النقد

رواية ليست للقراءة.. إنها للحياة.. !

حول رواية “وبر الأحصنة” لنجوى بن شتوان

عمر عبود

رواية وبر الأحصنة


الأصــول.. البـدايات.. الأســاسيــات.. كـل ما يقــدم علـــيه المـرء.. ويصـل بـه إلـى مــراحـل ومستــويات مـوغــلة فـي الـتـعـقـيــد.. تجــعله يصـــل إلى وقــفة ينــظر فيــها أيــن هـو.. مــا هـــذا الــذي حــوله ؟.. كيــف تشكّل هــذا الزخــم ؟.. الآن حــانت الآونـة لأن نجلـس ونـقـيـّم كــل ما مرق من حياتنـا الصـغيرة.. بكـل ما حـوت وحــفرت في الـذاكـــرة.. وأيضـا ما مـرّ علــيها مــرور الكـــرام.. في هذه الجلــسة نحــاول استـعـــادة كـل مـا لـه عـلاقــة بالـبدايــات.. لاشـك أن ذلك مـن المـستحــيلات.. لكـن ليـس كــله.. قــد لا نستـطيـع استـعــادة الأحــداث بالكـامـل.. ولـن يمنـع ذلك مـن استــرجـاع بعـض المشـاهـد.. والأهـم مـن ذلك الإحســاس بالشعــور الذي حظيت به تلك اللـحظة.. حينــها بالـذات.. يمكــن استشعــار كــامــل المشـهد والتـقاطـه بكـافة الحـواس.. وإذا كنـا قد جعلـنا ذلك مـدخـلا لمـا بعـده.. فمـن الأولـى أن نمسـك بطـرف الخيـط قبـل أن يضيــــع… فـنجـــد أنـفـســنـــا داخـــل الخـضــــم دون أن نعــــرف أيـــن نـحــن مـنـه….  ” نجوى بن شتوان ” اختارت بدايــات البدايــات لترصـد في روايتها ” وبر الأحصنة ” أحداثــا قد تخــص البشـــرية جمعـــاء.. وشيـئا فشيـئا تصــل إلى مبتـغـاهـا.. فلا تبـتـعد عن الكتابة التي تحبــّذها المــرأة.. بكــــل ما تحــمل مــن انتــقـادات وارتســامات حــول مشاهــد لم تبــارح خيـــالات الراويـــة.. تســـاؤلات كثيــرة غصّت بــها الروايــــة.. لكــن هــــذه الروايـــة لـم تـكــن تــروي أحداثـــا متسلســـلة في مكـــان مــا وزمــن بــعــيــنه.. إنها تجعــل الحــــياة كلهـــا مسـرحــا للأحـداث.. الـرواية حمــلت ثمان تـجـزيئـات.. الاستهـــلال كان بقصــيدة للشاعــر الإنكلـــيزي “فيليب لاركن” تحــمل تشــاؤمـــا مصـــدره عقـــد مستـحكمـة لــدى الشــاعـــر اختــارتـها الـراويـة منطلــقا ليــس للبــدء فـي ســـرد رواياتها.. ولكـــن كمدخـــل بسيـــط ومن زاويـــة محــدودة الرؤيـــة لمــا بعــدها.. والـذي يعــج بالكـــثير مـن الســـرد المعــبــــأ بالأحـاسيـــس والتعبـــيرات غيــر الـمـرمّـــزة.. “مستخرج رسمي من سجل واقعة ولادة رب العائلة”.. كان تقديما للروايـــة حمـــل رصدا حسّــــيا لممارســـــات هي ضمن العــــــادات المستفحلة في المجتــمع.. (العرس).. وحيث أن المرجعية التاريخـــية للأشيـــاء كــانت حــاضرة.. فإن أول عرس في هذه الدنيا كان مثار تساؤل الراويــــة.. كيف سارت طقوسه؟ ومن ساهم في إتمامه؟ ومن ثم كيف كانت تسير الحياة اليومية لهذه العروس ” حواء “.. كيف أنجبت وكيف ربّت وأطعمت وعالجت.. وشيئا فشيئا تستدرجنا الراوية نحو قصة ” هابيل وقابيل ” وما جرى بينهما.. وكأنها تسجّل ما دوّن بالمحضر المتعلق بالحادثة آنذاك.. لم تترك أي حيثيات تخص الموضوع إلا وساقتها بصياغة فيها الكثير من الشجن.. الأمثال والتعابير الشعبية تحضر بين الفينة والأخرى.. كذلك التوظيف اللاذع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية.. وسرد ما جاء على لسان حال الشخصيات الأصل لهذا الكون.. لم نسمع به إلا عبر توظيفات ” نجوى “.. النقد اللاذع والسخرية من الواقع لم يفارق أي مقطع من هذا الفصل.. أما الشعور بالاضطهاد الأنثوي فهو ما كان يلوح بين الأسطر.. أما تعليل كل ذلك فأرجعته إلى “إبليس النجيس”..! “الشيطان هو السبب في عطل الفهم وعطل لغة الكلام الحسن والملكات الخيّرة.. وكل شيء.. كل شيء.. من قفل الشوارع إلى قفل الرؤوس”… وفي إطلالة الفصل الثاني أو الجزء أو التقسيم.. لا يهم.. المهم أن أي تسمية لذلك لم تحفزنا لنصل لمكمن الحدث.. وكأن الرواية تقودنا من مقدمة إلى أخرى.. ” حاء من نسل حامد “.. كان عنوانا لثاني تقسيمات الرواية.. وعود على بدء.. لم تكن أحداث هذا الفصل سوى مشاهد أخرى من واقع المجتمع ومرجعياته التاريخية.. ” وأد البنات “.. هذه القصة لا تكاد تفارق أي كتابة نسائية.. كي لا ينسى الرجل جرائمه اللامحدودة واللا خاضعة لأي قانون.. لكن الراوية أدركت أن البحث والتحقيق في سجلات تلك الجـــرائــــم المقيّـــدة ضــد معلوم سيأخذ دهورا.. ففضّلت أن تطوي هذه السجـــلات بمقطـــع مــــن مأثــــور شـــعبي يقــــول:

