سرد

يوميات زمن الحشر

فصل من رواية

 

بعد انقضاء أسبوع على المذبحة ظهرت أمام إدارة المعتقل مفارقة رغم عدم خطورتها إلا أنها لم تكن في الحسبان، مما جعل العقيد الجبالى ومعاونيه يطلبون تعليمات واضحة من المسؤولين بخصوص التعامل مع هذه المفارقة، فقد حل موعد مجئ ذوى المعتقلين الذين يأتون مرة في نهاية كل شهر محملين بالمواد الغذائية والملابس ليسلموها إلى الإدارة التي تقوم بإيصال بعضها إلى المعتقلين حسب أسمائهم المرفقة بهذه المواد ورغم انه لا يسمح لعائلات المعتقلين بزيارتهم إلا إن هؤلاء اعتبروا السماح لهم بإدخال الغذاء إلى المعتقل خطوة ايجابية نظرا لعلمهم بأن من بين ما يعانى منه المعتقلون هو سؤ التغذية وحاجتهم إلى الملابس في فصل الشتاء لأن المعتقل لا يصرف لنزلائه ملابس السجناء المعروفة، ولهذا فقد واظبت هذه الأسر بعد أن سمح لها  منذ ثلاث سنوات، على ما يسمى اصطلاحا بالزيارة الشهرية.

طوال الأسبوع الأخير من كل شهر تكتظ الساحة الخارجية للمعتقل بهؤلاء الزوار القادمين من مختلف أنحاء ليبيا حاملين معهم ما يتمنون إيصاله إلى أقاربهم من المعتقلين، ونظرا لعدم قدرة إدارة المعتقل على استقبال هذه الأعداد الكبيرة في وقت واحد فقد وضعت الإدارة نظاما لتلافي الفوضى والإرباك فأصبح الزوار يقومون بزياراتهم حسب هذا النظام الذي يقوم على أساس توزيع أيام الأسبوع على المدن والجهات التي يأتي منها الزوار، فتم تخصيص يومي السبت والأحد لمدن درنة وطبرق والبيضاء، ويومي الاثنين والثلاثاء لمدينة بنغازي وما حولها، أما يوم الأربعاء فكان من نصيب مدينة اجدابيا والجهات التابعة لها، بينما تم تخصيص يوم الخميس للمدن والجهات الليبية الأخرى بما في ذلك طرابلس.

رغم انه لم يكن بإمكان اهالى المعتقلين معرفة ما إذا كانت كل المواد التي يسلمونها إلى إدارة المعتقل تصل إلى من ينتظرونها أم لا، وذلك لعدم وجود اتصال بين الطرفين، إلا إنهم داوموا على ما يسمونها الزيارة الشهرية ، بينما كانت إدارة المعتقل تحت إشراف العقيد الجبالى تقتطع نصف هذه السلع، ولاسيما ما هو مطلوب منها في السوق، وتتصرف فيه عن طريق وسطاء يقومون ببيعها في الأسواق ومن ثم يتم تقاسم العائد بين العقيد الجبالى ومعاونيه من أمثال النقيب الهادي عمار ورئيس العرفاء سحبان القمودى.

ظل هذا الوضع يسير على أكمل وجه بفضل الترتيبات الناجحة التي وضعتها الإدارة التي توخت الحكمة في اقتسامها العادل لهذه المواد مع المعتقلين، غير إن المذبحة التي وقعت منذ أسبوع خلقت وضعا جديدا بسبب موت أكثر من ألف معتقل سيأتي أهلهم بعد أيام حاملين معهم سلعا ومواد لا تستطيع إدارة المعتقل أن تتصرف فيها دون إذن من الجهات العليا العليمة بهذا الوضع ، فهذا ما أدى إلى ارتباك إدارة المعتقل واضطرارها إلى طلب التعليمات من الجهات المسؤولة.

عندما جاءت التعليمات جمع العقيد الجبالى معاونيه الذين على صلة مباشرة بالموضوع وابلغهم بأن التعليمات تطلب منهم أن يستمروا في التعامل مع الأمر كما كانوا يفعلون في السابق.

