طيوب عربية

التواصل

زيتوني عبد القادر (الجزائر)

من أعمال التشكيلي عبدالرزاق الرياني.
من أعمال التشكيلي عبدالرزاق الرياني.

كان على الشاشة يحكي. وأمي بجانبي تبكـــي. وأنا …طفل.. فاغر الفم…يتابع بإمعان قصص الرجال، وما عانوه في الليالي الغبراء.. وساحات الإعدام امام الجمع العام. انحدرت مني دمعة…ومرت امامي طيوف انبياء ورسل، غزوات ووقعات.

قال الرجل:

وصلت جيوشنا جبل (فلاوسن).. ثلاث فصائل.. تفرقت.. بدأت تحفر خنادقها..

الحالة تنذر بالرهبة.. الرجال مقبلون على حصاد يوم عظيم.. غابت الشمس.. ساد الهدوء المعبأ بالانفجارات.. أطلت الشمس.. رميت عينيي فاذا الطرقات……شاحنات وأضواء لا بداية لها ولا نهاية…

ارتجفت.. دلكت امي عينيها وضمتني لجناحيها.

قالت بصوت متهدج:

– أتذكرهم يا وليدي.. جراد أكحل.. ذباب أزرق.. ملأوا الارض وغطوا السماء.

عيناي مركزتان على الرجل ذي العضلات المفتولة واللحية البيضاء المسدولة.. ذكرني بحمزة.. تمنيت ان لا تحيد عنه الكاميرا.. دعونا نشبع من وجوه الرسل والانبياء.. نحن الذين لم نحضر زمنهم.

وعادت الكاميرا:

أخبرنا الفصائل فجمعنا القائد..

بلغوا المدنيين بالابتعاد عن الجبل.

قلت له:

– الجزائر تسألنا نهار ندوه لها، واللي كان يكون.

بكيت وتذكرت منتفخي البطون، اصحاب الياقات المنمقة.. والوجوه الحمر.. المتبجحين… المتفقهين.. الاكلين عرق ودم الشهداء، البائلين على قبورهم.

ورددت قول الرجل:

(لن نجابههم الند للند، سنأكلهم كالنوادر قفة قفة.. شبكة شبكة)

عضضت شفتي.

-بتنا ليلتنا متحفزين، قلقين ومع انبلاج الفجر.. لم نفرق بين السماء والارض.. فقد كان كل شيء

خوذات لامعة واسلحة مشعة.

جراد أكحل.

قالت امي:

-بردي بردي يا وليدي، الله يستر ربي …

(ذاك النهار ما ننساهش.. الطائرات تحوم.. المدافع تصول.. والكور يجول)

عدت للرجل.

– وصلتنا اوامر بعدم الاشتباك حتى اقتراب العدو.. مرت فترة هدوء.. لمع البرق فقصف الرعد

وبدأت المدافع تصب من كل جهة وفي كل مكان.. الجبال تزغرد.. الوديان تصيح.. النيران تشتعل..

 الكور يتفجر والحجر يتكسر.. لم نعد نسمع.

نطقت امي:

(يا وليدي وما دارت الطائرة الصفراء.. تضرب وتعلي.. تحوم حتى لفوق ديارنا.. ثم تغطس كالساف

تبيكي وتنوض…تقول رعدية طاحت

ايه يا وليدي أنتم اليوم ما قدرتوش حتى…

-حاشك امي، نحن ابنائكم…

عادت الكاميرا للرجل:

كانت هذه عادة الكفار.. يدمرون المكان بالدبابات والطائرات ثم يزحفون بالمشاة..

ولكن كنا منظمين لم يلحقنا اذاهم…خرجنا من الخنادق وإذا الدنيا بنادق…تركناهم يتقدمون…

وفجأة:

ارتفعت أصوات التكبير.. لعلع الرصاص.. تحول الليل الى نهار.. استحال السمع.. وقامت القيامة.. شهب النار.. صرخات القذائف.. دمدمات المدافع.. لا شيء في الميدان سوى الموت الزاحف.. لا يفرق بين حجر ولا شجر ولا بشر.. فزعت مخلوقات الرب -جل جلاله- وهامت على وجهها مرتعدة.. الثعابين.. الجرذان.. الحجل والقنافد.. هربت من الكفار وآنستنا.. على هذا الكتف الذي يأكله الدود حط الحمام (قيل انهم ملائكة. الله اعلم).

دقت ذاكرتي وقعة بدر، والنبي-((محمد: صلى الله عليه وسلم-)) يرمي الكفار بحفنة تراب ويرفع إلى السماء الدعاء-وحمزة المغوار.. يصول ويجول بسيفه البتار.. يقطع الرقاب ويجندل رؤوس الكفار.

تابع الرجل:

طغى الهول.. هاج وماج.. حفت مناجلنا من الصيد.. كنا لا نسمع الا صيحات الجهاد والنداءات المسلوبة من الحياة

ماما.. ماما.. ماما.

تحولت أرض فلاوسن الى رصاص بدل الحجر.. كنا نلمه بالكمش ونجمع الاسلحة بالقفف.

لكنهم غلبونا بالطائرات، فانسحبنا من بين صفوفهم.. استشهد ابطال يخرقون الجبال.. اتذكر من بينهم (سي المختار من دكار) الذي قال لي بالحرف الواحد:

(انا أحسن منكم…انا مجاهد من أجل الاسلام…)

طمأنته:

-نعم يا سي المختار انت المجاهد اما نحن راحنا نضرب على كانوننا.

عادت بي الذاكرة الى نداء جبهة التحرير الذي قدمته لتلامذتي والذي مفاده ان كفاح الجزائر يندرج في إطار تحرير افريقيا والانسان اينما كان.

وفي نفسي قلت:

نم يا سي المختار فالتاريخ يشهد كم من بلد افريقي تحرر بفضل جهاد مكة الثوار.

* * *

واختتم الشريط بصوت للمذيع يثير الحنين والشجن:

(هذه واقعة فلاوسن، التحق فيها بعض مجاهدينا بجنات عدن والتحق موتاهم بنار جهنم.)

* * *

في مقر جبهة التحرير، وفي جلسة مع المجاهدين لتخليد ثورة نوفمبر.

قال شاب:

-لقد اصبحت وسادتي مبللة بالدمع مما حكى ذلك الرجل الشهم.

واقسم آخر أنه لم ينم ليلتها فلقد بات يعيد احداث الشريط.

وقطع الحديث مجاهد:

-اللي علينا اديناه. وها هي بين أيديكم.

فعلق شاب:

-ان شاء الله يا عم سنكون خير خلف لخير سلف.


قصة من وحي الثورة. كتبت بعد بث الشريط -لأحمد بلحسن مع الجاهد الملقب بونعناعة ونشرت مباشرة بعد الشريط في 19-11-1984 العدد 350 من النادي الادبي.

مقالات ذات علاقة

تناص شعري

المشرف العام

تمرد مع صهيل مدينة

زياد جيوسي (فلسطين)

صدري يشبه حبة القرع

مهند سليمان

اترك تعليق