طيوب البراح

إلَّا قليلًا

يونس محجوب
ترجمه إلى العربية: عبدالمنعم المحجوب

الرجل والطائر من أعمال التشكيلي محمد عبيه

كان عمر رجلًا غنيًّا كثير المال مرفَّه الحال يعيش في قصر واسع، ولديه أطيانٌ كثيرة يعمل فيها عدد كبير من الفلَّاحين، لم يكن فظًّا غليظَ القلب، ولكنه كان عنيدًا جدًّا جدًّا، لا يقبل شيئًا، ولا يعرف الابتسام، وجعله ذلك يبدو أمام الآخرين متبرِّمًا لا يُعجبه شيء على الإطلاق، حتى أن أبناءه وزوجته تركوه يعيش وحيدًا في قصره وذهبوا للسكن في البلدة المجاورة.

كان سببُ عناده أنه لم يكن على ثقة من أي شيء يراه أو يسمعه، ويجيب عن كلّ سؤال بعبارة واحدة هي «إلَّا قليلًا»، فإذا سئل عن حاله قال: «على ما يرام إلا قليلًا»، وإذا سئل عن صحته قال: «بصحة جيِّدة إلا قليلًا»، وإذا سئل عن الطعام قال: «لذيذ إلا قليلًا»، بل حتى إذا سئل عن عدد أبنائه قال: «ستة إلا قليلًا». وهكذا كانت الدنيا دنيا إلا قليلًا، والأرضُ أرضًا إلَّا قليلًا، والهواءُ هواءً إلا قليلًا، والسماءُ سماءً إلا قليلًا.

مرض عمر مرضًا شديدًا، وذات ليلة زاره ملاك الموت، وسأله: «هل أنت مستعدٌّ يا عمر».

أجاب عمر: «مستعدٌّ إلَّا قليلًا».

قال ملاك الموت: «ما قدر هذا القليل؟».

قال عمر: «ليس أكثر ممَّا يجب أن يكون إلَّا قليلًا».

احتار ملاك الموت، وكاد منتصف الليل يحلُّ، وعليه أن ينتهي من عمله بسرعة لأنه سيذهب بعد ذلك إلى الصين ثم جبال الألب ثم يعود إلى الهند ثم غابات أفريقيا في طرفة عين، وكان قدر عمر أن يموت مع منتصف الليل، وهكذا أوقف ملاكُ الموت مرورَ الزمن، ليقنع هذا البشري العنيد بأن ساعته قد حانت وأن عليه أن يرافقه على الفور، لأن ملاك الموت مثل ملاك الحياة لا يستطيع أن يؤدِّي عمله إلا إذا رضي البشر، وهذا ما يحدث دائمًا، فالجنينُ مثلًا إذا لم يقبل الخروجَ إلى الدنيا فإنه يولد ميتًا، أما ملاك الموت فإنه لا يزور أحدًا إلا إذا كانت ساعته الأخيرة قد حانت في كتاب القدر؛ وجميعُ البشر يقبلون بساعتهم الأخيرة دون اعتراض، ولكن عمر بدا هذه المرَّة مختلفًا عن الآخرين.

أعاد ملاك الموت الوقتَ إلى طبيعته، وأخرج سجلًّا ضخمًا وقال: «مكتوبٌ هنا أنّك تموت الليلة، هل تعرف هذا؟».

قال عمر وهو ينازع: «أعرف هذا، إلا قليلًا».

قال الملاك: «يتوجَّب الآن أن تُسلِم روحك».

قال عمر: «أُسْلِم روحي، إلا قليلًا».

لم يفهم ملاك الموت كيف يأخذ الروح إلا قليلًا، لأن الأرواح لا تتجزَّأ، وفكَّر في أن عمر جُبِل على هذه الطبيعة منذ ولادته، وأراده أن يرضى بموته وانتقاله إلى العالم الآخر دون اعتراض، ثم عزم على أن يستعمل طريقته في الحديث، فعاد إلى التفاوض مع عمر، وكان منتصف الليل سيحين بعد لحظات.

قال الملاك بدهاء: «حسنًا أيها الرَّجل، مكتوبٌ هنا أنّك تموت بعد قليل من منتصف الليل إلا قليلًا».

ابتسم عمر للمرَّة الأولى في حياته، وقال: «هو ذاك، منتصف الليل، إلَّا قليـــ… ».

ودقَّت السَّاعة منتصف الليل تمامًا.


عن كتاب: في بلاد اليميم (In the Land of Yamyam).

مقالات ذات علاقة

نـغـم الأقـحـوانـة

المشرف العام

أنـــا مـنـــهم

المشرف العام

المطارق النحاسية..

المشرف العام

اترك تعليق