اطويري  طار

معا الكفــــــــار

اجنابـه سـود

وفــــــمه نـــــار

و على حـــــــد علمي فهـــذا لغـــــز شبعي مــــن “خـــرّاف السمـى” كانت جــدتي ترويه لي قبل النـــــوم بصيغـــة مختلـــفة :

طيرا طــــار

معا الخطــــار

اجناحه سود

وقلبـــــه نــــــار

لكــــن حـــــل اللغــــــز هــــو نفـــــس مـــا جــــاءت بــه الــــراويــة وهـــو الــبــنــــدقـــيــة.. “سمّـي ولا أعــطي بلاد.. !”….

وبعــــد حـــاء يـــأتـــي (سين مـــن نســـل حــامــد).. هـــذا الفصــــل اتخـــــذ من الطوفــان الأول زمنـــا لبـــدايــة الأحــــداث.. هـــل هـــو عصـــر الجـــليــد الكــبير الــذي قـــرأنــا عـــنــه في قصـــص ” تــاريخنـــا ” أم طـــوفان سفــينة نــوح… ليـــس هذا المــقصــد على أيــــة حـــال.. حـــاء هـــي (حويوه) تصــــغير لـ”حـــواء”.. وبعـــد أن لاقـــت ما لاقت مــن آدم.. ونجـــت بقـــدرة قــــادر مـــن الـــوأد.. هاهي تســــقط في وحل العبـــودية.. فتتحول إلى أمـــة يبيعها ” آدم ” و يشـــتريـــها ” حمـد ” بسعـر بخـس.. وبســـرد متلاحـــق تـأخــذنا الراويــة في إيقــاع متســارع عــبر مراحل تاريخـية متعـاقبـة.. كلهــا تفــوح بالغــبن الــذي وقـــع عـــلى حــــواء.. أمــا أجمـــل ما يدعـــو للــتــوقــف بيـن حين و آخـــر هــو بعـــض الأهـــازيـــج الشعــــبية الجــميلة.. فهي تذكــرنا بزمــن طفــولي  لا يتكـرر.. في تلك الفترة التي حملت تاريخــا فريــدا:

يا مطر صبي صبي

طيحي حوش الربّي

يا مطــــر يا بشبـــاشـــة

طيحي حوش الباشـا

ومرة أخرى أختلف مع الراوية في الرواية.. فمازلت أؤيد ما قـــالته جــدتي:

يا مطر صبي صبي      صبي عــلى حــوش القـبّي

يا مطـــر يا بشباشة         صبي على حوش الباشا

لا بـــــأس.. فليـــس الجمـــيع يحســون بجور الباشا وتسلــطه.. البــعض الآخــر يــرى أنــه حامي الديــار وراعــيها…..

وفي الفصـــل المــعـبّر عنــــه بـ (المعبـر) كـان أن تقمصت والـدة الــراويــة هذا الدور لتقـــاســـم ابنتـــهــا المعــاناة وتحــاكي فــترة عــاشتهـا البــلاد وعاصرتها هي.. كانت الوالــدة تعي الجور والتفـرقة والطبـقية والفـاقة وكـافــة الأمــراض الساريــة في تلك الفــترة.. لاسيما الآلام التي لحقت بسلسولها.. والسلسول ما يطلق على العمود الفقــري.. هـــذا السلسول حاز فصـلا آخـــر بأكمـــله.. ” فضـــاء السلسول ” وكان له هذا المفتتح الرائــــع..

