المقالة

يحـن .. ولا يـرن!!

 

قابلني صديق قديم، من عادته أن يسخر من كل شيء بما فيها جهود الإصلاحيين على حد تعبيره ـ الذين يعتبرني منهم، وهذا الصديق دائم السخرية من هذه الجهود، ودائم الانتقاد لها، ويعتبرها مجرد إهدار للوقت، وغالبا ما يري أن العيب فينا نحن الليبيين، وأننا مجتمع اتكالي، لوام، وحسود وحقود، إن وقعت يقولون لك ” تستأهلها ” و إن عبرت إلى ضفة النجاة يتهموك بالعمالة، ولذا فإن المبادرة، والاهتمام بالشأن العام يعد في اعتقاده” كلام فاضي”. صديقي هذا رجل بسيط ولا علاقة له بالسياسة إلا بما يهم قوت يومه وقوت عياله، ولكنه يستمتع كثيرا بمتابعة الصحف المحلية، والجزيرة، والليبية سابقا، كما يتابع الإذاعة المحلية، ويهتم بكل ما له علاقة بخطاب الغد لعل لأولاده نصيب في ثروة، أو مفتاح لشقة أو حتى لسيارة يحولونها إلى تاكسي. المهم صديقي هذا استقبلني بابتسامة واسعة اعتقد أن الشماتة تقطر منهاـ وقال لي ” هااااااااااا اتحنوا وترنوووووووووو” قلت له باسمة:” من تقصد” قال ” انتووووووووو” قلت: ” نحن من؟” قال : بضحكة مكتومة لكي لا يحرجني ” جماعة الغد” يعني قالوا لكم من جديد يمكن نتحاوروا، لكن انتوا أين منهم؟ يعني الثوريين ولا الإسلاميين، ولا الرفاق، إلا الشباب راحت عليكم؟” هنا دعيته للحوار على فنجان قهوة في الداخل لان كلام كهذا ليس مكانه قارعة الطريق.

يقول : أن كل شيء هنا بالأوامر، حتى الكلام، والكتابة، والاحتجاج، ومسيرات التأييد، والمظاهرات الغاضبة، فلماذا يتعب الناس أنفسهم، ولماذا لا يتركوا الريح تسير بالسفن، ” خابت ولا سابت “، وعرج على افتتاحيتي آويا وقورينا، المتزامنتين والداعيتين للحوار، وهو يري بخبرته الليبية وبقدرته على حوار ( المرابيع) التي يستعرض فيها مهارته اللغوية والتحليلية التي يستنبطها من الصحف والإذاعات المحلية، التي لا يهمه مما ينشر فيها سواء الأحوال الليبية. يري أن افتتاحية قورينا ثورية استعلائية، وعبر عنها بان” الثوريين، مازالوا في هوجتهم، ويعتقدوا أن البلاد لهم وحدهم، وان الناس فيها عبيد عندهم، وكثر خيرهم إللى شافوا بعض التيارات واعترفوا بيهم، وتنازلوا وقبلوا بالحوار امعاهم” أما افتتاحية آويا ” فيها ما فيها، اهو شوي محسوبة على الليبيين وفيها اشويه مساواة بينهم، وصدرها كان رحب وفيه قبول بتحاور الجميع من اجل الجميع” المهم أن الصديق غاص في الصميم وأجبرني على أن أبوح له بما لدي ، باقتضاب واسترابة وحذر. قلت له أمامي على ورقة مسطرة كتبت نجلاء معاونتي في المكتب” لا تظلمهن واعر أيخلف في الصميم عشمهن” يا سيدي أنت أيضا لا تظلمني، فمجرد القبول بالاختلاف علنا يعتبر بادرة طيبة في هذه البلاد.

واتفق معك في بعض ما تراه، فخطاب آويا حول حوار الغد، فيه قدر من التعميم للأطياف الليبية المدعوة للمشاركة كأفراد وكجماعات، وتري في ذلك نبذ للخلاف ووسيلة للتوافق، أما خطاب قورينا بغض النظر عن النوايا إلا أنه وضع حدودا، وخصص تيارات بعينها اختصرها فيما ذهبت إليه، وبالتالي فقد همش كل وطني غير مصنف، و إن صاحب موقف، وقادر على التحاور حول القضايا الوطنية وله موقف مما يجري حوله من سلبيات وايجابيات، وبعيدا عن تصنيفاتك، وتصنيفاتهم، فأنني اتفق معك في أنني أصبو دوما إلى الغد، لعله يجيء، حتى لو لم أكن فيه، لكني انحاز له، واتمني دوما أن يكون أفضل من اليوم وأفضل من البارحة، على خلفية استحقاقات وطنية يتمتع بها الجميع، يحميها القانون ويعممها وفقا لمقاييس عادلة، تحقق قدرا من المساواة بين أبناء الوطن الواحد، وهي مطالب ليست وليدة اليوم، نادي بها غيرنا منذ زمن بعيد ، ودفع الكثيرين زهرة شبابهم بل وأعمارهم وحياتهم ثمنا لها، ومازلنا ننادي بها، ونعتبرها منهاجا من اجل ليبيا الغد الذي نسعى جميعا من اجله، فدولة القانون والمؤسسات، والحقوق والواجبات، والعدالة الاجتماعية والتنمية والأمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ليست من اختراعي يا صديق، ولكنها مطلب ملح اليوم، وينادي به الصغير قبل الكبير، فنحن في عالم تتقولب فيه المطالب، وتتشابه الأمنيات، فالحوار من اجل وطن يتسع للجميع ويليق بالجميع على اختلاف مشاربهم هو مطلب إنساني نبيل، إذا تحقق على أرضية التوافق الوطني، خاصة في وجود مرجعية دستورية نابعة من الإرادة العامة، تقبل بها وتعتبرها منهاجا يستمد من قيم المجتمـع ومعتقداته وموروثة الحضاري. وهذا حراك ايجابي، يسبق القبول بفكرة التعددية الحزبية، ولا علاقة له بها، وهو ليس ترجمة لها ولا قبول بها، ذلك أنها فكرة لا تتفق و قانون تجريم الحزبية الواضح والصريح، الذي يطال قصاصه كل من تسول له نفسه مجرد التفكير في تنظيم حزبي، فما بالك بفكرة الإعلان عنه مجاهرة. هذا عن حوار الغد المشرق،أما الإصلاح في بلادنا يا صديقي فمازال ( يحن) قريبا من أبوابنا، ولكنه لم (يرن) الجرس بعد.

24.09.2009

مقالات ذات علاقة

أمسية الأربعاء

عبدالرحمن جماعة

الافعى المجنحة .. تجربة ليست للاقتداء

منصور أبوشناف

صديقي شاعر إثني سياسي… لحظات مـن الحلم، الهـوية والأسلوب

شكري الميدي أجي

اترك تعليق