طيوب عربية

أمطار غزيرة لحصانها الأبيض

الطيب طهوري (سطيف – الجزائر)

من أعمال التشكيلي جمال دعوب.
من أعمال التشكيلي جمال دعوب.

توقف الحصان الأبيض الذي كان يجر العربة المغطاة خلفه عن السير بعد أن جاب الكثير من الشوارع الصامتة.. التعب الذي بدا على ملامح وجهه كان عرقا غزيرا.. والذين مروا بجانبه ذاهبين عائدين لم يعيروه انتباها.. كل واحد منهم كان مهتما بحاله الخاصة..

عاد الحصان إلى سيره في الشارع الطويل الذي ينتهي إلى الخلاء.. توقف في نهايته.. نظر إلى يمينه، لا شيء رأى.. إلى يساره، لا شيء كذلك.. أمامه في البعيد رأى اخضرارا باهتا.. أعطى لأرجله الريح إلى هناك.. راح يعدو وراحت العربة خلفه تعدو شبه متدحرجة..

كان الاخضرار مرجا.. وكان البرد شديدا.. بنهم راح يلتهم الأخضر المائل إلى الصفرة ..

بعد أن شبع رفع رأسه إلى السماء.. الشمس التي عانقت عينيه كانت مغشاة بالكثير من الحزن الغيمي.. ألقى بعينيه على الجهات كلها.. على أنصاف الجهات.. لا شيء رأى.. وحدها الشوارع التي جاء منها كانت تشكل ما يشبه المدينة..

حرك أرجله من جديد وأسرع نحوها.. من حيث خرج دخل..

سار في نفس الشارع الطويل.. في نهايته توقف.. إلى يمينه نظر، يمتد بعيدا شارع ..إلى يساره، شارع آخر يمتد بعيدا.. حرك رأسه يمينا وشمالا كثيرا كثيرا ثم سار.. لا يدري هل سار في شارع اليمين أم في شارع اليسار.. لا يهم.. كلها شوارع..

في نهاية الشارع توقف.. بيت في البعيد منعزلا رأى وراح يعدو في اتجاهه.. أمام باب زريبته توقف.. نباح الكلب تواصل.. من الباب الخشبي المتهالك خرج الرجل الأسمر.. توقف قليلا مندهشا..

تساءل في صمته: ترى لمن هذا الحصان الأبيض؟.. من أين جاء؟.. لماذا جاء إلى هنا؟..

قبل أن ينهي أسئلته كانت يده تمسح على راس الحصان.. وكان الحصان قد أنزل رأسه إلى الأسفل حنينا مدهشا.. خفق القلب في صدر الرجل أكثر.. كان الحصان في العمق.. أغمض عينيه يتذكر..

إنه حصاني..

ياه، هذه عشرون سنة مرت منذ أن بعتك أيها الوفي، كيف لم تنسني.. كنت الحصان الذي لا حصان يماثله في السرعة والبهاء.. في القوة والوفاء.. كان ألمي كبيرا وأنا ابيعك.. لكن، ما كانت باليد حيلة.. إما انت أو زوجتي التي كان لابد أن تُجرى لها عملية جراحية.. زوجتي كانت بين الحياة والموت.. بعتك وماتت زوجتي في تلك العملية، وفرضت علي الإقامة الجبرية هنا..

كانت الدموع تنزل غزيرة وهو يحكي للحصان ويحضن رأسه.. بدوره كان الحصان يبكي ويحرك رأسه أعلى وأسفل ، ذات اليمين وذات الشمال..

فتح باب الزريبة التي لم يكن فيها إلا عنزة وجديان.. بعض التبن قدمه له وبعض الماء.. تأمله جيدا وهو يشرب الماء ويأكل التبن.. أغلق الزريبة وعاد إلى الداخل المنزلي..

وكان الكلب قد كف عن نباحه منذ ان عانق الرجل حصانه الأبيض الوفي.. وكانت العربة خارج الزريبة وحدها..

لم يكد الرجل يستريح في فراشه الأجرد حتى سمع النباح من جديد.. ومسرعا خرج.. كان الكلب خلف العربة نباحا متواصلا.. أوقف النباح ورفع غطاء العربة..

كان البكاء صراخ طفلة جائعة.. أنزل الغطاء وأسرع إلى الداخل.. حمل شمعته الوحيدة وعلبة أعواد الثقاب وعاد.. رفع الغطاء وأشعل الشمعة.. امرأة ممددة رأى.. طفلة تمد يديها إلى الثديين رأى.. صعد.. حرك المرأة، لا شيء.. استمع إلى نبضها، لا شيء.. رفع ذراعها عاليا وأطلقه.. كانت المرأة ميتة..

