قصة

وصايا توزين

خمسون عاماً منذ أن غادر “سليمن”[1] سحب يفرن إلى ضباب دبلن، خمسون عاماً عاشها يحمل في قلبه ذكريات خمسة عشر سنة مضت، تلون سواد الغربة، ونسائم كاباو حملها في ثنايا راحته، فلا شيء هنا سوى الصبر.

 أسطوانة “إيدير”[2] كما هي، تتوسط حائط غرفة المعيشة منذ خمسة وعشرون عاماً، لا يزوره أحد إلا وعرف أن (إيدير) أهداها له شخصياً .. حتى “براين” الذي يزوره مرة كل ستة أشهر لصيانة أنابيب الغاز، صار يحفظ القصة عن ظهر قلب، كتب “سعيد سيفاو محروق”[3] في كل مكان، على الحائط المقابل علق قصيدة “أمي” لعمرو النامي، بعد أن ترجمها للغة الانكليزية، كان براين المسكين يبكي كلما قرأ هذه القصيدة، حتى أنه ينسى في كل مرة أن يأخذ ثمن أعمال الصيانة.

في غرفة النوم كتب كثيرة ألّفها سليمان على مدى سنوات فقد كان يمضي أكثر من نصف يومه في مكتبة (تشستر)[4] إحدى معالم مدينة دبلن التي تضم أفضل المخطوطات الإسلامية، لقد حقق حتى الآن أكثر من 78 مخطوطاً من إجمالي 2650 مخطوط إسلامي نادر، وهي المكتبة التي تبرع بها (الفرد تشستر بيتي)، لذلك يسميها بيتي، لأنه كان يمضي فيها أكثر مما يمضيه في بيته.

أكثر كتبه رواجاً، كتابه عن حضارة الأمازيغ، والذي أعتمد منذ خمس سنوات ككتاب منهجي في جامعة (جورج تاون)، ولكنه لم يكن حينها يملك ثمن تذكرة السفر لحضور حفل افتتاح كلية الدراسات الأمازيغية. على باب الثلاجة صورة والدته الحاجة توزين، يحرص على تثبيتها في نفس المكان، حتى لا يخلف وعدان أقسمهما أمامها .. توزين من قرية اسمها (جريجن)، كثيراً ما كانت تعتز بنسبها لآل الباروني، وكثيراً ما كان هو يعتبر نفسه وصياً على الإرث الإنساني الكبير الذي خلفه أجداده .. وعدان أقر بهما أمام والدته قبل أن ينسدل مع أول سحابة نحو شليوني[5] الرجبان وصولاً إلى طرابلس ومنها إلى حيث أمضى جل حياته.

الجبل لا ينبت سوى النباتات البرية القاسية، توزين كانت تؤمن بذلك، كثيرون هم الذين غادروا دون عودة، ولكنها أصرت أن تبقى هنا، قالت لهم ذات مرة إذا غادر قصر كاباو مكانه، فسأغادر أيضاً .. سليمن آخر العنقود من دالية الأمازيغ، هكذا نمت الفكرة في رأسه المدور، وخلف وجنتيه المحمرتين كأنهما وجنتي إيرلندي أصيل، هكذا كانت تصله تعليقات أصدقائه الإيرلنديين خصوصاً يوم السبت، اليوم الذي يخصصه عادة للجلوس في (تمبل بار)[6]، المكان الذي جاءه منذ خمسين عاماً شاباً يافعاً ليرحل من خلاله إلى (نفوسه) حيث نسى قلبه.

وعدان حرص سليمن على الحفاظ عليهما براً بأمه، أن لا يأخذ مالاً مقابل علمه، فقد نشأ يتيماً فقيراً، لولا ما تحصلت عليه الحاجة توزين من أهل البر والإحسان، لبقى حتى الآن يلعب السيزا[7] في شوارع كاباو، ويلوك مع أقرانه سير الناجحين .. لقد ألف أكثر من خمسين كتاباً عن الأمازيغ والإباضية، وعن تعليم التيفيناغ، كما ألف قصصاً عدة، أشهرها (ماسيليا تستبكر الصباح)، التي تحولت لشريط قصير، تبرع بإيراداته لجمعية تهتم بالجماعات الإثنية، براً بأمه رغم محاولات صديقه الجزائري رشيدي، الذي وجد له فتوى في قسمه الثاني، وهو عدم تعاطي السجائر، إذ اقنعه أن الأرقيلة ليست تدخيناً، فالتدخين شيء والأرقيلة شيء آخر .. لم يقتنع هو بهذه الفتوى ولكنه وجد ما سيقول لوالدته عند لقائهما بعد هذه الحياة الفانية.

