سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (22)

22- سلاحف إلى مالانهاية

يوم الخميس 3 أكتوبر ذهبت لمكتبة المعارف (مكتبة عمي “رجب الوحيشي”)، الصديق المبدع “رضوان بوشويشة” ترك لنّا مظروفا هناك، ميدان الجزائر والجامع وشارع الاستقلال، خطوات وخطوات و”خالد الوحيشي” الذي سمى ابنته (نداء ليبيا) التي ولدت نهاية 2011م، ومظروف “رضوان” ولقائي مع الشاعرة “مريم سلامة”، في مقهى 24، حديث وعتاب وضحك وذهاب إلى مكتبة لشراء (صحيفة الصباح).

رضوان أبوشويشة

روايتان في المظروف (سلاحف إلى ما لانهاية) لكاتب اسمه “جون غرين”، و(العاصفة)، روايتان قصيرتان لـ”جان ماري غوستاف لو كليزيو” الحائز على جائزة نوبل 2008م، بدأت برواية العاصفة فكلمة (روايتان قصيرتان) تحيلني إلى ما أحاول إنجازه من كتابة قد تكون عبارة عن رواية قصيرة (نوفيلا)، أحبّ أن أقرأ ليلا حيث متعة الإحساس بالأمان وبين يديَّ كتاب، وهكذا غفوت والرواية الأولى بعد لم أكملها. صباحا أكملتها لأبدأ في الرواية الثانية (امرأة مجهولة الهوية)، ووو انتهيت من القراءة لأبدأ مع رواية “جون غرين”، تربكني بعض الملاحظات مثل (تصدرت قائمتي النيويورك تايمز، وال ستريت للكتب الأكثر مبيعا)، وحين بدأت القراءة لم تعجبني ولكن تلك البداية، ومن عاداتي هذا الانفعال أو الحكم الذي يتكون سريعا ولكن الرواية مبهرة رغم الحبكة التقليدية، أو الحكاية التي بدأت منذ الصفحات الأولى فظننت أنها ستكون مجرد قصة عادية، البارحة صباح الأحد تحديدا بعد الثانية، يوم 6 أكتوبر، أكملت هذه الرواية التي ملأتني غبطة، نعم أحببتها جدا وجعلتني أشعر بالخفة، وتساءلت كم تعب هذا الروائي كي يتحصل على كل هذه المعلومات، ولأجد بعد انتهاء الرواية عنوان (شكر وامتنان) ووو (خلال الست سنوات التي قضيناها في العمل على هذا الكتاب)، الكاتب قدم شكرا وامتنانا لأكثر من خمسين اسما أناسٌ محيطون به أصدقاء وصديقات ومحررة (لأكثر من خمسة عشر عاما)، لم يخجل أن يقول كل هؤلاء مدَّوا يدَّ العون لي.؟!!
سأتوقف عن الكتابة الآن.. الساعة السادسة والربع مساء الأحد……
 

أعاود الكتابة
والليل والشوارع المكتظة بالـ……. وأتذكر أغنية في برنامج رمضاني يكتبه “أحمد الحريري” والثنائي (سمعة وقزقيزة).. في أحد أعوام الثمانينات، تقول الأغنية:
يا كنسة يا كنسوسة.. كبرتي وليتي عروسة…
لابأس يا طرابلس، وشظايا زجاج في (جنان حوش بوي) كان هجوما على (مطار امعيتيقة) الساعة الثامنة والنصف صباحا، يزداد الشرخ اتساعا، وهل هناك بيئة تحتضن تكوين (الإرهاب) أكثر من بيئة الحرب، يقسم ظهر روحي وينشطر قلبي شظايا، وأنا اسمع ما يتردد يااااااااه يا ليبيا.
 

اللوحة للمبدعة جنى جمال الجديد
اللوحة للمبدعة جنى جمال الجديد

وها أنا أجلس أكتب ما أتذكر، أحاول أن أتتبع مسارب حياة وعيشٍ، وتلك الفيللا المطلة على (التوتة البيوضي) توتة الجد، وبنت جميلة بشعر ناعم بلون كستنائي يميل للاصفرار، سكان استأجروا هذه الفيللا وكانت تلك البنت تطل من وراء الباب الحديدي المغلق، ثمة مساحة تستطيع منها مراقبتنا ونحن بنات السانية وأولادها نركض ونتشعلق بأغصان التوتة، نلعب وصوتنا المرتفع يُضحكها، اقتربتُ من الباب وتكلمت وحين ردت لم أفهم شيئا، هي من (سوريا)، ولهجة أهل الشام لم تكن معروفة لدينا في بداية السبعينات، تجمعت البنات كل واحدة تحاول تفسير الكلام حين أطلت أمها وأدخلتها، كان عمري ثمانية سنوات أكملت الصف الأول الابتدائي (عام الإعادة)، دخل العام السبعون وأنا تلميذة الصف الأول، وكانت العطلة مكتظة باللعب والشغب، صرت أجيء كل يوم لذاك الباب وأحادثها حتى صارت تأنس لي، وذات يوم أغريتها بالخروج معنا لنلعب، وأين كان المكان في (فم المنقيت) تحديدا تحت (سانية الجيران) التي كانت تعلو على (سانيتنا) في ذاك الفضاء رمل كثير ومتسع للعب، كانت تلبس شبشبا ونحن حافيات؛ “فاطمة” و”عيادة” و”سكينة” و”سعاد” وربما أخريات، كانت ضحكاتنا ترتفع وشبشبها يرقد بعيدا عن قدميها، غارقات في سماء البهجة نحفر الرمل النظيف ونصنع أشياء، كان شعرها الجميل منسدلا ووجها الأبيض موردا وابتسامتها مضيئة، وفجأة انقض الشبشب عليها وشعرها صار بيد قاسية تجذبه، كانت أمها تصرخ وتضربها ليرتفع بكاؤها.

مازلت حتى هذه اللحظة أتذكر نظرة أمها لنا وهي تأخذها بل تجرها وكلمات تنهال من فمها لم نفهم منها شيئا، مازلت أتذكر دموعها وشعرها المتطاير ونظرتها وهي تبتعد، لم أستطع الدفاع عن صديقتي فأنا مجرد بنت لا تلبس حتى شبشب، فكيف سأدافع عنها، منذ ذاك اليوم اختفت ولم نعد نشاهدها، فقط ظلت أمها كلما رأتنا تحدجنا بنظرات قاسية، ولكن ما اسم صديقتي لن أكذب حاولت كثيرا تذكره هل هو “سلوى” أم “سلمى”، ورغم مرور هذه السنوات على البنت ذات الثمانية سنوات في صيف عام 1970م مازالت الذكرى موجعة ومازالت تعصر قلبي ألما، كلما أتذكر كيف تحولت الضحكة إلى شهيق بكاء والوجه الوردي صار أحمرا داميا من الصفعات، والشبشب الذي نزعته صار سوطا ينهال على تلك البنت الصغيرة صديقتي من سوريا.
………………
الساعة 20: 4 الثامنة واربع دقايق الأحد… السابع من شهر صفر 1441 هجري

مقالات ذات علاقة

مرجعية الحلم .. والعشر العجاف

زكريا العنقودي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (12)

حواء القمودي

المؤرخ أ. علي الصادق حُسنين

أسماء الأسطى

اترك تعليق