من أعمال التشكيلي بشير حمودة
قصة

يوميات ليبية ممنوعة من السفر لشبهة الجوسسة

من أعمال التشكيلي بشير حمودة

(1)
انتظر بعد ساعات قليلة وعقب صلاة الفجر، أن استقل سيارة أجرة للذهاب إلى المطار.
يستغرق الطريق إلى المطار من مقر سكني حوالي عشرين دقيقة. وبسبب الوقت المبكر للسفر فضلت أن استقل سيارة أجرة على إيقاظ زوجي وايصالي خاصة وإنه سيتولى أمر ابنتي الصغرى التي ستستعد للذهاب إلى المدرسة.

(2)
وصلت سيارة الأجرة في الموعد، حمل السائق حقيبتي وأودعها صندوق السيارة، صعدت خلفه. السيارة نظيفة ومعطرة، والرجل يبدو أنه مسلم لتمتمته بكلمات تنم على التوكل على الله. سألته فيما إذا كنت أول زبائنه فوافقني ودعوت له بالسداد.

(3)
مبنى المطار مهيب عند الفجر وموظفات خطوط الطيران بأناقتهن المعتادة على أهبة الإستعداد، والمسافرون والمقاهي ودكاكين التذكار والجرائد كلها مفتوحة وتستقبل المسافرين. الإجراءات سهلة. اخترت مقعدي المفضل المطل على الممر. لكن موظفة الطيران أعلمتني أن هناك تأخير بسبب الضباب الذي يلف مطار الوصول.
إتجهت نحو طابور التفتيش الأمني الطويل. استغربت هذا الازدحام رغم التوقيت الباكر، لكنني انتبهت إلى أن الغالبية من رابطي العنق ومرتدي البدل الرسمية. تفحصت فيما لو كان من بينهم محامية أو محامي مسافر لحضور جلسة في مدينة أخرى.. وهبت ريح من الذكريات، حين كنت أخرج عقب الفجر صحبة أفضل الرجال عمي أحمد ميلود السوكني رحمه الله، في سيارة المكتب الزرقاء تنهب طريق الخمس، أو تصعد التشليوني لمدن وقرى الجبل.. أحضر الجلسات التي غالباً ما تكون في قضايا مرفوعة من سكان تلك المدن ضد جهات من خارجها.. وكانوا حضاريي السلوك يحتكمون للقضاء بإطمئنان، رغم شح الامكانيات.
نفضت تلك الذكريات من أمام عيني فانقشعت.. مررت عبر التفتيش الامني، واتجهت نحو البوابة.

(4)
الساعة الآن 11:300، مايزال المطار مزدحما والركاب صبورين ومتفهمين، وموظفي الخطوط يبذلون جهدهم في هدوء ودون نقاش، واطمئنان يسود المكان.. التأخير استمر لأن الضباب مايزال جاثما على مطار الوصول.
بادرت امرأة خمسينية الحديث معي.. قالت أن والدها توفي وإن اليوم جنازته وتمنت أن تصل في الموعد، وازاء هذا الخطب لم اشتكي من أي تأخير وفضلت الاستماع اليها.. ذكرت لي أن والدها عند وفاته كان يبلغ 95 سنة عاشها كما يحب ولم يفقد ذاكرته وتوفي في بيته.

(5)
أعلنت الموظفة عن إلغاء الرحلة.. وضاعت رحلتي الثانية.. ولم أنزعج فالمكان له احترامه ودفئه والجميع إما ينتظر أو مشغول في عمله أو صحبة هاتفه.. كتبت هذه الكلمات لحين اقلاع رحلتي.

(6)
ظلت الموظفة تدور حولنا وتحاول قدر الإمكان تنظيم الرحلات التي تراكمت، وتبادر بالاعتذار منا رغم أن السبب يعود إلى حالة الطقس والضباب.
وعلى تمام الثانية بدأنا بالصعود إلى الطائرة الصغيرة نسبيا ذات المحركين. أعلمنا قائد الطائرة بأنه سيحاول قدر جهده الهبوط، لكن الطقس في النهاية هو صاحب الكلمة الفصل وإن الضباب رغم نقصان كثافته إلا أنه مايزال يغطي وجه المدينة.

(7)
رحلة فوق السحب، لم تتكشف لنا الأرض ولا المدن ولا الخضار ولا أكوام الثلج ولا البحيرات أو الأنهار المتجمدة. وصلت الطائرة المدينة وأعلن قائدها إنه على مشارفها ولم نر شيئا، واسترسل قائلا إن لديه كمية كافية من الوقود للمحاولة أو العودة من حيث أتينا.
وفي حركة مفاجأة هبطت الطائرة حتى رأينا المباني العالية والأبراج تنهض وسط الضباب.. وابتسم الركاب، لكن الطائرة سرعان ما صعدت مجددا.
على صوت المضيفة بإن محاولة الهبوط لم تنجح وإن علينا العودة من حيث أتينا. ثم خرج علينا قائد الطائرة معتذرا أنه حاول ونزل بالطائرة لكنه اضاع المدرج بسبب الضباب.. وأفاد بأن كمية الوقود لن تسمح بتكرار المحاولة ولا بالمجازفة.. كان يتحدث كرجل البيت أو رب العمل. احتفظ الركاب بهدؤهم وصبرهم وابتسامتهم وتقبلوا الإعتذار بالشكر والعرفان ولم يطرحوا أسئلة، كان من الواضح أن علاقة متينة من الثقة قد نشأت طوال هذا اليوم الطويل.

(8)
هبطت الطائرة من حيث اقلعنا بخفة، واستقبلتنا الأرض الرحبة التي ودعتنا منذ ساعة، وظل الركاب على هدؤهم وصبرهم.. وها هو المطار البرح يفتح لنا ذراعيه مرحبا والموظفون ورجال الأمن ونبرة اعتذار عن ذنب لم يقترفوه، بل حالة طبيعية لا يد لأحد فيها.. مع عروض برحلات أخرى في الغد..
ورغم طول اليوم وتعب الانتظار وارهاق السفر الذي لم ينجز.. تذكرت ذلك القرار اللعين بحروف الجهل والذل لمواطنات بلد ينزفن من رجاله.
الآن في انتظار زوجي لكي أعود إلى البيت.

مقالات ذات علاقة

مكـتب الرئيـس

عزة المقهور

سيرة ذاتية لموتٍ أنيق

المشرف العام

الحذاء (الشْلاكة)*      

المشرف العام

اترك تعليق