طيوب البراح

سـر الفـــن

عبدا لواحد حركات

 

برغم الاضطراب والقلق.. الذي أبداه رواد الفن علي مختلف أجناسه إزاء نزق التكنولوجيا الحديثة , وسطوتها , ومداهمتها المستفزة لساحات الفن , ومحاولاتها المتكررة لاقتحام الفضاء الفني وتقليص مساحات الإبداع , في مختلف المجالات الفنية .. تظل ميزة فائقة وإستتنائية للإنسان تعجز التكنولوجيا عن مجاراتها أو حيازتها وهي ” الخيال ” ..!

” الخيال “..الذي تقف عند أطرافه البرمجيات الإلكترونية , ومستحدثات التقانة بليدة بكماء , كما هي حقيقة مقارنة بامكانات العطاء الإنساني .!

” الخيال ” .. الذي يمثل شباباً متجدداً لتلك الإمكانات المذهلة التي أودعها الخالق سبحانه في الإنسان .. شباباً يستطيع أن يجمع بين المثالي والحقيقي..!

يقول أفلاطون .. أن المعرفة الأرضية بالأشياء.. هي مجرد عملية تذكر لمثالها الأول في عالم المثل , حيت تتجسد الحقيقة التي تناسخت عنها الصور الأرضية , هنا نرصد وجود أكيد لأيمان مطلق وفطري بوجود هاجس دفين أو مسلك خفي يستمد الإنسان عن طريقه أوليات معرفة من السماء .. من الغيب .. من مصدر علوي ونقي .. تعجز قوى الإنسان الاعتيادية عن إدراكه أو بلوغه .. يعتبره أفلاطون تذكر أو ذكري أما فرويده فيعتبره تخيل أو الخيال , ويفترض وجود ” قدرة ليسية ” خاصة بالوعي قادرة علي تأسيس الخيال .. الذي يعبر عن بنية تحتية “خفية ” ناشطة ولأوعية لدي الإنسان ..!!

 أما “غاستون باشلار ” يري الخيال حياة الذات الأولية , ويعتبره الأساس نفسياً , ومنه تنبثق القوى الإلهامية التي تأسس للمعرفة , والذي يميز المفكر من المثقف العادي .. هو الخيال الذي يأتي كزخة مطر فجائية تبلل أرصفة الوعي , وتلطخه بصور هي المادة الخام للفكر الخلاق والمبدع , والتخيل ليس الحالة , بل هو طريقة ورشوة فاضحة للدهن تغريه بإتباعها وإرساء حقائق منطقية.. فالتخيل يحتاج إلي تمكن من الحقائق الباقية ..!!

وهو ” التخيل ” جسر هوائي يؤدي إلي البصر , ترقبه عين الخيال الامرئية التي يحتويها ظلام أبدية المرء نفسه , في حين ترصد عين المرء وسطا ً مظلماً بين نورين , نور الدنيا ونور الذهن ..!!

وتحاول جاهدة إقتناء حقائق نقية وصريحة من مشاهد رقصة الحياة المفعمة بالأمل والرعب ..!.

وتظل الحقيقة .. الحقيقة التي تمثل عصا ترحال الإنسان في الحياة بعيدة المنال فيقتني الإنسان سواها ويتحول ذهنه إلي متحف للحقائق المتناقضة .. وتزداد الحاجة إلي تحقيق توازناً مستحيل بين حدود ثلاثة ..الحق – الخير – الجمال..!!

 ويهجر الإنسان واقعه البشع إلي فراديس وعوالم الخيال .. مفضلاً الإبحار في غيبوبة رمزية مثيرة , هنا.. ودون وعيّ حقيقي أو تخطيط , يسطع الفن حقيقة راقية وبديلة لحقائق طرحتها الحياة علي موائدها وتداولها الفكر حتي التقزز..!!

في البداية.. كان الفن حرفة كباقي الحرف – كالبناء والنجارة , ولكنه نجح بشق الأنفس في أن يسمو علي الحرفية واثبت تفرده وروعته بالتجدد وانتهاكه الدائم للقواعد السائدة والبالية ..!.

فالفن .. يرفض العقلانية البائسة , ويبغض الجمود , وهو يصرخ كما صرخت” فيرجينيا وولف”.. ” يكفينا من هدا الواقع الرديء واحد “.!

