طيوب النص

سأبدأ بشق الطريق بنفسي

هناء قاباج

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي

كان أبي يقطع بي طريق الشارع الفاصل بين أول سبتمبر وهايتي للذهاب لمستوصف هايتي، بعدما أكملت خمسة أعوام (لم أحظى بسنة تعليم تمهيدية “روضة” على غرار أبناء باقي الطبقة الوسطى) وها انا أتهيأ لأخذ تطعيمة المدرسة الأولى على يد ممرضة فليبينة اسمها روزا ، كانت توزع حلوى الشاكار على الأطفال بعدما تنتهي من إعطائهم اللقاح، لم أكن أبكي مثل كل صغار الغرفة، من هناك تحديدا أدركت بأنه سيكون لدي قدرة كبيرة على تحمّل الألم.

غادرنا مستوصف هايتي وأبي يحتضن ملفا أصفر اللون فيه شهادة التطعيم مكتوب عليه من الخارج “ملف طبي”، قطعنا مرة أخرى الطريق للعودة لشارع أول سبتمبر، كان يشد على يدي بقوة كلما قطعنا الشارع: “تشوفي في السيارات؟ هادوا مش سيارات مدينة الملاهي، هذه سيارات حقيقية مش لعبة، هذه ممكن تقتل لو ضرباتك”.

كانت حينها موضة سيارات الفولكس “الفكرونة“ وكان أبي يود شراء واحدة ولكن الداتسون 82 أو الدوتسون بنطقها الليبي عزيزة عليه، وظلت جيدة لم تعطب حتى قرر بيعها لخالي منتصف التسعينات*، وهي مازالت تؤدي الغرض منها بأكثر مما هو متوقع حتى كثر التندّر بين الناس ذلك الوقت على الداتسون “تموت انت وهي قاعدة صحيحة” أو “تعاشرك لين تموت” وكأنها لعنة من يشتريها أنه لن يستطيع التخلص أبدا منها لمواكبة الجديد في عالم السيارات، “العشرة ماتهونش”.

قطعنا لمقهى صالحين وكانت أحدى الأعراف حين نذهب “للبلاد” رغم كوننا نسكن وسط البلاد، نهاية شارع عمر المختار أو الجلاء، أن يركن والدي سيارته الداتسون الحديدية أمام دكان عمي بشير* الساعاتي في المقريف، ليمر على مقر عمله في جمعية الدعوة الإسلامية في مقرها القديم في ميدان الجزاير (الكاتدرائية سابقا، ثم مسجد جمال عبدالناصر ثم مسجد الدعوة الإسلامية حاليا). كان المبنى مهيبا وكنا نذهب كل يوم للتزود بالماء العذب (قبل أن نتجه في رحلة البحث عن الماء إلى مساجد عين زارة*) ثم نلعب قليلا أنا وأخي في النافورة المليئة بالأسماك الملونة، لم أكن أحظى بالخيال الكافي حينها لأتخيل راهبات الكنيسة الكاثوليكية وهن يتجمّعن في الفناء أمام النافورة لإطعام الأسماك بعد أن أكملن التدريب على نشيد جديد سينشدنه في ميلاد المسيح.

كنا نطعم الأسماك الخبز ثم نقطع الطريق مشيا لدكان الصالحين لنأخذ بيتسا مدورة وقرنيطا حمرا ثم نعود للداتسون سيرا على الأقدام.. كانت الأشجار التي تزين شارع امحمد المقريف على طوله شديدة الخضرة، و النوافذ مازالت بريئة، وكان من الممكن أن تستمع لصوت أم كلثوم أو نوري كمال متسربا من إحدى الشرفات وسترى سلام قدري وهو يتجلى بكامل شياكته الإفرنجية المعهودة أمام محله لبيع الآلات الموسيقية، في حين يجلس رجل في منتصف العمر يلمع كنادر المارة بعشرة قروش* أو أخر كبير في السن أمام مقهى اللاورورا وهو يسبّح بيده ولسانه ويتتبع بعينيه عربة البلدية وهي تقطع الميدان إلى الظهرة لتقوم بأعمال الصيانة والتصليح لنافورة الظهرة والتأكد من أن كل مصابيحها تعمل قبل أن تبدا مراسم الاحتفال بعيد الفاتح..

كانت يده دائما تقطع بي الطريق، ثم أدركت بأنني سأبدأ بشق الطريق بنفسي في تلك اللحظة التي افْلَتَ فيها يدي وتوقف عن مساعدتي في عبور الشارع وهو يعصر يدي الصغيرة بكل قوة.


*غير متأكدة من الاسم، صاحب دكان الساعات الشهير وهو محل انتيكة ومعلم من معالم شارع امحمد المقريف.

*باع خالي “الدوتسون” عام 2004، وهي مازالت جيدة وتعمل بأفضل مما هو متوقع، لولا ان باد جلدها “قليلا”  صدق أو لا تصدق!

*كان سكان مناطق وسط البلاد تصلهم ماء البلدية (ماء البحر) ولم يكن الماء العذب متوفرا فكانت الناس تخرج في رحلة التزود بالماء لتعبئة “ابادين” العشرين لتر البيضاء أو الزرقاء من أرياف طرابلس بالأخص منطقة عين زارة جهة جامعة ناصر والتي كانت فيها واحدة من أكبر العيون العذبة بطرابلس، حتى عرفت المنطقة باسم هذه العين وكان أحد ولاة الدولة العثمانية في العهد الثاني قد قرر أن يستفيد من العين وتحويل مياهها لتروي سكان المدينة ولكن جاء الاحتلال الإيطالي وفشل المشروع ،وظلت الناس تملأ الماء حتى وصلت مياه النهر الصناعي منتصف التسعينات وروت المدينة الظمأى بالماء العذب 

* وكان يسمى “بوّاي” وهي من المهن التي بدأت في الانقراض نهاية الثمانينات تقريبا

مقالات ذات علاقة

بطاقات عاشق

محمد الزوي

منعطف من شارع DEWOLF حتى وسعاية البركة

المشرف العام

يوميات الصّقيع

رأفت بالخير

اترك تعليق