المقالة

لماذا يخشى المجتمع الليبي الطب النفسي؟

من أعمال التشكيلي عادل الفورتيه.
من أعمال التشكيلي عادل الفورتيه.


يرفض مجتمعنا الليبي التعاطي مع عالم علم النفس والطب النفسي ويعتبر الكثيرين إن الاتجاه لعيادة الدكتور النفسي عند حدوث تعب نفسي ولو بسيط لأي فرد من أفراد العائلة هو بمثابة وصمة عار عليهم تجنبها ويرون بأنه من الأفضل اجتماعيا المضي نحو الدجالين الذين يستخدمون الدين للاسترزاق مستغلين الاعتقاد المتوارث لدى الناس بقدراتهم الخارقة على شفاء مريضهم بدلا من الاعتراف بحقيقة المرض والذهاب لعيادة الطبيب النفسي.

ربما ساهمت الفضائيات العربية في الترويج للدجالين والمشعوذين عبر تخصيصها لقنوات كاملة طيلة أربعة وعشرين ساعة للدجالين والمشعوذين الذين لا صلة لهم بدراسة الشريعة الإسلامية، والادعاء بأنهم شيوخ وهم شيوخ في النصب والكذب على المشاهدين السذج أو الواهمين لغنم الأموال الهائلة من كل مصدق او واهم يقع تحت براثن وصفاتهم التي لا يصدقها عقل طبيعي متوازن.

ولعل نفور الناس من الاتجاه نحو عيادة الدكتور النفسي وتوجههم نحو المشعوذين والدجالين، يعود في أساسه للخوف الاجتماعي من وصمة عار المرض النفسي لمريضهم، رغم أن التعرض لمشكلة نفسية ليس عار ولا فضيحة، ولكنها في مثل مجتمعاتنا العربية الغارقة في جهلها وتركيبتها الاجتماعية البائسة هو وصمة عار لذا يتم الهرب إلى أسباب لا علاقة لها بما يحدث للمريض نفسه فتفسر العوارض النفسية مثل الاكتئاب بالسحر أو تلبس الجن كي يتم تفسير الحالة بعيدا عن واقعيتها، بإضفاء مسبب خارجي لها رغم انه في أحيان كثيرة العارض النفسي الذى قد يحدث لأى شخص في زماننا المتخم بمشاكله وضغوطاته، لا يعنى بالضرورة انه قد وقع رهينة المرض نفسى، بل قد تكون مجرد حالة تعب نفسى نتيجة ضغوط اجتماعية ونفسية أو نتيجة وقوع الشخص تحت صدمة قوية من موت مفاجئ لأحد أفراد اسرته أو غيرها من صدمات الحياة التي يعج بها مجتمع مثل مجتمعنا الليبي المثخن بهمومه وأحزانه وأوجاعه، وكل ما يحتاجه المريض هو جلسات علاجية مع دكتور نفسى للحديث معه واكتشاف أسباب الحالة وتسليط بقعة ضوء مركزة على الأسباب الحقيقية للمشكلة لحلها عن طريق كشفها وإنارتها لذهن المريض وتحليلها وهذا طبعا في الحالات المرضية العادية والبسيطة، ولكن في حالات أخرى قد يحتاج المريض لأدوية للعلاج من المرض الذى وقع تحت براثنه.

