سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية؟! (4)

4
 
هل حبّ القراءة من أسباب أخرى جعلتني أنحاز لعالم الكتابة، أو أختار هذا العالم؟!
هذا سؤال تركته معلقا منذ أسبوع، وها أنا أجيء إليه في هذا اليوم القائظ من يونيو الإثنين 10 يونيو 2019م وطرابلس مازالت على صفيح ساخن، أمّا غات فقد جرفتها سيول المطر فأصبحت (مدينة منكوية)، وها أنا أجلس في هذا اليوم أكتب على شاشة جهازي الـHp، الساعة 1:55. هكذا مكتوب في شاشة جهاز التليفون السمسونج، أكتب لأبحث عن هذه التي صارت (كاتبة/ شاعرة/ صحافية)؛ كيف نبقت في هذا العالم ؟!
الذين يقولون عنه محافظا، لست أدري ولكن الذي أعرفه أني عشت حيث فيوض المحبة تتدفق و(البير) الذي يمنح (الميدة) و(الجابية الكبيرة)، حيث (الـفـحل) الذي سيروي )شراكات السانية كلها)، حيث يفوح عبق الأرض والمواسم.
آآآآه من قال أني سأشتاق حفنة توت أدسّها في فمي دفعة واحدة تسيل حلاوتها في قلبي قبل فمي، يا الله على  (تـوتـنـا) وحباتها التي تكاد تصبح من فرط حمرتها سوداء، وأنا أجلس في قيلولة متربعة على أحد أغصانها تمتد الخضرة والسماء صافية والهواء رغم لفحته الساخنة حنون وأنا ألقط تلك الحبيبات الناضجة فتتلون يداي وتسيل الحلاوة وأنا لا أكتفي، وحتما ستجيئ أحداهن، ربما “عيادة” أو “فاطمة”، “نجيمة” أو “سعاد”، فهل تحلو جلسة التوتة إلا برفقتهن، وضحكاتنا وهدرزتنا.

الشاعرة حواء القمودي
الشاعرة حواء القمودي

آآآآآآه، ها أنا في اليوم العاشر من يونيو بعد أربعين عاما وربما أكثر، أعيش تلك الهناءة، نعم كانت هناءة وبهجة وضحكة من القلب وركض إلى حيث تلك التوتة الكبيرة، تلك التي ثمارها أحيانا تعبئ الواحدة راحة كفٍّ صغيرة، نركض كي لا يغلبنا الأولاد ويحتازوا كل أغصانها وفروعها، نزاحمهم ونجلس قريبات حتى نجمع أكبر قدر ممكن وحتما سيصير ذاك الخصام اللذيذ مع العائلة التي صارت (التوتة) في حوزة (السانية التي لهم)، سنطالب بحقنا لأن هذه التوتة كما أخبرنا الآباء قد غرسها جدنا الكبير (الحاج محمد)، والذي كان ذات يوم (حكمدار)، فمن سيغلبنا ويديّ جدنا الكبير تذودان عن حقنا كاملا، تلك كانت سحابة صيف ليعود اللهو والحب والضحكات.
لماذا أعود في هذا اليوم بالذات لهكذا ذكرى، ربما لأن الغد هو يوم 11 يونيو، اليوم الذي وجدته في كتيب العائلة، هو تاريخ ميلادي، أنا اليوم استقطر عذوبة عامي (السادس والخمسين) لأدخل في الغد الثلاثاء عامي (السابع والخمسين)، يبدو عمرا طويلا، وأخاف أن أعترف أنه عمر طويل بلا منجز حقيقي، عمر قضيت أغلبه في صراع مع (طواحين هواء).
أعترف؛ كنت غبية جدا ودخلت في تلك الدائرة الغبية من حكاية (الحرية وحقوق المرأة).. هل أنا نادمة؟
أعترف كنت أستطيع إنجاز الكثير! ولكن تلك المواجهات التي صادفتني جعلت مني هذه التي تألمت باكرا من (جرح الحرية)، هل جرأة نصي؛ مقالة وشعرا كانت ردّ فعل؟
مازلت أتابع سرد الحكاية، وأبحث عن هذه التي هي الآن “حواء القمودي” الشاعرة التي أصدرت ديوانين دفعة واحدة.
نعم، بعد كتابة أول نص شعري في عام 1983م، وحتى نشر أول نصوص شعرية في مجلة الفصول الأربعة 1992م، كم عام مرّ؟ وكم من سنوات؟ وكم؟ وكم؟ حتى أصل إلى هذه العتبة. أن أجازف وأرسل مخطوطة ديوان أول، مخطوطة بلا اسم وتبدأ الحكاية حيث الحذف والتصحيح والاختيار ثم العنوان، لتكون المغامرة بالجلوس أمام شاشة جهازي وكتابة عنوان ديوان ثانٍ واختيار نصوصه بسرعة أدهشتني، لأدفع به للنشر!
الحكاية غريبة ولكنّي أحتاج الآن إلى فسحة لمراجعة، ما كتبت والعودة لحكاية (سيرتي الأدبية).
 