الماء يغلي في المرجل

وسكـــر يذوب في المـاء

وملعقة تتمدد في السكر

القهوة تفـور في المرجل

تنسكب قليلا على الموقد

نصـف المكتـوب لا يـأتـي

مازال يغلي

هيا إليــــــــه

سكر.. فملعقة.. فقهوة

تكتبك في سطـر مبتور

لن تقـــرأ إلا بالمقـــلوب

وإذا فعـــلنا ذلك.. سنجـــد أن ما يغـــلي في المــرجـــل.. ليـــس إلا ثمـــة مـــاء.. لكن المـــاء.. ليــــس لا شـــيء.. بـــل كـل شــيء.. وقــد أتـت الـراويــة فـي هــذا الفصــل بكـــل شـــيء.. بيــن القــائــل والقـائلـة.. بــدايــة مــــن:

وليـــل كــمـــوج الــبحــــر أرخـــى ســـدوله…. وحـــــتى:

ليام كيف الريـــــح في البريـــمــة…… وبين هــــذا وذاك مــراحـــل ومــداخـــل وقصــص لا تـــروى… وهــانحـــن نصــل إلى الــروايــة.. فكـــان كـــل مــا مــر مــا هــو إلا مــدخــل للـــروايــة.. ” وبـــر الأحصــنـة ” ذات المائة وست صفحـــات.. وكغـــيرهــا مــن المقاطـع أو المجتزءات لم تقــف الــروايــة عــند حـــد معــين… جمـــلة من الأمثــال والتعــابــير الشعبـــية تحــاكي أزمــنة ليســت جــدا غـــابــرة.. بنـت المحـاميد ” عيشة “.. أخذت ردحـــا مــن البطولة… قاسمها إذاك ” منصور “.. ” رجعة ” أيضا كانت معهم..والكلب أيضـــا ما فـــارقــهم.. أما ” أعويـــشة “… فهي ليست عيــشة.. فهــذا الاســم يتفــرع إلى تسمــيات عــــدة منهـــا ” عـــوّاشــة “.. ” عويــّش “.. شأنــه شأن فاطمة وفطيمة.. إلى آخره… ووسط تلاحق الأحداث يطيب للـراوية أن تأتي بحــادثـــة فريـــدة تحمـــل أهـــم حــدث مـــرت بـــه.. ولادتـــها… تقول الرواية بأنها ولـــدت أنــثى نتيـــجة لعـــوامــل التفـــاعــل بيــن وبر حصان وجــدران بويضــة ذات خميس بهــي.. ولادتـــها لــم تكـــن وفــقا لوصــفة ” جاك برشن ” التي قرأتــها ذات يـــوم.. فلــو تسنى لوالـــدتها أن تقـــع هذه الوصـــفة بيـــن يديهــا.. ما كنـــــا سنقــــرأ هـــذه الروايـــة… وما كان أمر الكتابة سيتاح آنــفـــا.. مـــا كنـــا سنسمع ” صــــرخة أنثــى ” تســيـــل آلاف اللتــرات مـــن الحـــبـــر علـــى الـــورق.. عــمـــومــــا.. نشــكـــر كـــل الظــروف أن الأمــــور كـــانت كمــا هــي الآن.. فلو اختار الإنسان ما كان سيجد أفضل من الواقـــع.. ومــا كنــا سنستــمتــع بــهـذه المعــلــومــات القيـــّمة التــي زجّـــت بنــفســها فــي السيــاق… وكان لهـا هــذا المذاق.. وهكـــذا يتسنى لنــا ونحــن جلــوس في التريــاق.. أن نحــدّق مــدى الآفــاق.. ونجــزم على الإطـــلاق…. بأن هـــذه الروايـــة لا تكتب إلا مـــرة واحـــدة بلا استــباق.. ولكنـها يجب أن تقــرأ بلا أنـسـاق… ولا يبق إلا فراغ الامتلاء ليكون مسك ختام الروايــة.. أجملتها راويتها في كلمــات لم تخــل من الهمّ الـــذي ناءت بــه الروايــة ككــل.. لكن في النهــاية كانت ومازالت ” حواء ” هي المحـــرّك للتــاريـخ وستــظــل.. بــدونــها.. أي ” حــواء ” لا معنى للحياة.. أخال هذا ما أرادته ” نجوى بن شتوان “.. في هذه المحطـــات مــن تاريــخ عــابـق بالتعــابيــر والتفاســير.. وليـــس لرصـــد حــــدث بعيـــنـه.. وإنمــا رؤيـــة مــن زاويـــة معينــة لعـــديـــد المســارات.. وأراني أجــزم بأنـها ليست للقــراءة… إنهــا روايــة الحــيــــاة.

مقالات ذات علاقة

نجوى بن شتوان والقصة الساخرة اللاذعة

إنتصار بوراوي

القصيدة المشهدية في شعر جمعة عبد العليم

المشرف العام

الشعـرُ والمنطق

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق