المقالة

20 هرماً في الحطية الليبية … «تحف» يجهلها العالم

«كان الليبيون القدامى، يدفنون موتاهم كما يفعل الإغريق، أي ممددين على ظهورهم، باستثناء النسامونيس (سكان سرت)، فهم دفنوهم جالسين القرفصاء، وحرصوا على أن يكون الإنسان جالساً عند خروج الروح حتى لا يموت وهو مستلق على ظهره». هذا ما قاله هيردوتس بعد تجواله في ليبيا في القرن السادس قبل الميلاد، في كتابه الرابع، أو «الكتاب الليبي»، من دون أن يذكر الحكمة من هذا الدفن.

أهرامات الحطية عن المصدر
أهرامات الحطية
عن المصدر

ولكن هذه الطريقة في الدفن لم تقتصر على سكان سرت، كما يشير هيردوتس، بل كانت شائعة في مقابر جرمة بالجنوب وفي بعض مناطق غرب ليبيا. الدفن جلوساً، كما يشير هيردوتس وكما تنتشر آثاره عبر الصحراء الليبية، يأخذ القبر فيه شكل النصب أو الهرم الصغير «حيث يكون عريضاً من الأسفل ويضيق في الأعلى ليضم الرأس، يأخذ باختصار شكل المثلث». وشكل المثلث أيقونة ليبية دائمة الحضور على مدى عشرة آلاف سنة ماضية، من رحلة الليبيين عبر التاريخ، فقد كان التكوينَ الأساسي لرسم الإنسان في لوحات فناني ما قبل التاريخ الليبيين، مع الدائرة التي نقلت شكل الرأس البشري، ليدخل المثلت بعد ذلك في أيقونات المعبودة تانيت الليبية»، حيث ترسم بمثلثين ودائرة، لينتقل بعد تلك الرحلة إلى النسيج الليبي، فنجده في السجاد والبسط الليبية وأيضاً في حلي النساء.

شواهد القبور لم يكن المدفونون جلوساً بحاجة إليها، فقد كان القبر المنتصب باتجاه السماء شاهداً ممتازاً على وجود ميت هنا وعلى تطلعه باتجاه الآخرة، على عكس قبور المدفونين جلوساً، احتاجت القبور الأخرى إلى شواهد فنصب الجرمنت شواهد على شكل «يد أو خميسة» من الحجر. وبنى سكان التخوم كما سماهم الرومان في ما بعد في المنطقة الممتدة من مزدة غرباً وحتى بونجيم شرقاً المسلات العالية كشواهد وتمجيد للميت، وتنتشر هذه المسلات حتى الآن عبر أودية بني وليد وأشهرها مسلات المردوم المطلة على وادي «إيليس».

المعتقدات الليبية في الموت والبعث والآخرة تتجلى قبل عصر الكتابة في الدفن وأيضاً في التحنيط الذي يعود تاريخه إلى نحو 5500 سنة وهو عمر المومياء الليبية. طرق الدفن التي أشرنا إليها أخذت تتطور نتيجة لتطور معتقدات تخص الموت والبعث طورها الليبيون القدماء ووصلت إلى بناء الأهرام.

كانت جرمة، كما يشير هيردوتس في كتابه الرابع، مدينة صحراوية مزدهرة تسيطر على طرق التجارة بين البحر المتوسط وأفريقيا، وكانت في ذلك الوقت احد مراكز تجارة العبور المهمة، ونتيجة لذلك الازدهار الاقتصادي ازدهرت الحياة الثقافية وتطورت طرق التدين وطقوسه وترسخ الاعتقاد بالقيامة واليوم الآخر وعودة الموتى في حياة أخرى.

من أبرز تجليات هذا الاعتقاد كان بناء الأهرام لتخليد الموتى وضمان سلامة أبدانهم حتى يوم القيامة. وبنى الجرمنت لملوكهم أهراماً كثيرة هي بالتأكيد ليست بعظمة أهرام مصر، ولكنها بنيت للغرض والدافع الديني ذاته. ويصل عمر هذه الأهرام إلى نحو ثلاثة آلاف سنة، أما عددها فعشرون.

وفي «الحيطة»، التي تبعد نحو 20 كيلومتراً عن جرمة ينتصب عشرون هرماً ليبياً كاملاً، هي مقصد سياحي ومكان أثري مهم، خصوصاً لدى الجيل الجديد، لما تمثله من إرث تاريخي.

بنى الأهرام الليبية مواطنون بأساليب ومواد بناء ليبية خالصة. بنيت بالطين والقليل من الحجر وبطريقة «ضرب الباب» كما عرفت في ليبيا حتى ستينات القرن الماضي، وهي تقضي بعجن الطين وتخميره ووضعه في لبان، ويصب الطين بين كل حجرين ويدك بقوة ويترك حتى يجف ويتماسك البناء. لينتقل البنّاؤون بعد ذلك إلى الحائط الآخر… هكذا كانت تبنى البيوت ويقوم بذلك كل الجيران والأقارب ويسمى هذا العمل الجماعي التطوعي «الرغاطة».

وشيّد بناة الأهرام الليبية أهرامهم على ذلك النحو، وقد تأخذ الأهرام شكل المثلث الذي قدسه الليبيون قروناً طويلة، ويصل ارتفاعها، كما البيوت، إلى أربعة أمتار، وتحت كل هرم القبر أو غرفة الدفن.

عشرون هرماً هي ما تبقى من أعمال بناة الأهرام الليبيين في الحيطة قرب مدينة جرمة عاصمة الجرمنت في الجنوب الليبي، قد لا يعرفها العالم ولا حتى الليبيون.

_________________

نشر بموقع صحيفة الحياة 

مقالات ذات علاقة

عام المرأة الليبية الروائية!

فاطمة غندور

الرائدات الليبيات وبناء الدولة الحديثة

المشرف العام

هـل في الشـعر ثـقافة ؟

زياد العيساوي

اترك تعليق