قراءات

يكفي الشعر أنهُ شعر

مثل كل الشعراء الذين رحلوا مبكراً تاركين وراءهم فقط قصائدهم لتواصل حفرها في ذوائق القراء، رحل شاعرنا فتحي الحريزي الذي نتصفح ديوانه الوحيد اليوم – حسب معرفتي المتواضعة – “أنين السجاد” في هذه المداخلة المقتضبة… الديوان الذي احتوى على قصائد عديدة وحاول فيه الشاعر لملمة شتات مشاعره وأحاسيسه وأفكاره ونظرته للحياة والكون، صدر عن مجلة المؤتمر، وجاء في 78 صفحة من القطع المتوسط حوت 32 قصيدة، وفي حين جاءت قصائده النثرية بهيئة شذرات ونفثات حارة أو إضاءات خاطفة تُحيط بالمعنى وتولده، عمِلَ قائلها على أن يصوغها في جُمل مُركَّزة ومقاطع عالية الكثافة بحيث لا تقول إلا ما هو ضروري وتنأى عن الحشو والزيادة.

غلاف كتاب_أنين السجاد

هي خُلاصة تأمل وغوص في ماهيات الأشياء والحياة اقتنصها الشاعر، بل انتزعها انتزاعاً من العابِر والمتحول والهامشي ليمنحها وجوداً بقوة اللغة وليضعها بين دفتي ديوان لتنظم تلقائياً إلى مُنجز شعري لا يقتصر على ليبيا فقط بل إلى موروث شعري إنساني عام لا يرتبط بزمان أو بُقعة مُحددة، شعر إنساني يُقرأ في أي وقت وفي أي مكان، شعر يُسهم في تعمير الأرض وتدجين الحياة، شعر ينتصر للحب وللسلام وللخير والتسامح في عالم أسفر عن وحشيته وأمعن في قسوته… واحة ظليلة وجرعة اكسجين هذا الديوان في مُحيط مُلوث بالدخان والسخام، أو هكذا رأيته بما يحمله من تأملات شفيفة وصور رائقة وجماليات متجددة تطبعها في الأغلب سمة البساطة… ومن الإهداء نعرف أن الشاعر محيي الدين المحجوب صديق شاعرنا هو من قام بمراجعة الديوان أو تهذيبه بحسب تعبير الشاعر نفسه، وذلك  يعني تجاوز المراجعة اللغوية إلى تهذيب المعنى وحتى توليده وتعميقه، في تقديري، والمُطلِع على شعر محيي الدين المحجوب بمقدوره القبض على البصمة الخاصة به هُنا، على الأقل لناحية الأختزال، ولربما كان لتأثر الشاعر الراحل فتحي الحريزي بشعر المحجوب علاقة بالأمر، وهو الذي يقول في إهدائه.

إلى صديقي الشاعر محيي الدين المحجوب
وهو يُهذب الكلمات
أملأ يدي من يديه
وأرسم قبلة.

لا يجترح شاعرنا قصائد طويلة أو ملحمية وبدلاً من ذلك يبث أشواقه ويرسم حالاته المتبدلة على شكل نفثات برقية ورسائل مقتضبة تلمح أكثر مما تُصرح، وحتى القصيدة الواحدة التي تتوزع على ثلاث أو أربع صفحات يكتبها شاعرنا بصيغة فقرات متتابعة يفصل ما بينها مساحة زائدة من البياض أو الفراغ، غير أن موضوعها الواحد أو وِحدتها العضوية تضفر هذه الفقرات في جديلة وحيدة وتجعل منها مكملة لبعضها البعض، ونلحظ هذا النظام الذي اعتُمِدَ في الديوان منذُ أول قصائده وهذا يُذكِّر بجُملة.. متمهلاً كعادتي.. فالشاعر لا يتسرع ولا يستعجل كتابة شذراته ولا تأخذه إغواءات الكتابة بعيدا ولا ينجر وراء وسوستها بحيث يُطلق لقلمه العنان ليصول ويجول، وإنما تبدو حركاته محسوبة ومتمهلة وهادئة بحيث تبدو القصيدة الواحدة تنويعاً على معناها المدسوس بداخلها، وهذا يجعلنا نصنف الشاعر في خانة شعراء النفس القصير فلا وقت للإطالة ولا للإسهاب في مُعتقده الشعري، وإنما هي فكرة تداهم الشاعر فيلتقطها من آخرها ليخلدها بلغته ويسبغ عليها من تجربته لتصبح ملكيتها خاصة به… وإذ ينفث الشاعر رغائبه وينقش أشواقه ويطرح أحاسيسه في صيغة شعر طفيف ومُحكم، لا يقفز خارج نِطاق ذاته سواء أطلق أسئلته الحارة أو ناجى خيال الحبيبة أو عدَّدَ أفعاله أو استجدى السلام لنفسه القلقة، من النفس ينطلق الشعر ليعود ويحط على أرضها في نهاية المعنى… “بللُ في القلب” عنوان يُحيل إلى ما هو آت في القصيدة فالأمر هنا لا يتعدى شواغل القلب كما تُشي العتبة، فالشاعر في عزلته الشاسعة وفي غفلة الآخرين عنه، لهُ طقوسه وعالمه الذي يجوس جهاته منفرداً، ولهذا.

