قصة

عيد وثوب جديد

يوسف الغزال

من أعمال المصور الفوتوغرافي طه الجواشي

الخالة زينب سيدة في منتصف عمرها، أحبها وتحبني، وتفرح بي كما تفرح بكل الأطفال في قريتنا، كانت كريمة في زمن العوز والعازة، لها صندوق على السدة في قفله ناقوس نسمع منه(تشرنين) جميل عندما تفتحه بالمفتاح، لتوزع علينا كعك الحلوى(الشيكار) أو تفوحنا بلمسه من أصابعها بصنة (البارازيت) في يوم العيد.

كانت الخالة زينب فايحة بلا صنة عندما تضمنا لصدرها نشم منها رائحة النظافة، نعم للنظافة رائحة لازلت أذكرها..

كنا نرى طيبة قلبها، في نظرات عيونها، كنا ندخل بيتها مبتسمين، فرحين، في حين ندخل بيوت غيرها مترددين خائفين كانت تعاملنا كضيوف كبار عندها، كانت تفرح بنا، وكنا نفرح بها.

ولكنها مشغولة جدا هذه الأيام عنا وعن نفسها، فهي لا تغادر ماكينة الخياطة أبدا، فالعيد على الأبواب ، وكل بنات القرية ينتظرن (قفطان) جديد أو فستان العيد من ماكيتنها، قطع القماش بكل الالوان والأشكال، مرمية في كل مكان من دارها، كنا نضحك من أسماء أنواع القماش هذا قماش يسمى (رمش العين) وهذا (شناب الملك) وهذا (طريق البطاح) وهذا (حزمي نرقص) وهذا يسمى (إحليلي وين نقعمز) وهذا (قليب شادية) وهذا (حاير في أمره) قطع مكدسة بجوارها على دروج السدة ؛ كلها يجب أن تكون في صباح الغد فساتين لبنات محجوبات، وصبيات صغيرات كان في تلك الأيام بيع الملابس النسائية في السوق عيب ، وعند الفقهاء البسطاء حرام ، لا يوجد محل للملابس النسائية ، غير محل واحد يبيع الأقمشة النسائية، وحتى بعض الزبائن الخجولين يدخلونه خلسة.

غدوة عيد، قالوا عيد، هكذا شاع في شوارع قرية الصلالبة، ومنهم من سمع (طبل العيد) من زاوية (الساعدية) تأكد الخبر فقط بعد عودة التجار من المدينة قالوا:

قالوا خلاص تم الكلام (طرابلس إمَعيّْدة).

فرح الناس بالخبر السعيد، خرج الأطفال والصبيان يجوبون شوارع القرية ببهجة غامرة، وهم يغنون:

(اليوم كبيرة وغدوة عيد

أفرح يا بوثوب جديد)

ضجيج الأطفال وأصوات البنادق تؤكد خبر العيد، تنشط الحركة في الطرقات، وتزدحم دكاكين القرية وتذبح الخرفان أو الجديان، اليوم (كبيرة العيد) لابد من اللحم لكل الناس.

الخالة زينب مرتبكة، ربما فوجئت بخبر العيد، صارت تبكي، ليلة واحدة لا تكفي عليها أن تنجز كل أعمالها قبل صباح، حتى ترضي كل بنات الجيران.

زينب تبكي في كل مناسبة فرح لأن الله لم يرزقها بطفل تحتفل به مثل النساء، تقدم بها العمر، وما زال كلام الشباحة يرن في أذنها وهي تقرأ خطوط كف يدها اليسرى وتقول لها:

(الصغار ما عندك فيهم، خط يدك سقيم؛ وراجلك عقيم).

حكم قاسي وقاطع نطقت به الشباحة الكبيرة دون تردد، أذكر أنني سمعت ذات مرة عجوز واعرة، لسانها قاطع تقول (زينب تحب الفروخ من شوقها ليهم).

كانت كل النساء تسمي الصغار (فروخ) أما زينب تقول بلطف (الصغيويرة) كانت تنادينا بلطف تقول:

(تعالوا العبوا إحداي ياصغيويرتي) وفعلا ربما كانت ترى فينا طفلها المنتظر.، كان(تَكِبْ) على أيدينا في كل تسليمة.

صندوق زينب مليان بالقمصان والسراويل والقماميط والشراشيف وقبعات ملونة وشالات صوف مصبوغة بكل الألوان، قالت أمي زينب شاطرة في الخياطة باليد وبالماكينة، يا خسارة ماصارولهاش عويلة، حتى (الخايبات) جابن صغار ما قعدت كان هالفالحة لقد صنعت بيدها كل ما يلزم لمولودها الأول قبل زواجها؛ كما هي عادة بنات القرية، ملابس الاطفال لاتباع في السوق، العروس الفالحة توتي دبش مولودها الأول من صنعة يدها من حوش هلها.

الخالة زينب رغم ضعفها وسرعة فيض عيونها بالدمعة، كنا نشعر بقوتها عندما تبتسم في وجهنا وهي تبكي، كنا ندخل عليها متى نشاء بابها مفتوح طول النهار لا يقفل حتى المغرب.

كنا كثيرا ما نراها وحدها على السدة وهي تفتح صندوقها وتخرج ملابس طفلها الذي لم يأت بعد، ترفعها قطعة قطعة بين يديها، تنظر إليها، وتضمها على صدرها وتشمها وتبكي، ثم تعيد تطبيقها وتعيدها كما كانت في الصندوق، لتعود لها مرة آخري بالشمّْ التطبيق والضمّْ.

ها هي الآن تجلس على الماكنية، ولا تعرف من إين تبدأ؟

ونحن لا نعرف لماذا تبكي؟

هل تبكي على ملابس في صندوقها بلا أطفال، أم تبكي على أطفال في قريتها بلا ملابس، عاشت آخر عمرها لوحدها، تنام عند الجيران يقال إن لها أقارب في ورفلة، ماتت، زرتها في الجبانة عدة مرات رحم الله القديسة زينب.

مقالات ذات علاقة

تبقى رائحة البخور

محمد النعاس

مهلاً أيها الفتى

عوض الشاعري

القرين

محمد محمد الأبي

اترك تعليق