يسأل النقيب الهادي عمار رئيس مكتب الأمن في المعتقل والذي لديه قوائم المعتقلين وهو الرجل القوى في إدارة المعتقل لأنه هو همزة الوصل بين الإدارة وجهاز الأمن المسؤول عن الاعتقال والتحقيق والتعذيب: ماذا عن السلع والمواد التي نستلمها.

يرد عليه العقيد الجبالى : نستلمها كما نفعل في السابق ونقوم بتصريفها بالكامل كما كنا نفعل بجزء منها في السابق.

كان هذا يعنى إن إدارة المعتقل قد آلت إليها بالكامل حصة أكثر من ألف من ضحايا المذبحة إلى جانب نصيبها المعتاد وهو نصف الكمية التي تأتى إلى الذين ما يزالون على قيد الحياة.

يتدخل رئيس العرفاء سحبان القمودى المسؤول المباشر عن استلام السلع واستقبال الزوار والمكلف بتسويق هذه السلع: إذن يجب البحث عن أماكن تسويق ووسطاء جدد.

يرد عليه العقيد الجبالى: أمامك يومان فقط قبل بداية الزيارة لتتدبر الأمر.

يخاطب النقيب الهادي عمار رئيس العرفاء سحبان القمودى بلهجة بين الجد والهزل: إياك أن يؤدى سوء تخطيطك وتصرفك بهذه السلع إلى كشف ما هو اكبر لأنه لن يكون أمامك في تلك الحالة سوى المشنقة.

يجيبه رئيس العرفاء مطمئنا: من هذه الناحية اطمئن يا افندى.

ينهى العقيد الجبالى الاجتماع فلم يكن هناك ثمة جديد يمكن مناقشته سوى الزيادة التي طرأت على كمية السلع التي أصبحت ضعف ما كانوا يتصرفون فيه في السابق فتركوا أمرها إلى رئيس العرفاء سحبان القمودى ليبحث لها عن أماكن تصريف ووسائل لا تلفت النظر وتثير الشبهات.

لم يجد رئيس العرفاء سحبان القمودى صعوبة في حل هذه المشكلة الطارئة، فوجد وسطاء وتجار يشترون البضاعة ليعيدوا بيعها في محلات ومتاجر مدينة طرابلس والضواحي البعيدة على أساس أنها تمت مصادرتها من قبل الحرس البلدي ويجرى إعادة بيعها للمواطنين. فبعد إن تم السماح بعودة المتاجر والمحلات الخاصة التي ألغيت لأكثر من عقد من الزمن ، سرت حمى فتح المحلات التجارية والدكاكين كردة فعل عما كان يعانيه الناس من منع التجارة المحلية لعدة سنوات، ولهذا فقد اخذ الحرس البلدي يشن حملات تفتيشية لضبط المحلات التي تعمل دون ترخيص، فيقوم بأقفالها ومصادرة السلع الموجودة بها وبيعها واقتسام عائدها بين أفراد الحرس البلدي الذين يقومون بهذه الحملات.

فتح باب المعتقل كالعادة عند الساعة العاشرة لاستقبال الزوار الذين تكدسوا أمام الباب منذ ساعات، فبعضهم وصل قبل الفجر وقد قضوا يومهم السابق مسافرين على الطريق الساحلي قادمين من مدن بعيدة في أقصي شرق ليبيا مثل طبرق ودرنة، فالذين يسافرون عن طريق الجو قلة ميسورة أما الأغلبية فيأتون عن طريق البر ويصلون طرابلس في ساعات الفجر الأولى ولا تسمح لهم إمكاناتهم المادية قضاء بقية الليل في الفنادق، فيظلون مرابطين بالقرب من المعتقل يغالبون النعاس والتعب على أمل أن يكونوا من أوائل من يقومون بتسليم ما معهم من مواد إلى إدارة المعتقل وذلك كسبا للوقت لكي يستأنفوا رحلة العودة مبكرا في نفس اليوم.