حمل الطفلة بيده اليسرى.. نزل وأنزل الغطاء.. ونزلت دموعه حارقة من جديد..

بعض حليب العنزة راح يضعه قطرة قطرة في فم الطفلة.. وتدريجيا عادت الطفلة إلى الهدوء.. ثم.. نامت الطفلة ونام الرجل..

لا، لم ينم الرجل.. ماذا يفعل بالمرأة؟.. ماذا يفعل للطفلة؟.. ماذا يفعل بالعربة  والحصان وهو المراقب باستمرار من أناس لا يعرفهم، يأتون إليه في وقت غير محدد، صباحا أو مساء، ليلا أو نهارا؟.. راحت الأسئلة نارا تشتعل في العمق.. وراح الخوف يحاصره من كل الجهات.. لم ينم كل ليله.. في الصباح الباكر كان الحصان الأبيض يجر العربة.. وكانت العربة امرأة ميتة وطفلة تحضن بيديها الصغيرتين ثدييها.. وكانت دموع الرجل الأسمر سواقي تمتد في بعيد المدى..

في الشوارع راح الحصان يسير بطيئا حزينا..

في المنتصف النهاري، ورغم شدة البرد، انطلقت رائحة كريهة من جوف العربة.. في نفس الوقت انطلق البكاء الطفلي صراخا يملأ الفضاء.. بعضهم شم الرائحة من بعيد.. بعضهم شمها من قريب.. لكنهكم كلهم كانوا يسمعون الصراخ الطفلي.. ترى، ما سر هذه الرائحة؟.. ما حكاية هذا الصراخ؟..تجرأ بعضهم ورفعوا متعاونين غطاء خلف العربة.. وكانت المفاجأة امرأة شبه منتفخة وطفلة تحضن بيديها النحيفتين ثدييها..

كانت الطفلة بين ذراعي إحداهن وكانت الشرطة هناك بعد وقت عربي ثقيل ثقيل..

في سيارة الإسعاف حُملت الجثة.. في المستشفى وُضعت في ثلاجة حفظ الجثث..

في العناية المركزة وضعت الطفلة..

الجيران قالوا: زوج جارتنا غادر المنزل منذ زمن بعيد.. لم يعد.. ولا أخبار لنا عنه ..نادرا ما كنا نراها تخرج.. ليس لها حصان وليس لها عربة.. ما كنا نعرف أن لها طفلة.. ما كنا نعرف انها حامل أصلا..

بعد أيام صارت الجثة في قبرها..

بعد أيام أخرى كانت المرأة تدخل المستشفى.. فستانا أخضر مبهجا وبياض بشرة ناصعا مثيرا كانت.. وكان شعرها المتموج يغطي بعضَه منديل أحمر يسر الناظرين..

أم الطفلة أنا، كررتها مرات عديدات..

أم الطفلة ماتت يا امرأة..

أم الطفلة أنا، أصرت.. أنا تلك المرأة التي وضعتم جثتها في القبر.. إذا لم تصدقوني اذهبوا إليه..

إلى من نذهب يا امرأة؟..

إلى القبر، قالت بثقة كبيرة.. قوموا بتحاليلكم لدم الطفلة ودمي لتتأكدوا..

فتحوا القبر، لا جثة رأوا ولا كفنا..

أجروا تحاليلهم، كانت المرأة أما ..وكان وجه الطفلة وجهها.. والناس هنا، وهناك ،وهنالك.. كانوا غير مصدقين..

كان الحصان الأبيض والعربة المغطاة بأخضرها أمام منزلهما..

وكانت الأمطار غزيرة غزيرة..

***

بعد أيام أخرى كان الحصان الأبيض يجر العربة مبتهجا..

كانت العربة أما وطفلة سعيدتين سعيدتين..

وكان الحقل الربيعي خطاهما..

كان الأب قد عاد..

الشوارع امتلأت بخطى الرجل الأسمر، بأنفاسه..

والهتافات صارت عناقا شجريا للحياة..

مقالات ذات علاقة

قراءةٌ نقديّة في قصيدةِ (مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي) للشّاعرة آمال عوّاد رضوان

المشرف العام

رحيل الشاعر مريد البرغوثي

المشرف العام

سلاما يسكن السلام

المشرف العام

اترك تعليق