كل ليلة
أرحل إلى اتساع آخر
أُبدد وجعي
على حافة الهدوء.
هذا ما يقرره الشاعر ذات عزلة.
ومع استقامة الريح
أنثر كلماتي.

وينعطف لمناجاة الغائبة بقوله:

أطلقت العنان لجوادي
لأنكِ الأجدر باعتلائه.

ثُمَ يضع فاصِلاً من البياض كما لو أنه يلتقط أنفاسه ويستعد للأنطلاق من جديد ويستأنف:

أنا ككل المراكب
ألِفتُ مرفأكِ.
إلى أن يُردف.
بأي وجه
تجليتِ لليل فجعلتِهِ دكا.

ولا يخفى في هذه الجملة التناص الصريح مع القرآن الكريم… وتحت عنوان “الآن” تشدنا هذه الفقرة من القصيدة:

الأن غرفتي مُبعثرة
أُفكر أن أُرتب العالم.

وكان المعنى سيكون أعمق لو استعاض الشاعر كلمة غرفتي بكلمة أشيائي أو أشياء غرفتي، مثلاً فالغرفة لا تتبعثر وإنما الأشياء التي تؤثثها هي القابلة للتبعثر، أو هكذا رأيتها، بيد أن الفكرة واضحة والجُملة الشعرية على قُصرها الشديد ترسم حجم خراب العالم وأيضا ترسم حجم تشظي الشاعر وتحكي قلقه الأبدي ولا أستقراره الفطري، كون الشاعر لا يقول ذاته فحسب هنا بل لا واعيا يقول كل قبيلة الشعراء فمن سمات الشعراء القلق أيضا وإلا لما قالوا الشعر وانجذبوا إليه، فالقلق عامل مهم يدفع باتجاه الشعر وقوله، وحيثُ لا قلق لا شعر أو لا شعر جيد على الأقل لأن ذلك يعني أن لا حرارة ولا صدق تجربة ولا حيوية.

كلما آنستُ ناراً، أرض الله واسعة، أُعيذها، أزِفَ الوقت، كلمات وجُمل تحيل بلا مواربة إلى النص المقدس، وهذا يُشي ببعض ثقافة الشاعر ومخزونه المعرفي ومصادر ثقافته. وها هو الليل الذي هو اللباس والسكن وبراح التأمل والحلم يرتدي جبة القسوة وخيبة الأمل عند الشاعر متألماً مُعاتباً يخاطبه:

إلى متى أيُها الليل
تُحاصرني بأذُنيك
كلما آنستُ ناراً
حاصرتني العتمة
وأطفأت جذوة الحلم.
والشاعر على استعداد لأن يُعطي ويهب بلا مقابل..
إلى حبيبتي
أزُف قلبي
كما تشتهي.

ذلك لأنهُ، ودائماً لا يعني إلا ذاته الملتصقة بهِ حين يتغنى..

إلى ساقية أعرفها
يقودني عطشي .