الساعة 2:20 الاثنين 10-6-2019
 
ها أنا أعود للكتابة الساعة 2:47 وأريد أن أعترف أن ذاكرتي صارت تُخْفِي عنِّي الكثير من الأحداث والشخوص، وربما لهذا أحاول استدراك الزمن والقبض على ما تبقى من هذه الحكايات المخفية، والسؤال كان عن (حبَ القراءة)، ربما أن أكون جيدة في القراءة هو ما أعطاني هذه الثقة في التقاط أي ورقة لقراءتها، ولكن الصف الرابع ابتدائي في حياتي كان مميزا؟
وخوفا من ضياع ذكرى سأغادر حكاية إجابة السؤال والصف الرابع لأحكي عن صديقتي “منال أحمد”، زميلتي في المقعد بالصف الثالث، وأختها “مناهل” بالصف الرابع، صديقتي هذه من السودان، هذا السودان العظيم الذي ينـتـفض ويحاولون وأد ثورته وعسكرتها، “منال” هذه لم ترَ عيني أجمل منها، لون بشرتها اللامع وضفيرتي شعرها الناعم السوداوين الطويلتين، وعيناها ورقتها وصوتها الهامس حين تجيب عن أسئلة أبلة “نـوارة”، والدها معلم في مدرسة (الأنصار للبنين). وكان يدرس أخي “محمد” بالصف الثالث إعدادي، وهي كانت زميلتي بالمقعد ثم صرنا صديقتين، وصار تبادل  إفطار، حين أعجبها فطوري (دحية بكمون الحوت)، والذي لكثرة ما أكلت منّه (حتى يتقوى دمي) صرت لا أحبه، ولكن “منال” أحبته وأنا أحببت فطورها (خبزا بالجبن أو بأي شيء آخر)، سأحبّه والتهمه وهي تتلذذ بطعم (دحية الكون)، وحين جاء الصيف وعدنا للمدرسة بحثت عن صديقتي “منال” ولكن لظروف عمل والدها الذي انتقل إلى مدرسة ثانية، غابت “منال” وشقيقتها “مناهل”، وظلت ذكراها في قلبي، وهكذا جاء الصف الرابع.
و”حواء” صارت تلميذة متميزة، الأولى على الفصل، تجلس بالمقعد الأول في الصف اليمين، وقربي تجلس “الزايرة” التي ستكون الثانية بالصف، ولن تغلبني إلاّ في مادة الحساب، دائما درجتها كاملة ودرجتي ناقصة اثنين، فصلنا المطل على أشجار الحديقة والقريب من باب المدرسة وأصوات السيارات وأحيانا يتوقف الشرح لأن ثمة (تدريب طيران أو محركات)، فمدرستنا يفصل بينها وبين أحد أسوار (قاعدة عقبة بن نافع)، شارع فقط.
عام مفعم بالذكريات والبهجة والذهاب إلى حديقة الحيوان، ورؤية القرود وأشجار الخروب العالية، ثم ذكرى موجه يأتينا وكنّا نسميه (المفتش)، وكيف كنت أصيح عاليا وأرفع أصبعي وهو يضحك خائفا أن يكون ذاك الأصبع في عينه، ثم تلك الذكرى عن طلب أبلة “نوارة” بعد استكمال درس “الصلاة” أن ترى كيفية صلاتنا، وبدأت بذكر الأسماء؛ وخرج واحدة واثنتان وأبلة “نوارة” تنبه على الخطأ الذي حدث، ثم خرجت “بدرية” الفتاة المليئة الجسم والتي تشعر بالخجل، خرجت وبدأت بأفعال الصلاة حتى جلوسها، وقبل أن تكمل أشارت لي (معلمتي التي أحب وتفتخر بي نوارة)، ويشهد الله أني لم أكنّ أعرف كيف أصلي، وأنّ أبي وأمي وأخي الكبير، وأيضا جدتي، والذين يؤدون الصلوات في وقتها، جميعهم لم يطلبوا مني أن أصلي أو أتدرب على الصلاة، وحتى هذه اللحظة مازلت أحبّ جرس النهاية الذي أنقذني في ذاك اليوم.
أكملت “بدرية” وكنت أستعد للخروج من مقعدي حين ارتفع ذاك الرنين من جرس النحاس الكبير والذي تؤرجحه “الحاجة عيشة” أو “عمي سعيد”، كان أجمل موسيقى سمعتها وأنا أرتب حقيبتي وأضحك، تصوروا لو أني خرجت ولم أعرف تكبيرة الإحرام والركوع والسجود والجلوس للتشهد، كيف ستنظر لي معلمتي التي أتنفس محبتها، أنا تلميذتها التي تفاجئها بإجابات غير متوقعة، مثل تلك المرة وهي تكتب درس النحو ونحن مكبّات على كراريسنا نكتب التاريخ وعنوان الدرس، وإذ بها تسأل، ما هو جمع (امرأة) وقبل أي صوت كان صوتي يرتفع وأنا مازلت انظر لكراستي (نسوة).
– ما شاء الله عليك يا حوا.. صفقولها.
 
