد يده للملفات ورمى بها في سلة القمامة، رأينا صلاح مقبلا من بعيد وليس معه الملفات، فرحنا وابتهجنا يبدو أنه قد تمكن من تسليم الملفات، فتح باب الحافلة وصعد، أخبرنا أنه قد سلم الملفات لكن بعد معاناة، وقال إنه لن يتمكن من مقابلة مدير مكتب الوزير مره أخرى فقد وعد بذلك.

أقمنا أسبوعا كاملا في العاصمة، نفدت الأموال التي معنا لم يتبقى في جيبونا درهما، قررنا زيارة مكتب الوزير ثم مغادرة العاصمة إلى مدينتنا، ولأن صلاح لن يقابله فقد اختاروني لدخول الوزارة والبحث عن الموظف الذي ساعدنا في المرة الأولى، لنسأل هذه المرة عن مصير ملفاتنا ومصير وظيفتنا المنتظرة، وصف لي صلاح ملامح الموظف بشكل دقيق، وما إن دخلت للوزارة حتى قابلته، امسكت بذارعه، وسلمت ثم بادرت بالحديث معه مباشرة:

– أنا من الثمانية الذين ساعدتهم منذ أيام، أرجوك إننا نطلب مساعدة أخيره، أرجوك.

فرد وبدى على وجهه الغضب: ماذا تريد؟

فقلت له: أحتاج مقابلة مدير مكتب الوزير لمره أخيره!

رد أكثر غضبا: هذا مستحيل.

رديت بإلحاح: أرجوك أرجوك.. نحن بحاجة لمعرفة مصير الملفات قبل المغادرة.

فوافق، لكني لن أدخل معه بل سيذهب لوحده، ويسأل مدير مكتب الوزير، انتظرت أنا على أحر من جمر بينما ذهب الموظف لمدير مكتب الوزير، سأله الموظف بعد أن دخل باستئذان وأفشي السلام:

– سيدي إني اسأل عن مصير الثمانية الذين استلمت ملفاتهم الأسبوع الماضي.

فرد الضخم مدير مكتب الوزير: من هم؟ ومتى استلمت ملفاتهم؟ ومن طرف من هم؟

فقال الموظف: ليسوا من طرف أحد أنهم الثمانية الذين اتو من خارج العاصمة.

فرد مدير مكتب الوزير وهو يضحك بسخرية: لقد تذكرت! نعم لقد سلمت ملفاتهم ووقع عليها الوزير وسيتم تعيينهم في القرار القادم.

إنه أسعد خبر أسمعه منذ أعوام عندما أخبرني الموظف بذلك، غادرت قبل أن ينهي حديثه، مسرعا إلي أصدقائي لأبشرهم بذلك، لقد فرحنا فرحة لا تصفها الكلمات، عدنا إلي مدينتا و قلوبنا مبتهجة… مضى على زيارتنا للعاصمة أزيد من عامين، راقبنا كل قرارات تعيين الموظفين الجدد في كل الوزارات و المؤسسات، لم نرى أسما لأحدنا في تلك القوائم أبدا، فقدنا الأمل و عدنا للأعمال الحرة و كنا دائما نلقي باللوم على سائق الحافلة، و نعتقد أنه لم يسلم الملفات كما قال لنا، كنا نجهل أن حلمنا في الوظيفة قد توقف عند سلة قمامة مدير مكتب الوزير .

مقالات ذات علاقة

صرخة ألم

المشرف العام

لا تردني خائب

المشرف العام

إنسان غير عادى

المشرف العام

اترك تعليق