فى بلادنا نفتقد فعلا للتوعية الإعلامية والتثقيفية بأهمية دور الطب النفسي وعلم النفس في معالجة المشاكل النفسية التي أصبحت متكاثرة وفى ازدياد مهول نتيجة ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، كما أن للتثقيف الشخصي والاطلاع والقراءة لمعرفة الذات وصراع الوعى مع العقل الباطن واللاوعي دور كبير أيضا في النجاة من الوقوع تحت براثن أي حالة مرضية نفسية فحين يصل كل شخص لمستوى حالة وعى الذات وفهمها ومعرفتها عندها تنتفى المشكلة من أساسها لأن حالة وعى الذات، هي أعلى درجات المعرفة وهو مستوى بمقدور أى شخص عادى أن يصل اليه بالتثقيف الذاتي والقراءة في كتب علم النفس ومتابعة البرامج التثقيفية والتوعية النفسية من طرف أخصائيين والأطباء النفسيين وهناك كثير من الكتب لأطباء نفس المعرفة النفسية التي يجد فيها المطلع كثير من المعرفة النفسية لأعماق الأنسان، وهى التي تبعد الناس عن التفكير والاعتقاد المتخلف بالمشعوذين والدجالين الذين يستخدمون الدين بطريقة مسيئة تكون نتيجتها حوادث مفجعة فعوضا من أن يتم الاستعانة بأطباء نفسيين يقوم الأهل بجلب شخص مدعى العلم والمشيخة و القدرة على شفاء المريض بالصراخ وبضرب المريض ويحدث أن يموت المريض بين يديه فيدعى بأن الجن قد تحكم فيه وقتله كما حدث في الفترة الماضية لامرأة كانت تعانى من مشاكل عائلية مع زوجها جعلها تتوقف عن متابعة تفاصيل الحياة اليومية للبيت والاولاد، وتصاب بحالة صمت وانزواء في حالة اكتئابيه حادة رافضة للحياة، مما أوهم الزوج والأهل بأن ثمة جن بداخلها وتم جلب شخص يدعى قدرته على إخراج الجن من أجساد المرضى، وقام بضرب جسدها ضرب مبرح لإخراج الجن من جسدها ثم أخبرهم بأن الجن يسكن رقبة المسكينة وقام بلى رقبتها الى أن أغمى عليها ثم تركها، مدعيا بانها فقط محتاجة للنوم بعد المجهود الهائل في إخراج الجن من جسدها، وفى اليوم التالي وجدت المسكينة ميتة في فراشها.

الغريب أن المحيط الاجتماعي لم يشير بيده على القاتل الحقيقي وأنما كان مقتنعا بأن الجن الشرس هو الذي قتلها بينما فر الدجال القاتل الحقيقي بفعلته ولم يحاسبه لا قانون ولا مجتمع غارق في بؤس جهله سمح للدجال القاتل بأن يفر بفعلته ليمارس دجله وشعوذته على المزيد من الضحايا.

ولأن مثل هذه القصة متكررة في مجتمعنا الغارق في جهله وبؤسه لذلك فالتوعية بالطب النفسي أضحى ضرورة حتمية لأن الطب النفسي هو الوحيد القادر على أن ينير الذهنيات المتكلسة ويعمل على توفير خيوط النجاة لكثير من المتخبطين في دهاليز عدم وعى وفهم ذواتهم، وهو القادر على أن يخلصهم من مغبة الوقوع بين براثن أي عارض نفسي مهما كان ضعيفا أو قويا.

فإلى متى يظل عموم الناس في مجتمعنا يرفضون الاعتراف بدور الطب النفسي في حل كثير من المشاكل والضغوطات النفسية التي يواجهها الكثيرين ويرمى بأسباب أي مشكلة نفسية لأشياء خارجة عن المريض ذاته و عن الظروف الحياتية والضغوط الاجتماعية التي جعلته ينهار ويقع تحت براثن مشكلة نفسية من اليسير حلها بكثير من الوعى والفهم والتعاطي مع الطب النفسي بسهولة ويسر ودون إحساس بخجل وخشية من الوصم الاجتماعي الذى قد يعرقل شفاء المريض وقد يقوده نتيجة الجهل المجتمعي لأزمة صحية لا علاج لها و ربما الموت كما في كل القصص والحكايات ذات النهايات البائسة والتراجيدية التي تحدث في مجتمعنا يوميا.

مقالات ذات علاقة

مابعد الحداثة وانعدام الأصل

عمر الككلي

أقفية للإيجار

وفاء البوعيسي

مرة أخرى..من يرد على “وناس”

جمال الزائدي

اترك تعليق