المقالة

1- حين تكون .. الأنا .. نية سيئة

(أرني شخصا يتبع العنف قد حقق نتيجة طيبة، وسأعتبره آنذاك أستاذا لي) .. لاوتسي

أن تصاب الثقافات والحضارات بأدواء البشر واضطراباتهم، أو أن يصاب البشر بأدواء الثقافات والحضارات واضطراباتها، لا يبدو هنالك من فارق وبقدر مالا فارق بين أن تتبدى أعراض تلك الأدواء على الثقافات والحضارات أو على البشر، ذلك أن العلاقة بين الطرفين علاقة جوهرية وصميمية لكليهما بحيث يضيق عن استيعابها ما قد يطفو على سطحها من فوارق بينهما، ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقرر أن فرويد كان مصيبا ودقيقا عندما شخص أدواء الثقافة الغربية من منطلق نظرته التحليلية النفسية وأعلن أنها.. تعاني من ثلاثة جروح نرجسية، الجرح الذي جاء عن اكتشاف كوبرنيكوس، أن الشمس وليست الأرض هي مركز منظومة الكواكب التي تنتمي أرضنا إليها، والجرح الذي تسبب به داروين بتقريره تحدر الإنسان عن قرد، وأخير الجرح الذي نتج عن اكتشاف فرويد نفسه تجذر الوعي في اللاوعي.. وبغض النظر عن نبرة التشفي التي يشف عنها تقرير فرويد هذا.. إذ ينبغي ألا تغيب عنا حقيقة أصوله الإثنية والعقدية.. فإن المتأمل في واقع تلك الثقافة سوف يهوله كم الجراح النرجسية التي تكابدها وتعاني منها تلك الثقافة.

فنظرية داروين مثلا، والتي هي وفق ما يقرره فرويد جرح نرجسي في نسيج ووجدان الثقافة الغربية ليست بريئة بدورها من الإنجراح النرجسي، ذلك أن .. الحلقة المفقودة.. بين الإنسان والقرد، والتي لم تفلح الأبحاث والدراسات المتخصصة في تشخيص سماتها وتحديد أبعادها، ولا في ملئها تشريحيا ولا نظريا، وبديهي أن تكون تلك الحلقة جرح نرجسي إضافي في وجدان الثقافة الغربية وذلك من واقع كون الداروينية واحدة من نتاجات تلك الثقافة، فهي لم تأت إليها من ثقافة أخرى بل هي منها وإليها، كما أن ارتباط واحدتهما بالأخرى ارتباط عضوي حد أن ما يصيب إحداهما لابد له من أن يطال الأخرى.

والواقع أن الجراح التي تحدث عنها فرويد مازالت تفعل فعلها وتنحت آثارها في وجدان الثقافة الغربية، مثلما في وجدان إنسان تلك الثقافة.. الإنسان الغربي.. الذي يعاني التشيؤ والاغتراب،  بل وتمتد في سياق الإنسياح العولمي لتطال وجدان كل إنسان في عالمنا الراهن، مستهدفة الاستحواذ عليه واغتصابه ثم استعباده عبر إزاحة ثقافات الأمم والمجتمعات الأخرى والحلول محلها.

ولعله يتاح لنا رؤية مدى ما أمكن لها تحقيقه من نجاح في ذلك إذا ما ألقينا نظرة على موقع الإنسان من حيث علاقته بعالمه، إذ تطالعنا تلك الحلقة المفقودة قائمة فيما بينه وبين بيئته المباشرة التي يعيش فيها ويعايشها و بحيث يكتنف الاغتراب والضياع تلك العلاقة التي ما من شك في أن الشعراء والمبدعين هم الأكثر إحساسا بها من بيننا.
كما يتيح لنا النظر الى ذلك الموقع من زاوية كوبرنيكوس، أن نرى صيغة أكثر اتساعا وضخامة من تلك الحلقة المفقودة، بحيث أن محاولة تأصيلها في حلقة الداروينية أو إضافتها إليها.. والواقع المعاش يؤكد تلازمهما.. سوف يرينا ذلك الشرخ القائم في علاقة الإنسان بعالمه بدأ من جسده الشخصي وحتى أقصى بعد كوني يمكن له أن يتصوره.

أما إذا نحن اخترنا العودة إلى الحاخام الحداثي فرويد، فسوف نرى ذلك الشرخ متغلغلا في ذات الإنسان، ومتجسدا في.. الأنا.. التي يعجزها انبتات علاقتها بعالمها، ويحول تنفجها على حساب تلك الذات، وتغولها دون أن تكون أفق تفاهم وتواد بين مكونات اللاوعي من غرائز ونزوعات ودوافع جبلية وبين الرقيب الاجتماعي الذي يجسد ما تعارف عليه المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان من أفكار ومبادئ وقيم ومقدسات ومواضعات اجتماعية وأخلاقية، أو ما اصطلحت الطوبوغرافيا الفرويدية على تسميته.. الهو.. و.. الأنا الأعلى.. بل على النقيض من ذلك فقد غدت الأنا حلبة صراع وساحة قتال يلتقي فيها ذانك المكونان ليواصلا صراعها الذي ليست له نتيجة غير هزيمتهما معا أي هزيمة الإنسان.
وهي هزيمة منشأها تلك القطيعة داخل الذات الإنسانية بين مكوناتها، والتي هي امتداد لانبتات علاقة الإنسان بعالمه، وتأكيد لاغترابه عن نفسه وعن عالمه معا، وإذا كنا قد رأينا تلك الجروح النرجسية وفقا لفرويد، أو الحلقات المفقودة وفقا للمأزم الدارويني، أو الثقوب السوداء تبعا للغة التي ساهم كوبرنيكوس في تأسيسها، لم تعد محصورة فيما قرره فرويد، فسيهولنا.. ودون إفتاءات منا ولا مبالغة.. كم من شروخ في نسيج الثقافة الغربية وفي وجدان إنسانها بل وإنسان عالمنا المعولم، وذلك إذا ماتذكرنا ما أثر أفكار واكتشافات بعض المفكرين والفلاسفة والعلماء من زلازل وخضات معرفية وفكرية، مثل كانط، فويرباخ، نيتشه، ماركس، اشبنجلر، هيدغر، أينشتاين، نيلزبور، هايزنبرغ، فينر، كريك وغيرهم، وكل أولئك مفكرون وفلاسفة وعلماء يدينون بالانتماء والولاء للثقافة الغربية و ولا يمكن اعتبار أفكارهم وفتوحاتهم المعرفية إلا نتاجا لتلك الثقافة التي تصر.. رغم ما يعتورها من شروخ وثغرات كيانية وما تعانيه من انجراحاتها النرجسية .. على أن تضفي هيمنتها على العالم بكليته، وأن تتطفل على الإنسان فيه لتستحوذ عليه، تستحل وجدانه وتغتصب أخص خصوصياته وأن يكون لها الرأي النهائي والكلمة الفصل فيما تعلق بمعاني وقيم وجوده وحياته.

وإذا كنا نرى وفق وجهة نظر هذا المقال حقيقة الثقافة الغربية ولا نكاد نجد.. لكثرة ما بدا لنا من شروخ في نسيجها.. فارقا بينها وبين الغربال أو المنخل، ولكن إن تكن وظيفة الغربال هي الفرز والتنقية، والفصل بين الضار والنافع، وبين ما يليق بالإنسان وما يليق بالسائمة، فإن هنالك من لا يرى له من وظيفة غير تغطية الشمس ومحاولة إخفاءها بهدف التعتيم والتعمية، مما يفضي إلى اختلاط كل شيء بكل شيء، وإلى إظهار تلك الثقافة الموبوءة، بمظهر سوي بل وإلى تطويبها وادعاء أنها نموذج ينبغي أن يحتذى ومثل أعلى لا بد من اتباعه.

ولكن على أي حال فإن هذا الحديث لا يهدف إلى تسفيه مجاني للثقافة الغربية أو لغيرها.. فذلك في حد ذاته سفاهة.. ولا للتقليل من شأن الإبداعات الفكرية والأدبية والفنية والتقنية التي أنجزتها، بل جاء كمحاولة للفت انتباهنا وإثارة اهتمامنا بحقيقة تبدو لي بديهية مع إغفالنا لها وغفلتنا عنها، وتلك هي القائلة أن قيمة وأهمية ثقافة ما لا تتحدد بما تنتجه بمعزل عما تتأسس عليه تلك الثقافة نفسها من مبادئ وقيم، ذلك أنه لا شيء يمنع من أن يكون ذلك النتاج مجرد محاولة للتعويض عما تستشعره في أعماقها من نقص وقصور، بل وحتى محاولة للهروب من مواجهة ما تعانيه من إنجراحات وأدواء ومآزم كيانية تفقد ذلك النتاج السمات التي تؤنسنه والتي لا بد لها من أن تكون متأصلة في ذات الإنسان ومتجذرة فيها، وتحوله إلى عدو للإنسان وأداة تستلب خصوصا أولئك الذين ينظرون الى تلك الثقافة من زاوية الشعور بالتدني والذين لا تجاوز مواقفهم الإنبهار الطفولي الساذج، إنهم أولئك الذين يرون في الثقافة الغربية الطريق الوحيد لاستعادة الفردوس المفقود، وصك غفران حداثي.

إنهم أيضا من دعاهم المفكر الجزائري.. مالك بن نبي.. بتلاميذ أوروبا المعجبين، والذين اسمح لنفسي إذ انظر إليهم وقوفا عند بوابة الثقافة الغربية مزمعين الولوج إلى ساحتها، بأن يدققوا، النظر في تلك البوابة فلعله مكتوب على ناصيتها، ما كتبه دانتي في الكوميديا على مدخل الجحيم.. أيها الداخلون هنا، دعوا كل أمل خارجا..

مقالات ذات علاقة

الفيدرالية والأمية السياسية

يونس شعبان الفنادي

التفاوت

نجيب الحصادي

المطربات الليبيات ..حضور قوى و عمر فنى قصير

إنتصار بوراوي

اترك تعليق