شخصيات

20 عاماً على رحيل المؤرخ محمد بازامه

(أن أكتب تـاريخ ليبيـا مفصلاً ومسلسل الحلقات هذه أمنيتي الغـالية في الحياة)
محمد مصطفى بازامة.

هذه السيرة نقلت بتصرف عن السيرة التي أعدها حفيد المؤرخ “محمد بازامة”، والتي جمع فيها الكثير من المعلومات. وهي تنشر اليوم في ذكرى وفاته الـ20.

المؤرخ الراحل مصطفى بازامة

حياتك كلها تعب وكد وعمرك كله سعى وجدّ
تراوح بين تدوين ودرس يميرك منهما جزر ومد
فللتعليم من مغداك بند وللتدوين من مأتاك بند
فما ألقيت رحلك مستريحاً وكيف يريح من يحده مجد
عصامي فما للناس فضل عليك وان فضلك لا يعد
فلم يفخر عليك بما تأتي من استعلى به حظ وجد
وأنت ومن برتبته تباهي على مضماره ند .. وند
وأفذاذ الرجال وهم قليل بهم لبلادهم فخر وسعد
سلكت سبيل (هيرودوت) تجلو وقائع لطلمسها للحق وأود
لـــــوجه الحق يكتب إلا فلـــــيس يهمه ذم وحمد
ومن قصد الصواب وتاه عنه فقد يكبو الجواد وقد يند
وللتاريخ ألسنة طوال تحقيق بمن على الحرمات يعدو

بهذه الأبيات رثى الشاعر “حسن السوسي”، الراحل المؤرخ “محمد بازامة”، بتاريخ 2-5-2000م.

ولد المؤرخ “محمد مصطفى بازامة” في سنة 1923م، بمدينة بنغازي، تزوج في العام 1944م، خلال فترة تواجده بمدينة (جالو)، وكان يعمل بها مدرساً، وله ولدان وابنتان.

وقد تنقل بين عدة مدن في ليبيا وذلك بحسب ما اقتضته ظروف عمله، حيث تنقل بين مدينة جالو و مدينة طرابلس و مدينة اجدابيا و مدينة البيضاء، إلى أن استقر به المطاف في أوائل الخمسينات بمدينة بنغازي والتي تنقل فيها بين عدة مناطق؛ من البلاد للقوا رشة إلى أن استقر في منطقة البركة، مكان بيته في ساحة البركة حاليا، والذي يقع قريباً من مبني بريد البركة القديم .

وفي سنة 1963م، انتقل إلى مدينة طرابلس ثم عاد سنة 1969م، ليستقر بالقرب من الهيئة الرياضية (نادي النصر الآن)، و في هذا المكان بالبركة تولدت الكثير من أفكاره، وكتب أبحاثه ومقالاته وبعض مخطوطاته، وفي سنة 1981م، استقر المطاف بالمرحوم “محمد بازامة” وأسرته بمنزله الكائن بمنطقة السلماني الشرقي.

التحق بالدراسة وفقاً لنظام التعليم السائد في فترة الاحتلال الايطالي، واجتهد في تثقيف نفسه وتكوين ذاته، وأتقن اللغتين الإيطالية والإنجليزية، وعمل فالتعليم اعتباراً من سنة 1944م، واشتغل مدرساً في مدارس: بنغازي واجدابيا وجالو، وأدار بعض مدارس المراحل الابتدائية في القوارشة والبيضاء واجدابيا. كما التحق بدورة في التخطيط التربوي أقامها المركز الإقليمي لتدريب كبار موظفي التعليم في الدول العربية ببيروت سنة 1962م، عاد على إثرها ليتقلد العديد من الوظائف في مجال التربية والتعليم؛ منها مدير التعليم بالجبل الأخضر، ومدير عام إدارة الثقافة وشؤون البعثات، وأخيرا مدير إدارة التخطيط التربوي حتى سنة 1968م.

أصبح مديرا لتحرير صحيفة العمل في بنغازي سنة 1972م، وعمل في مجال الطباعة والنشر حيث أسس مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت، ودار إلماس بكالياري، ودار الحوار والثقافة بقبرص، واهتم بالكتابة في مجالات التاريخ الليبي منذ أوائل خمسينات القرن العشرين، ونشر بحوثه ودراساته ومقالاته في هذا الجانب، وجوانب أخرى في التربية والاجتماع في صحف (برقة الجديدة، العمل، الحقيقة، الكفاح)، ومجلات (ليبيا، صوت المربي، النور، الثقافة العربية، الفصول الأربعة) وغيرها من المجلات والصحف، وأصدر مجموعة من المؤلفات المميزة في جوانب التاريخ الليبي ومصادره وترك بعض المخطوطات للنشر، وساهم بالمشاركة الجادة في المؤتمرات والندوات العلمية والتاريخية والأدبية، منها مؤتمر وزارة التعليم والتخطيط في البلاد العربية سنة 1966م، مؤتمر ليبيا في التاريخ سنة 1968م، ومؤتمر الأدباء والكتاب الليبيين سنة 1968م، مؤتمر أدباء وكتاب المغرب العربي سنة 1969م، مهرجان رفيق بكلية الآداب سنة 1971م، ومؤتمر الأدباء والكتاب الليبيين الثاني سنة 1973م، وغيرها من المؤتمرات والندوات، وكان عضواً في جمعية الرفيقيات التي أصدرت ديوان الشاعر (أحمد رفيق المهدوي)، واللجنة العليا لرعاية الفنون و الآداب، والمجلس الأعلى للآثار، واللجنة الوطنية للتربية والعلوم والثقافة، وفي مجمع اللغة العربية بليبيا إلى تاريخ وفاته، وحصل على شهادة تقدير في عيد العلم الأول سنة 1970م، كما حصل على ميدالية رئيس الجمهورية الإيطالية عن أحد مؤلفاته.

سافر في سنة 1982م إلى خارج الوطن، وتنقل بين عدة دول: إيطاليا، لبنان، قبرص، مالطا، ولم يعد إلى أرض الوطن إلا في سنة 1996م.

توفي مساء الخميس 23/3/2000م، ودفن بمقبرة الهواري ظهر يوم الجمعة 24/3/2000م، وفي الذكرى الأربعين لوفاته (مايو 2000)، أقيمت له في بنغازي أمسية تكريمية من قبل رابطة الأدباء. وفي شهر ديسمبر 2002م، عقد مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية بمقره في طرابلس ندوة علمية عنه استمرت ثلاثة أيام، شارك فيها مجموعة من الأساتذة والمهتمين وطلبة الدراسات العليا وأصدقاء المؤرخ، كما منح درع مهرجان التحدي الثقافي من اللجنة الشعبية للإعلام والثقافة بشعبية بنغازي سنة 2003م، وفي شهر مارس 2008، بالتحديد في الذكرة الثامنة لوفاته في يوم 24 أقامت نقابة أعضاء هيئة التدريس الجامعي بجامعة قار يونس أمسية علمية وفاءً وعرفاناً منها لجهود المؤرخ والمربي والباحث “محمد مصطفى بازامة” والذي أعطى الوطن واسهم في تدوين تاريخه والعناية به، ومنح جل وقته لهذا التاريخ وتقديمه للأجيال الليبية المعاصرة واللاحقة لتتواصل معه، وتعتز به وليظل بازامة على الدوام في ذاكرة الوطن وأبنائه، و الغريب في الأمر انه وبالرغم من أن المؤرخ ابن مدينة بنغازي، إلا أن مدينة طرابلس قد قامت ببادرة وهي تسميت أحد شوارع طرابلس باسمه تخليداً لهذا الاسم الذي أعطى الكثير، ولم تبادر مدينة بنغازي بهذا الشيء.

ويظل “محمد مصطفى بازامة” ابن هذا الوطن .. ليبيا، الذي عشقه وأحبه، فكان واحداً من مؤرخيه المعاصرين، وصاحب وعي مبكر بأهمية البحث في تفاصيل التاريخ والاتجاه المستمر في العناية به والإخلاص له، وقد تميز بتجربته العصامية التي اعتمدت التكوين الذاتي والتثقيف الشخصي في ظروف صعبة مرت بالوطن أثناء الاحتلال الايطالي وبعده، ونذر حياته وجهده لكتابة التاريخ الليبي، بالقدر الذي استطاعه، وفقاً لتلك الظروف، واهتم بمراحله القديمة والحديثة والمعاصرة، وقدم للمكتبة التاريخية عصارة تلك الجهود الدؤوبة ممثلة في العديد من المؤلفات والكتابات المهمة التي صارت من المراجع الرئيسية التي يعتمد عليها كثير من الباحثين وطلاب العلم المهتمين بشؤون التاريخ الليبي وشجونه المختلفة، وتنوعت اهتمامات “بازامة” بموضوعات الكتابة التاريخية وتميز عن غيره من أبناء جيله من المؤرخين الليبيين بتلك الاهتمامات المتعددة، فتناول جوانب تاريخية متنوعة، واهتم ببعض البلدان ذات الصلة بليبيا مثل مالطا، وكريت، وسردينيا، وكتب في جوانب أخرى اجتماعية وأدبية وترجم أيضا، ثم توج هذه الاهتمامات وهذه الجهود بأكبر مؤلفاته الذي يقع في صدارة الأعمال التاريخية الليبية وهو (بنغازي متصر فليك .. أو تاريخ برقة) في عهد العثماني الأول، ثم القره مانلي، ثم العهد العثماني الثاني، إلى نهايته.

وقبل البدء في سرد كتبه ومؤلفات، سنقوم بتسليط الضوء على بعض أهم الإضاءات التي كتبها في مشواره الطويل والحافل، ومن هذه الإضاءات:

إذا كان لليبيين تاريخ حافل قديم وتأثير حضاري روته وسجلته لنا نصوص ورسوم ونقوش مصر الفرعونية، وإذا كانت لليبيين حضارة عريقة ساهمت في تقدم حضارات وادي النيل منذ عصور ما قبل الاسرات، وكانت في بعض الأحيان أصلا أولا لها، وهذه الحضارة سابقة زمناً لحضارة اليونان في البلاد بعدة قرون بل بآلاف السنين، فلماذا لا تكون لليبيين آثار ليبية في ليبيا بذاتها؟ ولماذا لا يكون لهم تراث حضاري من أي نوع قابل للكشف عنه داخل ليبيا ذاتها؟ في الشرق أو في الشمال كما هي لهم في أقصى الجنوب؟ ولماذا تبهرنا آثار الحضارة الكلاسيكية من يونانية ورومانية، فنتوقف بعمليات التنقيب والحفر عند هذه الآثار وحدها، تاركين ما كان لليبيين قبلها من تراث ذاتي؟ هل فقدنا الآمل في العثور على شيء من حضارة الليبيين قبل العهد اليوناني في ليبيا ذاتها بعد أن بحثنا ولم نوفق، أم هو إهمال غير مقصود منا، فرضته علينا ظروف مادية وفنية، إنها دعوة ارفعها إلى هذا المؤتمر التاريخي حتى نسد فترة الفراغ الواسعة فيما بين العصور الحجرية، والقرن السابع قبل الميلاد.
من بحثه (في مؤتمر ليبيا في التاريخ)

الإنسان بماضيه وماضي الإنسان في تاريخ أرضه ووطنه وقومه، وإحياء الماضي سنة في الأمم قديمها وحديثها على السواء والقيام بذلك واجب على بعض بنيها ممن شغفوا بالتاريخ دراسة وبحثا وتخصصوا فيه إجازة وعلماً
من كتابه (ليبيا هذا الاسم في جذوره التاريخية)

إن تاريخ هذا البلد لم يكتبه بعد بنوه، ولكنهم مطالبون بان يفعلوا هذا، ليصححوا حوادثه وتفسير أحداثه، وهذا في اعتقادي دين في عنق كل دارس للتاريخ باحث فيه حتى تستكمل حلقاته وتشرق صوره وتتجلى بطولاته وتضحيات المخلصين من بنيه وهم كثيرون وفي كل جيل
من كتابه (الدبلوماسية الليبية في القرن الثامن عشر)

إن معالجة التاريخ أمر صعب وان كان لا يدرك صعوبات الكتابة فيه إلا من تجابهه هذه الصعاب وتتحداه، ولولا الإحساس بقوة الصلة بين الإنسان وماضيه لما اهتم بالبحث في زوايا التاريخ باحث، ولكن الماضي بسحره وتأثيره القوي يشد المؤرخ إليه به فيدفعه دفعاً إلى البحث فالكتابة، فلا غرابة إذاً في أن أقدم لك اليوم أيها القارئ العربي تاريخ المدينة التي رأيت فيها النور واستنشقت فيها أول عبير للحياة فهي واحدة من مدننا الليبية التي يستحق كل منها أن يسجل لها ما قامت به من ادوار في التاريخ، ولعلها أول محاولة يبذلها ليبي – على الأقل في العصر الحديث –وأمل مخلصاً أن تتلوها محاولات مماثلة لكتابة تاريخ جم.
من كتبه (بنغازي عبر التاريخ)

بعض من مؤلفات المؤرخ محمد بازامة

أولا: الكتب المنشورة:

1- بداية المأساه، أو التمهيد السياسي للاحتلال الايطالي. 1961

2- العدوان، أو الحرب بين ايطاليا وتركيا في ليبيا. 1965

3- ليبيا هذا الاسم في جذوره التاريخية. 1965

4- ليبيا في عشرين سنة من حكم الأسبان. 1965

5- تاريخ ليبيا في عهد الخلفاء الراشدين. 1965

6- وثائق عن نهاية العهد القرمانلي (تعريف وتحقيق). 1965

7- بنغازي عبر التاريخ. 1968

8- تاريخ مالطة في العهد الإسلامي. 1971

9- ليبيا في عصور ما قبل التاريخ. 1973

10- الثورة الثقافية العربية. 1973

11- الدبلوماسية الليبية في القرن الثامن عشر. 1973

12- قورينا وبرقه : نشأة المدينتين في التاريخ. 1973

13- مدينة طرابلس وأسماؤها في التاريخ. 1983

14- تاريخ جزيرة كريت في العهد الإسلامي . 1984

15- ARABI E SARDI NEL MEDIOEVO. 1988

16- UN, IPOTES SUL DECLINO DI UHA RICCA EGRNDE SARDENIA. 1989

17- بنغازي متصر فيك، تاريخ برقة (3 أجزاء). 1994

18- واحات الجنوب البرقي بين الأسطورة والتاريخ. 1994

19- المدينة الباسلة. 1994

20- سكان ليبيا في التاريخ (الجزء الأول عصور ما قبل الإسلام). 1994

21- اثر الدين والقومية في تاريخ الأمة الإسلامية. 1994

ثانيا: المخطوطات:

1- القضية الليبية (3 أجزاء).

2- سكان ليبيا في التاريخ (الجزء الثاني والثالث).

3- ليبيا وعودة الأتراك.

4- الكراغلة بناة العهد القرمانلي ومقوضوه (الجزء الاول البناء).

5- حسونة الدغيس.

6- رفيق أكثر من شاعر.

7- تاريخ جمعية عمر المختار (الجزء الأول 4- – 1949).

8- عمر المختار ليث العرين.

9- صفحات من تاريخ فزان (أسرة أولاد العم).

10- ليبيا معالم وتراجم.

11- مجتمع يتغير (ملامح وصور من حياة الأجداد).

ثالثاً: من بحوثه ومقالاته:

1- نقد كتاب برقة الدولة العربية الثامنة.

2- ليبيا بحث حول هذه الكلمة.

3- أسطورة النزوح الإغريقي.

4- تجربة تعليم الكبار في برقة.

5- تأثير الليبيين في الحضارتين المصرية واليونانية وتأثرهم بها.

6- مشكلة الرسوب في الامتحانات وأبعادها الفردية والاجتماعية والاقتصادية.

7- رفيق وفلسفة الجمال.

8- المسيحية في ليبيا.

9- الحلف المرابط.

10- الختان والحفاض لدى بعض الشعوب في الإسلام.

11- البنت لاكترث (دراسة تاريخية تأصيلية).

مقالات ذات علاقة

العراقي يونس بحري والملك ادريس وبرلين ووهبي البوري

المشرف العام

أبو يوسف

سالم الكبتي

في الذكرى العشرين لرحيل الصادق النيهوم.. بنغازي تحترق وفراغ يملؤه الدم

محمد الأصفر

اترك تعليق