ألف عن الشيشة ثلاثة كتب، كتب عن تاريخها، وعن أشكالها، وعن دورها الاجتماعي والثقافي، لقد كانت سلوته الوحيدة، بين عشرات الكتب التي لم تغنه من جوع .. عبر أربعة عقود صار الأخبر بها، وبمزاجها، وبأنواعها الفاخرة، وغير الفاخرة .. بعد أن عاد إلى أرض الوطن وجدها الأشهر بين كل كتبه، تناسى الليبيون ما كتبه عن الفلسفة والديانات، والتاريخ، وأينما حل سأله المثقفون عن كيفية تحميل نسخة مجانية من كتابه المشهور (الشيشة مفتاح الكتابة) .. لقد ظل ذلك يؤلمه كثيراً فلا أحد يعير أربعين عاماً من البحث والتأليف أي اهتمام، لا أحد يسأله عن الشهادات التي منحت له من أرقى الجامعات الأوروبية .. كان يتوقع ذلك من العامة، ولكن المؤسسات الرسمية والثقافية لا .. أمضى ثلاثة أشهر متجولاً بين طرابلس وكاباو، ولا أحد يذكر سوى إنه (ابن توزين) .. مرت الأيام ثقيلة وكأنها معصرة زيتون حجرية، وقرر العودة إلى غربته الثانية، فعلى ما يبدو أن رسالته لم تقنع كفار قومه.

في فندق صغير بشارع بلخير[8]، قرر أن يحتفل بآخر ليلة له في ليبيا التي غادرها صغيراً يافعاً وعاد إليها بعد أن أرهقته سنوات الظلم العجاف، اليوم يرى طرابلس وكأنها يوم أن غادرها، شارع سبها كما هو لم يتغير، بيت الحاجة مناني حيث أمضى ليلته قبل خمسين سنة في طريقه لدبلن، كما هو لم يتغير، رايات الاستقلال كما عهدها تزين سماء المدينة، ولكن البشر ليسوا هم البشر .. شعر بالغربة كأن لم يكن يوماً من سكان هذه البلاد، أصوات الرصاص اختفت تماماً غير إن جلبة أخذت تتناسل في مدخل الفندق، سأل موظف الاستقبال عن الموضوع، فرد:

– عادي .. ثورة

عاد للنوم، ولكن الجلبة وصلت لباب غرفته، ضابط برتبة مقدم وثلاثة شباب يعتمرون كوفيات ملونة، ويرتدون ملابس عسكرية مموهة، ومن خلفهم موظف الاستقبال، يرفع عقيرته بالتكبير.

– الله اكبر .. الله أكبر

ثم يتبرع بوصلة من التحليلات، وكأنه محلل سياسي على قناة محلية .. أبلغهم أن أحساساً جارفاً كان قد راوده منذ الوهلة الأولى لدخول سليمن للفندق، أن الرجل من أنصار القذافي، الذين جاؤوا لإفساد فرحة الناس بانتصاراتهم.

  • هذا زلم من أكبر الأزلام

أشار موظف الاستقبال لسيلمن المرتبك !!

فتش في قاموسه القديم عن هذه الكلمة، فلم يعثر عليها، هل هي بوتاجاز .. لا .. لا أعتقد .. هل يقصد زلابية؟ ألقى بدلو الذكريات مرة أخرى في بئر المعاني، ولكن ابتسامة صغيرة كشفت عن رداءة التبوغ المحلية، قطعت حبل تفكيره: أنا المقدم بشير بادره العسكري قائلاً.

– الله أكبر يا أخي

أضاف أحد المرافقين

ظل سليمان، يتماوج بين تكبيرات موظف الاستقبال، وابتسامة المقدم بشير، لا يذكر أنه مر في السابق بمثل هذا الموقف .. طيور من التساؤل بدأت تحط على كتفيه، سرعان ما باشرت التحليق عندما بادره المقدم بشير بالتحية.

– الله أكبر نحن نبحث عنك منذ أسبوعين .. أنت من أهم الشخصيات في ليبيا.. في ليس في ليبيا فقط .. أنت من أهم الشخصيات في الوطن العربي.

وسط ذهول رد سليمن بلكنته الجبالية، التي لم تغادره قط، شاكراً المقدم ورفاقه

– أنت يا أستاذ مطلوب، أقصد، هناك من يبحث عنك .. هناك من يريد الاستفادة من خبرتك، منذ أسبوعين ونحن نبحث عنك، لماذا تحرم الليبيين من خبراتك، ومن علمك.

هكذا قال المقدم بشير .. ثم اقترب من سليمن وهمس في أذنه .. الأستاذ يريدك .. وطلب منا أن نهتم بك .. لأنك شخص متعلم، والبلاد في أمس الحاجة لك .. أخبروني أنك مشهور جداً في أوروبا !!

هز سليمن رأسه مبتسماً رغم المفاجأة

أضاف المقدم بشير:

– الأستاذ ينتظر .. لديك موعد معه

سارت السيارة الصحراوية التي أقلت سليمن ضمن كوكبة من السيارات، تخترق منبهاتها سماء العاصمة، كلما مرت بمجموعة، تعالت أصوات التكبير، كل الذي استطاع تذكره أن الموكب سار باتجاه كاباو، في حدود ربع الساعة من مقر سكناه في شارع بلخير.