بدأ استلام المواد المحرزة في صناديق من الكرتون مكتوب علي كل منها اسم المعتقل المراد إيصالها إليه، كان رئيس العرفاء سحبان القمودى يقف بين معاونيه من الحرس المنهمكين في استلام الصناديق ونقلها إلى المخازن تحت إشراف العريف معتوق مادي وذلك بعد أن يقوم هو شخصيا بمعاينتها للتأكد من أنها لا تحتوى على موادي يحظر دخولها إلى المعتقل.

لم يغير رئيس العرفاء سحبان القمودى شيئا من عاداته التي إلفها منه الزوار، صياحه، تبرمه من تصرفات بعضهم ورفضه استلام بعض المواد التي يدعى إنها محظور دخولها، بينما هي في الحقيقة مطلوبة في السوق وثمنها مرتفع ويقبل عليها التجار الذين يتعامل معهم.

يظل الزائر يتوسل إليه لكي لا يردها عليه  فينتحي بالزائر جانبا ليقول له : لا استطيع أن استلمها منك علنا لأنني بذلك افتح  الباب للجميع فيأتون بهذا النوع من السلع الممنوعة على السجناء وتعلم بذلك إدارة السجن  التي لا ترحم، ولكن سأقبلها منك هذه المرة أما في المرة القادمة إذا أحضرتها فيجب أن تقول لي قبل أن افتح الصندوق: نهارك سعيد ومبارك حتى تذكرني فلا افتح الصندوق  وتحرجني أمام الآخرين ، ولكن لا تقل هذا لأحد.

كان يبرم مثل هذه الاتفاقات مع عدد كبير منهم كل على حده فيظن كل واحد منهم بان رئيس العرفاء سحبان القمودى قد جاد عليه بمنة لم يحصل عليها غيره.

تقدمت منه عجوز متشحة بالسواد وجهها محفور بالتجاعيد الحزينة والوشم، ثم أشارت إلى صندوق الكرتون الذي لم تستطع حمله طالبة منه أن يوصله لابنها، فنظر رئيس العرفاء إلى الكر تونة ثم قال لها: هذا الصندوق لا يحمل اسم الشخص ولابد من كتابة اسمه

يتطوع احد الزوار فيكتب ما تمليه عليه العجوز، فيأمر رئيس العرفاء احد الحراس بحمل الصندوق وهو يقول بتبرم: (ما حدش جاى امعاكى أيشيل الصندوق) أليس معك مرافق يحمل عنك هذا الصندوق.

ترد عليه العجوز: (يا باتي  اللي  كان أيشيل في الصندوق  الله يرحمه، خيه اللي مات من شهرين في طريق اجدابيا  وهو شايله الدبش) الذي كان يحمل عنى الصندوق هو شقيقه الذي توفي منذ شهرين على اثر حادث سير وقع له وهو في طريقه إلى هنا حاملا معه بعض الحاجيات لأخيه.

يهز رئيس العرفاء سحبان القمودى رأسه بطريقة تعبر في ظاهرها عن الأسى واضعا يده على كتف العجوز: ( باهى  باهى  يا حاجه  تو  أنوصل الصندوق الولدك  خلاص  توكلي على الله) .

يثير هذا التصرف لدى العجوز إحساسا بالطمأنينة تجاه رئيس العرفاء وتجيش في نفسها البسيطة مشاعر الأمومة المتمردة على الكهولة، فتقترب منه وهى توشوش متوسلة: ( الله أيربحك  يا وليدي، خليني أنحقه  حتى من بعيد  لا أنتكلم  امعاه  لا شي  أمغير أنحقه بس) أتوسل إليك  يا بني أن تتركني أراه  ولو عن بعد ( تقصد ابنها المعتقل) .

يرد عليها رئيس العرفاء سحبان( أنا يا حاجه  مسؤول عن الحوايج بس، أما المحا بيس موش شورى ، فهمتي   هيا   توا  برى  توكلي  على الله).

تتلكأ العجوز في مغادرة المكان معتقدة إن رئيس العرفاء سحبان القمودى يمكن أن يرق قلبه وانه فعلا قادر على أن يجمع بينها وبين ابنها غير أن رئيس العرفاء يطفح به الكيل فيدفع العجوز بعيدا عنه قائلا: ( بري  يا  حاجه  الله أيبارك فيكى  خلينا انشوفو شغلنا) .

يمد لها احد الزوار يده ويسحبها نحوه لينقذ أما بسيطة بائسة كهلة من مزيد من الاهانات ولكي يجنبها أيضا غضبة رئيس العرفاء التي قد يطال شرها كل زوار هذا اليوم، فلا يزال بعضهم يتذكر ذلك اليوم منذ من أكثر من سنتين عندما قام رئيس العرفاء سحبان القمودى بطرد جميع الزوار وإقفال باب المعتقل بعد أن رفض استلام ما كان معهم من سلع، وذلك على اثر ملا سنة بينه وبين الزوار بسبب إساءة معاملته لبعضهم.

لم يكن الزوار يدركون إن الأمر قد تغير عما كان عليه منذ سنتين، فبعد أن اهتدت إدارة المعتقل إلى فكرة تقاسم السلع مناصفة مع المعتقلين لم يعد من مصلحة رئيس العرفاء أن يرفض استلام السلع التي له فيها نصيب كما إن شريكيه في إدارة المعتقل، العقيد الجبالى والنقيب الهادي عمار لن يسمحا له  باتخاذ قرار ارعن كهذا.

انتهت أيام الزيارة وتم تفريغ المواد من صناديقها وتصنيفها وحجز الكمية المستحقة للإدارة  استعداد لشحنها وإرسالها إلى شبكات التوزيع،فحضر كل من العقيد الجبالى والنقيب الهادي عمار لإجراء مطابقة بين القوائم والبضائع الموجودة في المخزن.

كانت الأصناف متعددة والكميات كبيرة قادمة من مختلف أنحاء البلد فنظر النقيب الهادي عمار بعين الارتياح إلى الكمية التي آلت إليهم بعد المذبحة قائلا: يا الله كم هي  كبيرة الكمية التي كانت تضيع منا في السابق.

يصدر العقيد الجبالى أمره : رئيس العرفاء سحبان  داوم عملك، يجب أن تكون البضاعة كلها خارج المخازن قبل الصباح.

ظل رئيس العرفاء مداوما على استلام السلع التي يأتي بها الزوار وبيعها في الأسواق، ومع توالى الزيارات والشهور بدأت تنبت في رأسه أفكار جديدة  وإغراءات تحرضه على عدم الاكتفاء بنصيبه في الشراكة مع العقيد الجبالى والنقيب الهادي عمار، وبدا له إن كل الأمور في البلد تدار بواسطة نظام تراتبية العصابات، فكل عصابة فوقها أخرى تستمد منها وجودها وشرعيتها وتقدم لها العصابة الدنيا في مقابل ذلك  الخدمات المطلوبة منها مع احتفاظها باستقلالية العمل من اجل مصالحها الخاصة، ومن هنا فقد رأى رئيس العرفاء سحبان القمودى بأن العلاقة بينه وبين شركائه أيضا يجب أن تخضع إلى قواعد هذا النظام السائد في البلد، ولهذا فقد قرر أن يؤسس جماعة من المتعاونين معه ليحصل على نصيب اكبر من غنيمة المعتقل التي لا يقل إيرادها عن خمسة آلاف دينار شهريا.

أتاح له العمل طوال هذه المدة فرصة تدوين قائمة بأسماء أعداد كبيرة من المعتقلين والتي يجدها مكتوبة على الصناديق التي يستلمها كل شهر كذلك تعرف من خلال هذا العمل على أسماء العائلات الميسورة وذلك من خلال فحص ما تحتويه هذه الصناديق من مواد وسلع تدل على يسر أصحابها.

أحس رئيس العرفاء بأن امتلاكه لهذه المعلومات يجعله قادرا على إقامة مشروعه الخاص  وتنفيذ الفكرة التي راودته، وهى تعتمد على انتقائه في كل زيارة عددا من أسماء المعتقلين  المنتمين إلى هذه الأسر ويقدم طلبات مزعومة من هؤلاء إلى أذويهم يطلبون فيها تزويدهم بمواد وسلع غذائية معينة يعرف إنها ثمينة ومطلوبة في هذا الموسم كبعض أصناف الفواكه الطازجة والعسل واللوز وغيرها.

بدا المشروع ناجحا دون عقبات تذكر، ففي كل زيارة يختار عددا من هؤلاء ليقدم باسمهم هذه الطلبات إلى ذويهم الذين يقوم معظمهم فرحين بشراء هذه المواد بعد أن يخبرهم رئيس العرفاء سحبان القمودى عن التحسن التدريجي الذي طرا على الحياة في السجن  من انفتاح ورفع الكثير من القيود.

اختار رئيس العرفاء سحبان العريف معتوق مادي سائق احد لوريات المعتقل الذي لا يثير وجوده بالقرب من المخازن أية شبهة لدى إدارة المعتقل، فيظل العريف معتوق مادي مرابطا طوال أسبوع الزيارات بالقرب من المخازن حيث يجرى شحن هذه المواد مباشرة في أللورى دون  تخزينها  ثم ينطلق بها إلى المكان الذي يتم فيه تصريف البضاعة.

ازدهر مشروع رئيس العرفاء مع العريف معتوق مادي وأصبح له دخلا شهريا  إضافيا إلى جانب نصيبه مع شريكيه الآخرين.

بعد مضى بضعة أشهر اكتشف النقيب الهادي عمار هذه الخيانة فتم استدعاء رئيس العرفاء وشريكه العريف معتوق مادي، إلى جلسة سرية تضم العقيد الجبالى والنقيب الهادي عمار  فأعترف رئيس العرفاء سحبان القمودى بما فعله واعتبر ذلك من حقه وليس فيه ما هو خارج عن المألوف  فهذا التصرف لا يختلف عن استلام وبيع المواد التي لم يعد أصحابها أحياء أو التصرف في نصف ما يأتي من هذه المواد إلى الذين ما يزالون أحياء في المعتقل.

ينهره العقيد الجبالى بلهجة عسكرية جافة: اخرس لا تقارن ما تقوم به من نصب واحتيال بما قمنا به اضطرارا حفاظا على أسرار الدولة من اجل المصلحة العليا، فهل تريدنا  أن نرفض استلام هذه المواد لنفتح الباب أمام الشكوك والتساؤلات التي قد تؤدى إلى كشف ما ليس من المصلحة العليا الكشف عنه.

يرد عليه رئيس العرفاء سحبان القمودى مذكرا إياه بما قد يكون نسيه: أنا أيضا يا فندى حريص على مصلحة وحماية الثورة  لا بصفتي رجل امن فقط بل أيضا وقبل ذلك بصفتي عضو مثابة ثورية، أما هذا التصرف الذي قمت به وتسميه نصبا، هو الذي يخدم المصلحة العليا، لأنه يسد الباب أمام هذه الشكوك والتساؤلات، فطلب أنواع معينة من المواد باسم المعتقلين في كل زيارة لا يعنى بالنسبة إلى أهلهم سوى إن هؤلاء أحياء يرزقون يمارسون الرغبات والشهوات.

سقط في يد العقيد والنقيب عندما كشف لهم رئيس العرفاء عن المغزى الحقيقي لتصرفه الذي وصفوه عن جهل بالنصب والاحتيال، بينما المقصود به- في واقع الأمر- هو الدفاع عن الثورة التي ليس للدفاع عنها حدودا ولا محظورات.

لم يكن استدعاء رئيس العرفاء سحبان القمودى والعريف معتوق مادي من اجل معاقبتهما فالعقيد والنقيب يدركان بأن ما يقوم به رئيس العرفاء ليس إلا تفصيلا من تفاصيل السياسة التي تتبناها إدارة المعتقل برضي ومباركة الجهات العليا، ولهذا فأن هذه الجهات لن ترى في تصرف  رئيس العرفاء  جريمة تستحق العقاب طالما إن مغزى التصرف وهدفه واضح وهو الدفاع عن الثورة.