إذن هي ساقية خاصة بالشاعر لا يُشاركه فيها أحد، وهذا يعيننا على اكتشاف منابعنا الخاصة وسواقينا الشخصية كمتابعين… من الذي قال ومن الذي قيل له وما المناسبة ؟ لا نعرف ولكن الذي نعرفه إنَ هذا الكلام يشبه إلى حد بعيد كلام المتصوفة ويتقاطع وأدبياتها التي قرأناها للنفري وابنُ عربي وغيرهم من رموزها التي انقسم الناس حولها بين من يعتبرهم مبدعين وأصحاب تجارب روحية وإنسانية، وبين من يعدهم ضالين وخارجين عن الملة وإصحاب شطحات تذهب بهم قصيا عن الدين، فكل إنسان لا بد في وقتٌ ما أن يقوده عطشه إلى نبعٍ ما لا يراه إلا هو فالحيرة عطش والسؤال عطش والخوف عطش والشك في قرارته ظمأ لأنه بداية البحث عن يقين.

وأمام سيل الكلمات وفي غمرة البوح لا خجل ولا أسرار تزهو بغموضها وللقلم كل شيء مباح ومتاح، حتى الوقار يتداعى وينهار ليظهر الإنسان عارٍ إلا من رغباته واشتهاءاته وحتى جنونه ففي الكتابة حياة أُخرى، لذلك:

وحدهُ القلم
يهتك عُريَ وقاري ولا أخجل.

يقرر الشاعر، هذا قبل أن يهتف:

يا وجعي
تحت أي شمس
أنشرك
ولا يراك أحد.

دائماً وبهيئة ومضات ساطعة الشاعر ينثر حكمته التي يتفرد بها ويمضي إلى شؤون قلبه:

بئر
يشهد كل المواعيد المبرمة
صارَ وحيداً الآن.

وهذا يستدعي وبلا وعي قولهُ تعالى ” بئر معطلةٍ وقصرٍ مشيد ” في سورة الحج،  وهذا أيضا يؤكد اتكاء الشاعر وبكثافة على النص المقدس الذي ربما يكون قد تشربه صغيراً في الكُتاب الأمر الذي لا يجد معه الشاعر مفرا من التأثر به حد الأستعانة به في تأثيث نصوصه القصيرة واللجوء إليه كلما تطلب الأمر ذلك وبلا تردد… ويُتوج الشاعر حكمته بهذا الأجتراح الدال:

حظ الماء
أنهُ ماء.

يكفي الماء الذي هو هنا رمز أو إحالة إلى الشاعر نفسه أو لكونه ماء فقط، يكفي الماء أنه ماء لا أكثر، فالماء في غير حاجة للمديح أو للتزكية أو للتقديم فالماء، ماء وحسبه من التكريم والتبجيل والتفضيل أنهُ ماء، والشعراء يخالط طبعهم الغرور والشعور بالتميز، ولابد أن يتسرب شيء من هذا الشعور إلى قولهم سواء ادركوا ذلك أم لم يدركونه، وشاعرنا ليس استثناء وسنجد أدِلة كثيرة وبراهين دامغة لو تتبعنا شعر العديد من الشعراء لإثبات هذه الفرضية، وحسب الشاعر أنه شاعر وهذا يكفيه ويشبع زهوه وإعجابه بنفسه – على أن لا يرتقي الإعجاب إلى مرحلة النرجسية والأنانية المقيتة التي تزدري الأخر وتكرس التمحور حول الذات – .

جميلة السياحة في الديوان ومحاولة استنطاق المنسي فيه وغير الملتفت إليه إلا أننا نكتفي بهذا القدر من التناول، وسنكون مسرورين لو أننا نجحنا في استقطاب هذا الشاعر إلى ذائقة متلقي واحد مثلاً والتعريف به، سيما وإن مُنجز الشاعر اكتمل بوفاته ولا يمكن بأي حال من الأحوال إضافة شيء إليه إلا من خلال إضاءته وتناوله بالبحث والنقد والتحليل، ولا ننسى في ختام المداخلة وبهذه المناسبة أن نستمطر شآبيب الرحمة على روحه الطاهرة وندعو الله أن يتغمده بواسع مغفرته ورضوانه.

______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

(من حصاد العمر) يكشف رسائل الشيخ عبداللطيف الشويرف إلى العقيد معمر القذافي

يونس شعبان الفنادي

كتاب (محمود أحمد المنتصر ودوره السياسي في ليبيا) إثراءٌ للمكتبة السياسية والتاريخية

يونس شعبان الفنادي

السلام على منصورة

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق