قصة

أميرة فارسية

محمد دربي

من أعمال التشكيلي العراقي سعد علي

كل ليلة وكل يوم ينفث البحر من انفاسه موجٌ أزرق ويسهر في انتظار الفرح، موجٌ أبيض، وسمكٌ يتلولب خارج الماء ثم يغوص بزعانفه الفرحة امام محراب الشاطئ، والبحر يمكنه الجنون، يمكنه أن يغضب ويهيج، وأنْ يهدأ ويسكن، وفي كل الأحوال ومع اختلاط الأمر على الأحياء يقول: من يحب أن يتبعني، أدركه التعب وتعرض للخطر.

وصل للشاطئ متأخراً، وصل في وقتٍ فرحٍ، الغروب على الأبواب، وفيوض ضوء الشمس تناغي الأمواج مقرورة تناجيها رياح لا تلين، صعد فوق الصخور السمر..  ظهرت أمامه – سبحان الله – جنية من جنيات البحر تلبي نداء التّعشّق، بسطت كفيها على الحجر، هتف في استغراب: هل أفقد بصري الآن، أم أصابني الجنون، أ أنا على خطأً أم صواب، هل أبصرُ جنيةَ بحرٍ، أم عروسُ بحرٍ.. قال في نفسه: أراك لا تتكلمين يا مليحة البحر.. على جنح موج يناكش جسدها، جنيةٌ تبتسم في لهفٍ وغبطةٍ، سأل مرة أخرى: هل أبصر الكون أمامي؟ وما الذي يخفيه البحر في جلباب الموج؟ تجلّد، تقدم أكثر، هوى جناح الغروب، وهمت غيمة بحرٍ شاردةً تهفو لكأسٍ من شهد العيون السود، سألها ملهوفاً من أنتِ ومن أين أتيتِ؟ لم تجبه، قفزت في الماء فرحانة، ثم كانت أمامه من جديد في رمشه عين، يقفز وراءها من صخرة لأخرى، تطير كفراشة، الموج ينابش الصخر، الصخر يزهو بحسنها، قفزت في الماء مرة أخرى، لم تظهر، انتظر لحظة، قفز من صخرة إلى أخرى، حتى البحر هام يحدج البحر، الماء الأزرق يخفيها، الماء الأخضر يخفيها، جُنّ، صاح غاضباً: بحق البحر أين أنت؟ يا موج هل ستبقى ساكناً؟ ماء رقراق وصحو بهيج، غيمات نزهيةٌ فرحة تلامس سطح البحر، وغيمة شاردة تبحث عن بستان ترشرش فيه عطرها الأثير، ظهرت من تحت الماء قبالة الصخور حيث يقف، وجهٌ حسنٌ في حسنه سرّ مصون، عينان زرقاوان، شعرها الأسود المبلول يتموج فوق كتفيها.. هي وهو، الوجه في الوجه، قال: هل تفهمين ما أقول؟ ابتسمت وماء البحر ينساب من بين شفتيها مبتهج، أومأت بشعرها: نعم ثمّ غطست، ثمّ خرجت، أحسنت له من حيث لا تدري، انتابه فرح شديد لم يفرحه من قبل مسحت دياجر همومه، تابع يسأل: أأنت عروسٌ من عرائس البحر، أم أنّا مجنون يتحدث مع البحر ونفسه؟ هل مجنونٌ أنا؟ قالت: تسلم، تسلم من الجنون. جُنّ من حديثها، دار حول نفسه، إنّها تتكلم، إنّها تفهمني، قال لها صوتك عذب، أنتِ بارعةً الأًنسِ، قالت: تسلم، لَمِ لا تقفز، اقفز فستسلم؟ همّ بالقفز، لم يقفز، رياح خفيفة تفتح بوابات البحر، كله مسامع، تنسم نسمة صيف خفيفة، رقيقةٌ، هيمانةٌ، نسمةٌ أخذته من ذاته، ناجته نجوة نزيهة، تعطلت مدركاته عن التفكير برهة، سأل الموج: يا موجُ أين ديارها؟ لامست قدميه فرأى وجهها عن قرب بجمال المحاسن يرتسمُ، تسأله وقد انتعش قلبه: أتخاف من الغرق؟، قال: يا مليحة الدلال، أَقفزُ، كيف أقفز وهل في القفز رضاك؟ قالت هل تخشى البلل، لا تكن عبدُ رقٍّ؟ بدأت الجنية تقول كلاماً غريباً، لم يفهم ولو كلمة واحدة، كلماتها تهسهس بها الريح، ومن الحرف ما قتل، التاء، السين، اللام، الميمُ، تُقبل برشاقة وعفوية في كلمة تسلم، جمالُ مَلاحةً أجمل من حُسن كل مليحة..  نسي القفز، نسي المكان، غاب في الزمان وقال: إنك نسمةٌ رائعة. قالت: تسلم. لامسه سحر خفي، توقف عن التنفس، أغمض عينية، وقف الزمن، هام في هسيس الحرف الغجري، سأل الحسناء: هل أنت جنية، هل أنت ساحرةٌ تتقمصين صورة نسمة صيف رهيفة؟ قالت: تسلم. قال: كلماتك قليلة وعفوية وعلى قلتها فهي حقل من الورود، كلمات تنعشني بروح التمني. ردت في ابتسام بلغة العين: تسلم، ثمّ بدأت تنسحب من أمامه بعد أن عرفت أنّ جمالها دعاه إلى عشقها. في لمح البصر اختفت، قال: اذهب بسلام، سمعت نداه فقالت: تسلم، ظهرت عند الأفق البعيد، فاتنة ٌ حسناء: انها أميرة فارسية، وقبل أن تختفي كتبت له على رقعة الأفق:

يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني
وأربح فؤادك، وأحذر فتنة الدّعج.

نسي الكلام، وقف مدهوشاً، ومع اقتراب الغروب كانت الشمس ترتدي وشاحا كعصير البرتقال الداّمي والسحائب تتيه دلالاً، وحسن الغمائم النعسانة يهيم في جلال، تنسم من شهد الريح وجعل للموج يُلطّش قدميه وهو يهذي: جنّ عقلي وها قد أبرَأه رسمها.

امريكا – Herndon

مقالات ذات علاقة

ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ “الروك أند رول”

مهند سليمان

عندما تتداعى الأشياء

أسماء مصطفى

بوخنفوسه…

فهيمة الشريف

اترك تعليق