.كما أنه يروج لحقائق مستقبلية ويخطط لها , ومن الخيال تبدأ مسيرة الفن , وبينما يكون الإنسان غائصاً في الجسد ” هكذا أتصوره ” .. ويري ما يجب ان يري من محيطه الواقعي تكون عين الخيال غائصة جزئياً او ليست غائصة بالمطلق , وهي ترصد الحقيقة في بعدها الثالث خارج أبعاد الزمان والمكان المقرفة والمكتظة بالحقائق الناقصة التي تجعل من الحرية وغيرها مثل “جمع أمثولة” طافحة بالمعاني الخاوية , معانٍ تسجن الروح وتعطل قوى الإلهام..!!.

معان ٍ ضيقة تحصر الرغبة , وتعتقل الأنطلاق وتحاول بوتقة الحياة ورسمها علي مرآة , تخطىء وتقترف القصور .. فهي ” معان ٍ ” تجهل أن المرايا مشهورة بنسيانها .!

 وانه لا يمكن للحياة أن تكون كود “بوابة الكترونية ” , ولايمكن للذة والحلم أن يستخرجا هوية او يمرا علي بوابات الذهن للتفتيش , فالحلم عصفور ملاكي وشاهد جرئ غادر الجنة ليصرخ بنا , ويؤكد ان الإنسان .. جسد وروح .. وهو نافدة الخيال المشرعة علي الأبد .. اما اللذة أو ” الشهوة ” أسيرة الهواجس الأولي والاكتشاف المبكر الذي أحرج الذهن وأوقعه في مواجهة سريعة مع الذات والغرائز.. ومع الضمير أيضاً ..!

وهما ” اللذة والحلم ” – أس الحياة المرفوع للأمل .. والأساس فيها .. ولأن مفاتن طبيعة الإنسان متصل بعضها ببعض , فالحلم متصل باللذة أو اللذة متصلة بالحلم ..!.

وسويا متصلاًن بالخيال ويعبران عنه , وتحصران حقيقة أزلية ومضيئة .. وهي ان الخيال مبتدأ المعرفة والفن أيضاً , وهو أيضاً مبتدأ الحياة..!!

 وما الحياة سوى مسيرة طويلة وشاقة , بدأها الإنسان بالخطيئة وتفاصيلها غريزة , تلهب غريزة وأنانية تبتلع أنية ..!

والخيال فيها مجرد مهرج يبحث بطريقة هزلية بائسة عن سبيل , أما الفن فيعيش جارية تتضرع علي موائد السلطة والمال ..!

الآن .. تحت سماء تستعمرها الأقمار الصناعية , وتملؤها قوافل موجات كهرومغناطسية محملة بسخافات البشر , ووسط محيط يمنع البصر من الإمتداد, ويعهر الخلويّ عنوة بصفاء الخلوة وروعتها .. أصبح الخيال وكذلك الفن في مأزق وحرج , فقد خسر الخيال صفاؤه وصار مجرد تطلّع لا ختراق المعقول , أما الفن فقد بات ترف , يراقص النزوات أكتر من مراقصته للفكر خسر رهافته وحساسيته , وخسر ذاته وتفرّده أيضاً , وأصبح بطريقة ما مجرد عمليات حسابية وبرامج رياضية سلبت الفن هويته , ونزعت القيمة الجمالية عنه والغموض ..!

وبرغم هذه المعطيات البشعة المتراكمة والمتعاقبة علي الظهور والتي قد تدفع بنا عنوة الي الدوار, وتقحمنا في دروب مملؤة بالوحل والتفا هات .. نجد أنها ” المعطيات ” تؤدي بالضرورة الي تألـق الفن وسيادته علي باقي المعارف الإنسانية الأخرى .. وهذا دون شك يرسخ حقيقة أن الحياة ذاتها مجرد تقليد زائف للفن , وأن الفن وهب إلهي يستثمره الإنسان للرقي , فالفنان هو النموذج المستقبلي لأي إنسان متطلع ..!

والإبداع هو الأفق والمستقبل .. وهو دون شك حكر علي الفنان الذي بامكانه حيازة إحداثيات ذاك الأفق , وإمتطاء الخيال لتأثيت المستقبل بلؤلؤ عطاءاته وإنارته ..!!

فالفن باختصار – هو اكتشاف حقيقة الجمال في الطبيعة والحياة .. وهذا الاكتشاف يحتاج روح فنان مبدع ..!!

مقالات ذات علاقة

إنسان غير عادى

المشرف العام

أزمة اشتياق

المشرف العام

القلم العجيب

المشرف العام

اترك تعليق