من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
قصة

لفائف الذكرى

-1-

بين شوارعها يتردد صوته وحيدا (المسعودي ) يصرخ في وجوههم / بسرعة يا وِلدْ ..كان الغروبُ يتراءى بصوره البديعة مثل دنانير حمراء ، تسفع صفحة الركن الأسفل بحمرة تبدو خجلة وجِلة …يسقط ظلها أمام أسكفة المقهى ..بينما ينبعث الشاي وروائح الزلابية … وإعدادات المهلبية بالمكسرات …وشيء يشبه القهوة المغمورة بالقرفة.

المسعودي رجل قصير هزيل الجسم تستحوذ عيناه على مساحة وجهه الغض …تبرز عظامُ الوجنتين كَمَعْلمين من قطعة آثار انتصبت وسط صحراء قاحلة ..بينما تنحدر أذنه مفلطحة عند القمة وفي أسفلها التوى ما يشبه النحاس على شحمتها …صرخ مناديا يا وِلد اسحب .. كان الحبلُ متينا خشنا مليئا بالأشواك ..اسحب.. السحب قويٌّ والدهشة ترتفع وتنخفض بينما لم يبدِ المسعودي شهيقه وزفيره ، كان بين فينة وأخرى يصدر أوامر صادحة اسحب اسحب أيوة أكثر ..تردد صوت ضعيف”صيام يا راجل” … جِهدك جِهدك لم يعرْه انتباها اسحب .. التوى الحبل ..ازداد كثافة ارتفعت أسكفة الباب ..صوت المزلاج ..انزلق ..ماكينة المكياطة تبدو قابعة فيما يشبه امرأة ترتدي ثوبا باهتا …الحقْ الحقْ بسرعة المغرب قريب ..انطلق صبي أبيض الوجه شاحب النظرتين ..تقاطر العرق من جبين المسعودي ..ربط الحبل بقوة .. وضع حجرة كبيرة على وتده ..نظر في العاملين وقع بصره على أحدهم استثقل حركته  البطيئة؛  دفعه سحبه مسكه .. كان الرجل مترنحا ..الشنب يغطي شفتيه لاشيء يظهر بوضوح سوى حاجبين كثيفين يسترسلان بعناد على عينيه ..”وقتْ وقتْ” وإنت ناعسك النوم الزبائن عندهم إربيع ساعة ويعبو لمكان  ..!! خف خف

اندفع كرمح طائش لينغرس في مخبأ القهوة ساحبا مصفوفة من كراسٍ ، تبدو أنها منذ العصر العثماني فاللوح القديم المصبوب من العاج المخلوط بشجر البلوط ذي اللون البني المحمر ..والنقش الذي يبدو عليها يثير في نفسك أن تلك الخريطة عمرها أكثر من أربعمائة سنة ..الكراسي تندفع بينما المسعودي خلفها توهم الناظر أن الكراسي تتحرك لوحدها توزع العاملون ليفسحوا المجال للمسعودي ..أسرع رجل ما ليأخذ مصفوفة الكراسي ويوزعها بطريقة بديعة على مساحة المقهى القديم الأمامية حيث توزعت أشجار الرمان لتلتقي في ملحمة تراجيدية مع دالية العنب وتهبط قليلا لتحضن شجرة زيتون وحيدة فنت عمرها في الولادات المتعددة اليوم صارت شجرة بلا ثمر تزين مقهى المسعودي وتضْفي عليه روح الأدب وملتقى الشعراء فتزيده بهاءَ المفكرين ، ومنظرا يثير في النفس الخلود عند ملتقى شجيراته لتدغدغك القريحة بكتابة قصيدة تتوارثها الأفواه ويصبح المكان جوهرتها التي انفتقت فيه……

كان صوته خلف الخابية : اطلع اطلعْ …امشِ جيب السطل يا سطل تحرك بسرعة!!

كأنه بأوامره يصب على رؤوسهم العسل ..فهم ينظرون بهدوء وينفذون بروح مرحة دونما تردد…..

تعبث ببطنه الضامرة رائحة البصلة المقلية ، تلك التي يتقنها الطباخ الذي مكث منذ سني عمر المقهى الأول ما يقارب على ستين عاما أو يزيد يتوارثونه دونما أن يتخلوا عما ألفوه من آبائهم في طرق الأكل السخية والقديمة ..وما كان يطرأ من جديد يراه المسعودي عبثا لايليق بجلالة المكان ..فيعتبر نفسه ماركة لأجداده الذين اختاروا أن يكونوا علامة مسجلة في شهر رمضان على أعلى سفح بالوادي مقابل واجهة المدينة حينما ينتصب العابرون ليتوجهوا تلقاء ذلك المقهي الذي  يزدحم بزبائن لاتهدأ أصواتهم عند نقطة تجمعهم ،على أثير تلفاز عُلِّق بطريقة غريبة عند الباب ويظهر قديما نقشت عليه تواريخ من يراها يكاد أن يجزم أنها منذ الحرب العالمية الأولى.  لكنه يتردد كثيرا في الحكم على وجود هذا من تلك الحقبة …ليجلس المسعودي هانئ البال مطمئن الفؤاد وهو يحرك قطعة الزلابية بهدوء طفل أعيته الحركة نهارا .مرخيا لآذانه الاستماع لمجادلات القوم وحديثهم غير المنقطع عن أحداث الساعة …يغفو لحظات ويستيقظ ليصرخ من جديد..مسحراتي مسحراتي راكلا الكراسي بساقه الدقيقة ومنطلقا أخرى مثل سهم هذه المرة “للسنفاز” ليصب عليه جام غضبه..!

مقالات ذات علاقة

هـمٌّ يـوميُّ

أحمد نصر

بقايا حلم..

حسين بن قرين درمشاكي

ربيع بطعم البركوكش

سعاد الورفلي

اترك تعليق