من أعمال التشكيلية خلود الزوي
قصة

يس …. يم

من أعمال التشكيلية خلود الزوي
من أعمال التشكيلية خلود الزوي

(المدرسة)

“يس يم … يسار يمين…..”!

صوت نسائي أجش، يخترق هدوء ساحة المدرسة..

تقع المدرسة في عمق حي سكني، تفاجئك وسط الفلل الأنيقة، بمعمارها الجامد ومساحتها الواسعة وقلة مبانيها، كصخرة صماء ترتفع بنصفها الأعلى وسط المياه، أوطائر عملاق بين طيور مسالمة.

يتكون المبنى من دورين على شكل مستطيل ناقص ضلع، تتراصّ الصفوف الدراسية على ضلعيه المتقابلين، بينما يقع مبنى الإدارة وحجرة المدرسات على ضلع القاعدة، كان زينا الدراسي رماديّاً، يتكون من بنطال ومريلة من دون أكمام، تحتها قميص أبيض، يميز لون الزي مرحلة دراسية ما قبل الجامعة.

ما إن يبدأ العام الدراسي حتى يتحول المبنى إلى كائن حي، تصبح صيحات الفتيات وصخبهن وضحكاتهن وحركتهن مصدر حياة له، وللحي بأكمله، تهمد الحياة ويعود للمبنى جموده بعد الدوام الدراسي، وكلما مررت بالمبنى مساءً، أو يوم الجمعة، أو في فترة العطلة، أتوجس منه خيفة، يبدو لي غريبا، وكأنني لم أرتمِ سنوات في أحضانه.

(الثكنة)

ذات عام في أول يوم دراسي، فوجئنا بلافتة خضراء جديدة منتصبة على مدخل المدرسة كتب عليها باللون الأبيض “ثكنة”، لنعلم عند دخولنا أنه أصبح للمدرسة بالإضافة إلى إدارتها المعتادة التي تقودها مديرة مخضرمة، إدارة عسكرية تتخذ من إحدى حجرات المبنى مقرا يُضب عليه بالقفل، كما علمنا باستبدال الزي الرمادي بزي عسكري أخضر، وبإلغاء مواد التربية الفنية والموسيقا والرياضة، واستبدالها بمادة “العلوم العسكرية” التي ستتساوى مع بقية المواد، وتكون فوق المجموع.

كنا قد استعددنا لهذا اليوم فرحاً، كأننا نتجهز لحفل، نتحمم له، ونتعطر ونجهز الزي، ونحرص على كيّه جيداً خاصة القميص الأبيض، ونلمّع الحذاء، وننام بالقرب منه، نحلم بعناق الصديقات، واهتمام المدرسات، ومستقبل نتوق إليه ونحن نقترب من أبواب الجامعة حيث الأماني تبنى والقيود تزول، والتفوق ذو مذاق خاص… إلا أن هزة وقعت في أهم مراحل حياتنا، وفي أجمل وأقرب مكان إلى نفوسنا من دون أن ندري.. كان كل شيء ارتجالاً في تلك المرحلة، لكنه ظل بعيداً عنا، أو هكذا اعتقدنا، حتى كان ذلك اليوم.

مضت أشهر صيف لم نلتق خلالها، اعتدنا أن نقضيها، كل مع أسرتها، وقلّت فرص السفر التي كان قد اعتادها بعضنا، كان البلد يختنق بسبب فرض تأشيرة خروج منه، والحاجة لتأشيرات دخول للبلدان الأخرى التي لم تكن ميسرة…

في تلك الفترة كان جهاز الهاتف بالنسبة لنا أثمن اختراع على الرغم من كثرة تعطله. مثلت لنا الثرثرة مساحة من حرية التعبير والكلام.. نتواصل مع الصديقات صوتاً في غياب الصورة لأشهر.. نشعر بتغيير يسري في أوصالنا، وينفخ في خيالنا، ويفيض في مشاعرنا.

في مرحلة ما قبل النضج.. كنا كأشجار الطرق التي تُقلم وتُشذب لاستقبال الشتاء، أو كرمال شواطئ مغمورة تلمع عند انحسار الماء. كنا دوائر ثمرة توت خضراء تترطب، وقنو عنب يتلون، براعم نارنج تتأهب، وحبات طماطم خجلى بفرعها تتشبث، وزهرات بنفسجية تختبئ داخل شجيرات عطر، ونوار “عشية” مغمض قبيل المساء، وحبيبات شجر حنة صلبة بعضها ينثر، وتفاح جبلي يتورد، وسعف نخلة يتقوس، ونباتات ربيعية تشقق الأرض… كنا نتجهز للنضج.. للتفتح.. للجمال.

لكن اليوم الأول لم يكن كما حلمنا طوال أشهر، وكلما اقتربنا من المدرسة تكثف الحلم حتى كدنا نلمسه، استنشقنا الوجوه صوراً، و طرقت مسامعنا ضحكات وصراخ، وتلمسنا العناق … حتى وصلنا فلم نجد من وابل الأحلام إلا طلاً.

(التدريب العسكري)

دخلنا.. فهبت علينا برودة للمكان لم نشهدها.. شعرنا بالصخرة والطائر العملاق الجاثم في الحي… وانكفاء الروح.. جو عام مختلف.. مشوب بكثير من الغموض.

رجال بلباس عسكري يجوبون المدرسة وبنات يرتدين بزات عسكرية خضراء ونعال سوداء، اجسادهن ناضجة، فائرة، يتوسطها حزام عريض أخضر محفور بثقوب، نظراتهن صارمة وعدائية، وشفاههن مضمومة تنم عن قسوة، لا نعرف من هم، ولا ماذا يفعلون في حظيرتنا؟

كما هي العادة جرت في الساحة الخلفية عملية توزيعنا كأكياس الحلوى على الفصول، لكن على غيرها حضرت تلك الفتيات. شاهدناهن يقفن في الساحة بطريقة غريبة، أرجلهن متباعدة كأنها على خصام وأياديهن متشابكة خلف ظهورهن في حالة اشتباك، ونظراتهن متفحصة ومتحدية، تولّين فيما بعد اصطحابنا إلى الفصول والدخول معنا.. كان الاضطراب يتجول بيننا والقلق يدب فينا كأسراب نمل، ولم يقدم لنا أحد تفسيرا عما يجري..

احتمينا بالمقاعد وجلسنا كيفما اتفق، وقبل أن تهدأ جلبتنا صرخت الفتيات فينا بسد أفواهنا “كل وحدة تسكر فمها وتقعمز بدون ولا صوت”.

لماذا؟ لم نفهم ولم نجرؤ على السؤال، مظهر الفتيات وزيهن كان تهديداً من دون حاجة إلى الكلام، فما بالك بأوامر مشبعة بنبرة الوعيد تستبق همس شفاهنا:

“سكري فمك أنت وياها”!

برفع راية الصمت المطبق، لجموا أفواهنا طوال ساعات دوام كامل عدا فترة الاستراحة التي كنا فيها تحت تأثير الصدمة…. ساعات قتلنا فيها الوقت نبتلع الكلمات في مونولوج داخلي، نقلب أعيننا في السقف أو ننظر إلى سواد السبورة التي كادت تبتلعنا من شدة النظر، أو نختلس نظرة إلى وجوه بعضنا بعضاً، والويل لمن يفرج وجهها عن ابتسامة، فهي مستمسك ودليل للعقاب!

نتساءل في داخلنا كيف ستمضي بنا السنة، وهل سيصرعون أحلاما وآمالا خبأناها في جيوب ملابسنا ومعاطفنا وضفّرنا بها جدائلنا، وأودعناها محفظة أقلامنا، ورتبناها بين دفتي كراريسنا، وأحكمنا عليها إغلاق حقائبنا، وشققنا بها خبزنا الذي نقتسمه. ماذا عن أسرارنا المكبوتة التي تنتظر إفراجا، وأغانينا التي حفظناها طوال أشهر الصيف لننشدها معا، ومغامراتنا التي سنتبادلها بصوت خفيض.. كيف ستمضي أيامنا؟

في الأشهر الأولى، تولى الإدارة العسكرية آمر شاب، متبرم الوجه وغاضب على الدوام، أمرنا في اليوم الأول بالتوجه إلى الساحة بالقرب من المقصف، حيث قام بالإشراف على فتح صناديق كرتونية وتوزيع زي أخضر موحد علينا وقبعات من اللون ذاته، ونعالاً جلدية سوداء، وعدا النعال ذات المقاسات المتدرجة، كان مقاس الزي الأخضر واحداً.

كنا نحيفات في مرحلة عمرية متقاربة، تتدفق في عروقنا بلا هوادة دماء فائرة، تزركش الأنوثة أجسادنا وتخدش جلودنا، بعضنا كن أكثر نضجاً، وأشد بأساً وقد تشكلت تضاريس أجسادهن باستدارة جذابة.

أعطيت لنا الأوامر أن نأت في اليوم التالي مرتديات الزي العسكري كاملًا، أي أن علينا خلال ما تبقى من هذا اليوم أن نعدل ونصلح من هذا الزي الغريب بما يتناسب مع مقاساتنا، وإن لم نفعل واضطررنا للتغيب فإننا سنعاقب عند عودتنا بالتذنيب وقوفا في الساحة الداخلية لساعات تحت نظر فصول المدرسة بأكملها.

في اليوم التالي، بدت عمليات تضييق الزي بدائية قامت بها أمهاتنا على عجل، فقد انكفأت واختبأت مهنة الخياطة ككثير من المهن اليدوية في البيوت جراء سياسة التقشف ومحاربة القطاع الخاص والنقص الحاد في الأدوات والسلع، أشكالنا مضحكة، وقد شُدّ الحزام العريض على سراويلنا حتى انتفخت جيوبها، لتضيق نحو الأسفل بطرق ملتوية كحبات الباذنجان. لم يكن من السهل تضييق الجاكيت الفضفاض الذي أضحى أشبه بجاكيت خيال المآتة في حقول الذرة.

أما القبعة العسكرية فلها قصة أخرى، دائرية الشكل يتأرجح من طرفيها حبل، كان مظهرنا تحتها مضحكا، خاصة حين تتدلى من جانبيها ضفيرتان بينما الرأس حبيس بينهما ….أو حين تتلوى ضفيرة أو تعقص “كعكة” من الخلف وتعيق تثبيت القبعة على الرأس فتبدو ككرة مفشوشة، أما ذوات الشعر المسترسل وكن قلة، وإن استجابت القبعة لرؤوسهن بسهولة، إلا أنها ظهرت كطبق فوقها. في كل الأحوال ولمدة طويلة كانت القبعة تسلينا، نداعبها بأصابعنا، أو ننساها خلفنا، نتفقدها ونبحث عنها، ونفرح بالعثور عليها. وإن ارتضيناها ووضعناها يتملكنا شعورا بأننا نتجه إلى مخبز وفوق رؤوسنا “سفر” كعك أو أننا نرقص “ببرادة” ماء.

“يس يم … أحسن بعد…. يس يم ….يسار يمين… للخلف در”.. عندها لا بد من العد…1234 حتى يأخذ الدوران الشكل النهائي.

تدك أقدامنا الساحة الترابية دكاً دكاً، ندهسها بعنفوان تستله أقدامنا من أديم الأرض الغبرة الملأى بالحصى والحجر…

“أشبحي قدامك يا خرقة”!

تصيح بنا الجندية، بصوت أجش مرعب.. لم نعرف من فينا “الخرقة”، ولأنه لفظ عام، سرعان ما تكسر على نصال المساواة، ولم يخلف فينا أثراً.. كنا صغيرات وجميلات وبريئات وناعمات وحالمات، ولم تكن كذلك… كنا كأوراق الشجر البازغة ذات الخضار الفاتح الناظر، وكن أشواكاً على أعرف جافة ومائلة، على وجوههن القاسية صفحات حزينة لم نأبه لقراءتها، ولم نبحث عن إجابة لمسلكهن العدائي، هل كان حقيقيا أم مفتعلاً، هل هي الأوامر أم أنه إنعكاس لما مررن به؟

أعلنّ العداء لنا أو هكذا أمِرن أن يكنّ.. وبمضي الوقت كسر تهكمنا هذا العداء الذي تحول من جانبنا إلى ما يشبه الإقصاء لهن.. لم يتمكنّ على الرغم من الاحتكاك اليومي بنا من أن يصبحن مدرسات ولا حتى رفيقات، و بعد شهور قليلة من حضورهن المفاجئ وما صاحبه من رهبة واضطراب أصبحنا نهملهن.. فجوة لم تتمكن السنوات اللاحقة من ردم حتى جزء منها، لا نعرف عنهن شيئا ولا نهتم لأمرهن، ولا يدفعنا الفضول لذلك.. كانت حقبة انقسام خفي حتى وإن اشتراكنا في المكان والزمان.

تصيح الجندية ” يس يم”… نرد عليها بصوت واحد “قلبي انغم”!

“أسكتي يا خرقة… يا زمال…”

لا نأبه، والغريب أن هذه الكلمات لم تتوطن في آذاننا، لم نرددها أو نستخدمها أبدا فيما بيننا.. نفضناها عنا كحبيبات غبار طارت واندثرت في الهواء.

لم تمض أشهر، حتى وقع الآمر الشاب في غرام إحدانا. ظهرت علامات غريبة على مسلكه وحركاته التي كنا نراقبها عن كثب، يزداد قسوة معها، يعاقبها لساعات، ويظهر لها تعنيفا مبالغا فيه لأتفه الأسباب، خافته في البداية، لكن وبدعم منا سرعان ما هزت صورته وهي تمتثل لأوامره بشكل استفزازي، برأس وأنف مرفوعين…وبصمت، وكلما ازداد اشتعالا وصراخا انتعشت فينا روح التمرد. بعد أسابيع قليلة، نقل من المدرسة، واستبدل بآمر آخر متقدم في العمر وأعلى منه رتبة.

اتصف الآمر الجديد بالصرامة، فمه مدورا كحفرة .. يحفه شارب خفيف، ويستقر على جانبيه لعاب يجف على حاشيته كلما صرخ فينا…..عسكري صرف لا يقترب ولا يتدخل من عالمنا ويعتمد على فتياته اللاتي كنّا قد تمكنا منهن.

كان لابد من أن تحدث مواجهة ما، تعيد التوازن للمدرسة بعد أن فقدت كثيراً من الوزن وأصابها الدوار، لذا حدثت مشادة ما بين تلميذة وأحد العسكريين انتهت بإسقاطها أرضا وضربها.. تدخلنا وأمسكنا به، ودفعنا به أرضا ونحن نصرخ.. أتذكره أحمر الوجه يشتاط غضبا، والأهم أنه انتهى بين أقدامنا وقد نهشت اصابعنا بدلته. أعادت هذه الحادثة التوازن، ووضعت قيوداً، وانسحب الذكور من عملية التدريب العسكري، أما المعتدي فلسوء حظه أن التلميذة كانت قريبة لأحد العسكريين المهمين، فتم ترحيله إلى معسكر خارج المدينة.

بدأنا نعتاد على التدريب، بل وننسجم فيه، وشعرنا أنه نوع من الرياضة، خاصة بعد إلغائها، الظهر المرتكز، والأذرع الممدودة، والسيقان المشدودة، والأقدام التي نضرب بها الأرض في كل مرة..

“يس… يم… يسار يمين.. أحسن بعد”!

“رجل أبدل… بدل بدل” !

نخبط الأرض ونصيح… “شيء واحد”.

شيئا فشيئا.. بدأنا نشعر أن مظهر الزي العسكري ذكوريا لا يناسبنا، وقررنا تطويعه وإدخال خطوط من الموضة عليه.

بدأنا بالقبعة.. كانت دائرية وواسعة ذات مقاس واحد، استبدلتها بعض الطالبات بقبعات عسكرية ذات أشكال أخرى، شكل البقلاوة التي يرتديها الطيارين أو “الكاب”، يجمعن شعورهن إلى الأعلى ويضعن القبعة فيبدون كمضيفات الطيران أو كالرياضيات،

أما الغالبية، فضغطن بالحبل الرابط على أعلى القبعة حتى ضاقت وأصبح شكلها كالقارب..

ضيقنا السراويل، والسترات، ولمعت النعال السوداء واستبدلت أحيانا بخف رياضي، وهكذا تمكنّا من تأنيث الزي الذي بدوره جعل من لافتة ” ثكنة” غير ذات معنى.

قاوم الآمر ما أجرينا على الزي من تعديلات، وأُعلن عن أسمائنا في الساحة، وعاقبنا بالتذنيب لساعات .. لكن عددنا كان أقوى من تهديده ووعيده وعقابه.. وهكذا أصبح الزي العسكري الأخضر مثارا للإعجاب خاصة بعد انتهاء الدوام.

تتبع مدرستنا فصيل “المخابرة”، تعلمنا فك وتركيب بندقية الكلاشنكوف.. ومارسنا الرماية مرة واحدة في مكان صحراوي…لكن المخابرة، تعلمنا الفتات منها نظريا ولم نمارسها إطلاقا..

وبعد عام كامل من التدريب جاء ذلك اليوم ..الاستعراض الذي من أجله أمضينا العام في التدريب.

(الاستعراض)

استعددنا وتدربنا كامل السنة للاستعراض أمام منصة حديدية عالية، لم نعرف من سيقف عليها ولمن سنؤدي التحية العسكرية. نُقلنا في حافلات إلى “الساحة الخضراء”، ورأينا طالبات مدارس المدينة كلها تشارك فيه، كان الجوع والتعب قد نال منا ونحن نتدرب وننتظر الساعات، انتظمت المدارس في كراديس حسب تخصصاتها.

لأن مدرستنا تتبع “المخابرة”، أحضروا أمامنا صناديق كرتونية مغلقة طلبوا منا فتحها، أخرجنا منها لفائف كبيرة نزعنا عنها الأوراق والأكياس لنكتشف أجهزة سوداء براقة ذات أحزمة تنتصب عليها هوائيات عالية تهتز..لم نرها من قبل. صدرت الأوامر أن نحملها على ظهورنا ونستعرض بها أمام المنصة، تعلمنا أنه عند مرور الكردوس أمام المنصة يلتفت الجميع باتجاهها ويلقي التحية العسكرية، عدا الصف الجانبي المحاذي لها الذي عليه أن يلقي التحية دون أن يلتفت نحوها ويستمر في النظر إلى الأمام.

قبل بدء الانطلاق بلحظات وكنا على أهبة الاستعداد منشغلين بالأجهزة الجديدة المجهولة التي نحملها على ظهورنا، والتأهب للسير معا وسط الشارع في الهواء الطلق، لاحظت تفكك خيوط نعلي، فما كان مني إلا أن انحنيت بعفوية بجذعي لربطها، لم أع أنني بحركتي هذه قد حركت الجهاز الذي أحمله على ظهري والهوائي الطويل الهزاز، وضربت به الصفوف كلها، وفرقت الكردوس الذي استغرق وقتا لتنظيمه.

لم أشعر إلا بعصا الآمر تنهال على ساقيّ.. رفعت رأسي وأنا أتألم من الضربة الممزوجة بالصدمة، فوجدت الصفوف وقد تبعثرت كحبات الأرز، وفهمت خطأي… أعيد تنظيم الكردوس على عجالة، وانطلقنا..

كانت “الساحة الخضراء” تعج بالناس، وأصوات الفرقة النحاسية تصدح، يتردد صداها في البراح، والنخيل يحرك جريده، ورائحة البحر تهيم في المكان، والشمس تتأهب للرحيل وطيور الخطيفة تغازل أسوار السرايا، والبنات يرتفعن بجذعهن كالزرافات، ويتحركن وسط الشارع بثقة وانتظام على وقع الإيقاع والموسيقى العسكرية المنطلقة من الآلات النحاسية التي تلهبنا حماسا، يؤدين الأوامر بإتقان من دون اهتمام ولا معرفة بالحدث ذاته، ولا بمن يقف على المنصة العالية التي كنا نقترب منها شيئا فشيئا، وننتظر الصيحة لنرفع أكفنا المفرودة إلى جانب رؤوسنا بالتحية.

ووسط الكردوس المتحرك، الضارب بأقدام متناسقة على وقع الإيقاع، ترسم خطا مستقيما، كنت أؤدي مهمتي بينما دموعي تنهمر، وساقاي تؤلماني، وصوت بكائي لا أسمعه…نفذت الأوامر ولم التفت إلى المنصة، لأنني كنت أقف على طرف الكردوس. إنتهى الاستعراض، وسرعان ما تخلصنا من جهاز التخابر من دون أن نعرف عنه سوى أنني ُضربت بسببه..صعدنا إلى الحافلات، وعدنا إلى مدرستنا.

(المدرسة)

كان عاما كاملا من التدريب بغرض الاستعراض لمدة زمنية محدودة أمام منصة لا نعرف من ينتصب عليها، نحمل على ظهورنا أجهزة ثمينة نجهلها. أزاحت العلوم العسكرية الريشة، و قذفت الكرة، ونزعت أصابع البيانو، ففقدنا غذاء أرواحنا، كان همها أقدامنا وأرجلنا، تأمرها لنصفع بها التراب والحصى، لكن الفلسفة واللغة والعلوم التطبيقية وعلوم الأرض والجغرافيا غذّت عقولنا وحمتها، فلم نأبه للشتيمة ولا للصراخ ولا لساعات التدريب تحت سياط الشمس أو هزات البرد، وبدلا من أن تغيّر منا وتنهكنا، انهكناها ولم نتغير.

احتمت المدرسة بتلميذاتها هذه المرة بعد أن كنّ يحتمين بها، على الرغم من “الخضة” التي تعرضت لها، إلا أنها سرعان ما تماسكت واستعادت توازنها، غلب الوردي على الأخضر، قضمت دودات القز الأوراق الخضراء بصبر وتأنٍ، وبلا هوادة ولا توقف، حتى التهمتها بالكامل، ثم تشرنقت، ثم طارت فراشات وخلفت حريراً. احتفظت المدرسة بمقاعدها وكتبها وكراساتها وأقلامها ومبراتها وممحاتها ومساطرها، فلم تسترخ بندقية على أسوارها، أو تطل فوهاتها بين فتحات مقاعدها، بل اختبأت ثم اختفت.

مضت تلك السنة، وسنوات بعدها، تمكنت خلالها الصغيرات الضاجات بالضحك الحالمات بالغد، الصبورات على الأذى، المحبات لحظيرتهن على الرغم من الأسوار والفوضى، الصانعات بتوءدة يومهن، والناسجات لجدائلهن، من الحفاظ على أنوثتهن وإنعاشها، من النمو في الهواء وتحت الشمس، من هش العصا بعيدا أو تنكيسها، من تليين القلوب القاسية من دون دخولها، من رفع الغطاء عن الروح من دون لمسها، من مقاومة إنكسار الشوكة، وتجذر الخوف فيهن، وإنجرارهن نحو منزلق الكراهية والشتيمة.. لكنها بلا شك لم تردم فجوة فتحت وتعمقت ما بين الأنفس الصغيرة وتلك التي أُطلقت لقمعهن.

مقالات ذات علاقة

ظلها الذي يتشبث

حواء القمودي

( 20 ) قصَّةً قصيرةً جدًّا ..

جمعة الفاخري

اختطاف

محمد ناجي

تعليق واحد

أحمد الصالحين 17 فبراير, 2018 at 10:00

عزة تستخدم ذاكرتها بشكل جميل، وتعرف كيف تعيد تقديمها في شكل قصصي مميز.

رد

اترك تعليق