لم يكن بإمكان العقيد الجبالى إنزال أية عقوبة عليهما بما في ذلك نقلهم إلى مكان أخر، نظرا لوجود أوامر مستديمة تحظر نقل اى شخص حضر أو ساهم في مذبحة المعتقل إلى أي مكان أخر.

كان المأخذ الوحيد ضد رئيس العرفاء سحبان القمودى هو قيامه بإنشاء مشروع خاص به من وراء ظهر شركائه فقال له النقيب الهادي عمار معاتبا: لم أكن اصدق أن تقوم بهذا العمل دون علمنا، وأنت تعلم أننا نحن المسؤولون عن كل ما يمكن أن يحصل في السجن سواء علمنا أو لم نعلم به .

يتدخل العقيد الجبالى بلهجة حاسمة: إذا كان لا بد من الاستمرار في هذا الموضوع  فيجب أن يكون من الآن فصاعدا تحت إشراف إدارة السجن.

كان ذلك عرضا أخيرا على رئيس العرفاء سحبان القمودى بان يقبل الشراكة في مشروعه إذا كان يريد له الاستمرار دون الدخول في صراع مع رجال أقوياء من أمثال العقيد الجبالى الذي يتمتع بثقة الجهات العليا واشرف على إدارة السجون التي شهدت التعذيب والتصفيات الجسدية منذ الثمانينيات، كذلك النقيب الهادي عمار الذي شارك في عدة تصفيات لأعداء الثورة في الداخل والخارج ويتمتع بسلطة الاتصال المباشر دون وسيط بالجهات العليا، لهذا فقد وجد رئيس العرفاء من الأفضل له أن يكتفي بما حصل عليه من مشروعه قبل اكتشاف أمره، وان يقبل بمشاركتهما له مثل شراكته لهما في بقية مشاريع المعتقل الأخرى التي أقاموها ونموها في برك الدم والمقابر الجماعية.

تمت تسوية الخلافات بين أعضاء الإدارة قبل أن تتطور وتؤدى بالسلطات العليا إلى إحلال آخرين محلهم كعقوبة لهم على فشلهم في التفاهم حول اقتسام غنيمة الموقع الممنوح لهم، فقد أدركوا بأن مصلحتهم تقتضي عليهم أن يتفاهموا حول تقاسم ما بين أيديهم من غنيمة وان يرضوا بها مهما كانت صغيرة مقارنة بغنائم عصابات أخرى تدير شركات تبلغ غنائمها الملايين.

هدأت الأمور وعادت إلى سابق عهدها في معتقل أبو سليم، غير إن العريف معتوق مادي كان هو الخاسر الوحيد في الاتفاقات الجديدة فلم يحصل سوى على نصيب ضئيل لا يتعدى ما ئتى دينار تمنحها له إدارة المعتقل شهريا، فأحس بغبن شديد ولكنه أبدى في الظاهر رضاءه  وعرفانه بالجميل بينما قرر بينه وبين نفسه الانتقام عندما تحين الفرصة، فهو مثلهم مطلع على كل الأسرار والأحداث التي وقعت في المعتقل وشارك في المذبحة من بدايتها إلى نهايتها  وحمل في اللوري الذي يقوده الكثير من جثامين الضحايا إلى الحفر الجماعية.

ظلت أبواب المعتقل لأكثر من خمس سنوات مقفلة على أسرار ما جرى، وظل اهالى الضحايا يزورون المعتقل في نهاية كل شهر محملين بالسلع والمواد الغذائية دون أن يدروا أنهم يطعمون موتى فارقوا الحياة منذ سنوات ونخر عظامهم التراب.

مقالات ذات علاقة

فـوضـى

الصديق بودوارة

غزالة ترغلات*

منصور أبوشناف

صديقي بركاى هامشيمي

المشرف العام

اترك تعليق