لم يجهد نفسه كثيراً في تخمين شخصية الأستاذ فقد تناثرت صوره في كل مكان داخل السيارة، وعلى الجدران، وكثيراً ما كان يستمع إليه في الميديا الأوروبية أيام الثورة، رجل خمسيني تبدو على ملامحه الطيبة والوقار .. لقد تطوع مرافقوه بإخباره بأدق التفاصيل عن الحياة السياسية الخاصة، بدأ له أنهم يعلمون من أمر العالم أكثر من براك أوباما.

مرت خمسة عشر دقيقة وكأنها دقيقة في تمبل بار، كم تمنى أن يحمل معه كتابه الجديد (آليات الفكر العربي)  .. ولكن سرعان ما تراجع .. لأن نقده للفكر العربي كان لاذعاً في ذلك الكتاب، لا أدري كيف سيطر العرب بهذا الفكر الباهت، على حضارة عمرها سبعة آلاف عام.

هكذا قال في قرارة نفسه.

لا بد أن المقام سيطول، حاول في دقائق معدودة، تجهيز مجموعة من الأفكار المهمة التي يمكن للحكومة تبنيها، مركز لتطوير الفكر .. مركز للترجمة .. مركز للتأهيل المجتمعي .. مراكز عدة لابد أنها ستلقى القبول لدى الأستاذ.

 كما توقع كان اللقاء حميمياً، ويبدو أن الأستاذ قد جمع عنه كافة المعلومات، بادره بالسؤال عن حياته، وعن رأيه في البلاد بعد غياب طويل، لم تأخذ أسئلة تكسير الجليد أكثر من خمس دقائق، حتى دلف الاثنان إلى حجرة الاجتماع .. مكتب كبير تزينه جلسة مغربية، تتوسطها أرقيلة لم يشاهد مثلها من قبل، رغم الكتب التي ألفها عن الشيشة .. يبدو أننا متقاربون .. قال في قرارة نفسه.. أنواع عديدة من التبوغ التركية والمصرية، وحتى الكندية في كل مكان، صور لشخصيات عبر التاريخ المعاصر، وهي تتلذذ بشرب الأرقيلة.

– وراء كل عبقري أرقيلة

قالها الأستاذ ضاحكاً، تبعه هو بضحكة مماثلة، كان هذا عنوان كتابه الثالث عن الشيشة.

مرت ساعتان ولم يتبادلا سوى الأحاديث عن الشيشة، يبدو أنه سيؤجل الحديث عن المراكز البحثية لليوم التالي، وستكون هذه الليلة مجرد لقاء ودي .. هكذا قال في قرارة نفسه.

في منتصف الليل، نظر الأستاذ لساعته معلناً عن نهاية الجلسة الحميمية، وضع الأستاذ يسراه في جيبه وأخرج ورقة صغيرة اشتملت خمسة أسطر، وضعها هو بدوره في جيبه، فقد نسي أن يحضره نظارته الطبية، في ظل مفاجأة الموكب المهيب الذي قاده إلى هنا.

في الصباح أكد حجزه على طائرة المساء، وعاد لدبلن.

في المساء جاء موظف الاستقبال لتنظيف الغرفة، لقد ترك له عشرة دينارات، والورقة التي تسلمها من الأستاذ.

[أفندي بشير

 يطلب منكم تمكين السيد سليمان جمعة من استلام عمله كخبير في الأرقيلة ضمن كادرنا الوظيفي.

 وبصورة من هذه الرسالة يطلب من السيد رئيس القسم المالي منح المعني مبلغ 3000 دينار شهرياً

                                                               التوقيع الأستاذ]


دبلن – مارس 2013

[1] سليمان ينطق سليمن في اللغة الأمازيغية

[2] حَميد شريّط، المشهورُ باسم إدير، (1949–2020) مغني ومؤلف موسيقي جزائري من أصل أمازيغي

[3] مفكر، وكاتب، وشاعر ومناضل أمازيغي ليبي (1946 – 1994)

[4] مكتبة تشستر بيتي تأسست في العاصمة الأيرلندية دبلن في 1950العام لتجميع مقتنيات مليونير المناجم ألفرد تشستر بيتي

[5] Cheilione كلمة إيطالية تعني طريق شديد الانحدار

[6] Temple Bar حي مزدحم على ضفاف نهر ليفي بالعاصمة الأيرلندية دبلن، به العديد من الحانات، والمطاعم ومحلات الملابس والحرف اليدوية

[7] لعبة شعبية شبيهة بالشطرنج تتكون من 25 حجرة

[8] أحد شوارع وسط مدينة طرابلس

مقالات ذات علاقة

عـمـران

إبتسام عبدالمولى

وخز الضمير

إبراهيم الصادق شيتة

المطر في المقبرة

أحمد يوسف عقيلة

2 تعليقان

عادل بن يوسف 5 فبراير, 2015 at 07:34

هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها لك نصاً قصصياً، كوني أعرفك إعلامياً وتكتب بعض الشعر المحكي. لكن هذا النص يعكس مخزوناً ثقافياً ومعرفياً مميزين.

رد
جلال عثمان 3 مارس, 2015 at 17:21

شكراً أخي عادل .. كلماتك رائعة وأتمنى أن أكون في مستوى طموح القارئ

رد

اترك تعليق