انتهت الامتحانات وانتهي الصف الرابع وجاء يوم إعلان النتيجة، و”حواء” تلبس فستانا أصفر، وشعرها الناعم يتطاير وهي تذهب لتتسلم صحيفتها، كانت الأولى على فصلها والثالثة على مدرستها.
وكانت العطلة الصيفية مملة وطويلة رغم اللعب والمواسم، ربما لأن تلك الصغيرة أحبت ذلك العالم الذي وجدته خطوطا وكلمات في كتب، هكذا ذات قيلولة بحثت في كتب أخيها “محمد” الكتب التي تخلى عنها وتركها في صندوق لأنه صار (طالب ثانوي). وقعت يدها على كتاب صغير اسمه (الزنبقة السوداء).
آآآآآآآه… أيتها (الزنبقة السوداء) لماذا وجدتني ذلك اليوم، لماذا وجدت حكايتي هناك بين دفتيك بتلك الأوراق ذات الحجم الصغير، وعند تلك الحكاية التي فخختني باكرا بتلك المعاني: الحب/ العلم/ الحرية. الحرية/ الحب/ العلم.
العلم/ الحب/ الحرية،،،، الحرية/ الحب.
 
3:23 الاثنين   10:6: 2019

مقالات ذات علاقة

شريفة القيادي سيرة المُبدعة الليبية

فاطمة غندور

امرأة خارج العزلة (الجزء الاول)

فاطمة غندور

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (19)

حواء القمودي

اترك تعليق