قصة

يا مطر صبي صبي..


1

استخلصتني رفيقتي لتوصيل رسالة شفهية إلى ابن الباشا المغرمة به، تخبره أن والدها قرر ترك لمدينة إلى أخرى؛ لحصوله على عمل يعتاش منه، ويكفيه مذلة السؤال بعد مواسم جافة حبست فيها السماء مطرها مكتفية بالسحب فقط والكثير من البرد القارس .

حليمة رفيقتي تقاسمي الذي يبدو لها سراً، وتسرد عليَّ تفاصيل أحلامها التي تتذكرها أما التي تسقط منها عند قدميها وهي تنهض من فراش نومها ، تخبرني أن حلماً راودها ليلة البارحة غادر ذاكرتها، غير مرة واحدة اكتفت ذات كلام بالحديث عند صنبور الشارع، وهو مورد الماء الوحيد في حينها، أخبرتني أنها رأت حلماً داعبها متلذذة به دون أن تفصصه لي ، فتكهنتً كنهه ولم أخبرها به ، ومعاً أخذنا نضحك ضحكة ماكرة ، وأثناء عودتنا ، باحت لي أن سيد الحلم ابن الباشا ليس سواه.

عند ضحى اليوم الثاني ترصدت لابن الباشا  في طريقه  للنزهة وهو خارج، من قصره والذي ندعوه (حوش الباشا) فكلنا نخاف كلاب الحراسة، وعساكر الباشا، وما إن لوحت له بيدي حتى أوقفَ سايسه عربته التي يجرها  جواد أبيض ، اقتربت منه بعد أن نزل من العربة :

·       حليمة ستتركك حينا يا سيدي إلى مدينة أخرى.

·       قولي لها لا تفعل ذلك !.

2

خمسة فصول ما نزل فيها القطر. دراويش الحي يعزون ذلك إلى الأخلاق السيئة لأهالي الحيّ، فهم تحت ستار الليل يفعلون أشياء مشينة تُذهب عنهم ملاك المطر، إضافة إلى ذلك فهم يتحاسدون، يتباغضون، يتهامزون، يتحادقون وكل منهم يهتم بأمره فقط .

الفقهاء يجزمون أن ذلك من سخط الله على المدينة كلها . العلمانيّون يرون الأمر ليس إلا دورة طبيعية مرتبطة بالمناخ العالمي وتأثير البيئة، كما أن المدينة لا تحتاج مطراً بل إلى باشا جديد يشاركهم حكمه.

الشيعيون ، وبعض الجماعات المعتنقة أفكارًا أخرى، يرجعون جفاف ما تحتهم وما فوقهم، إلى حالة الفقر المدقع بسبب عدم توزيع الثروة على المجتمع، باعتبار أن الفقر كافر؛ يدفع  صاحبه إلى فعل أي شيء، ولا يراعي الخطوط الحمر لغيره .

الجماعات الإسلامية يرون ما يراه الفقهاء، ولكن على تأويل آخر لأحد الشيوخ القدماء، من أن ألمطر منّة من الله يعطيها من يستحقها، وما لم يصلِّ الجميع صلاة الفجر في الجامع ، وتقبع المرأة في بيتها؛ فلن ينزل المطر أبدأ.

آراء كثيرة راجت في مدينتنا عن سبب عدم هطول المطر، وكلٌّ مطمئن لوقوفه على السبب.

3

غابت عن الحي رفيقتي حليمة بنت شعبان القبّي، وكذلك ابن الباشا.

البسطاء أدركوا فرار العاشقين، وقد علم الجميع أن الحب يساوي بين الحاكم والمحكوم، لكن الذين  داخل القصر ، أحسوا بقدوم الكارثة؛ فابن الباشا رحل مع حليمة حبيبة قلبه إلى الناحية الشرقية للبلاد ليكوّن هناك بشاويته منفصلاً عن القصر، مؤسساً حكومةً جديدة.

حدث مثل هذا إبان عهد مضى، سنح الفرصة للأجنبي بالتدخل، ووقعت حرب ضروس انتصر فيها الباشا على الغازي، والكارثة هي أن انفصال الابن عن أبيه، الذي لا يرى باشا في البلاد غيره، أما عندما يموت فلأمر لا يعنيه لكن لا بأس أن يخلف ولداً كوريث يراه شرعياً، أما أن يتمرد عليه ويجتز قطعة من ملكه ، فهذا زلزال تميد به الأرض تحته . غير أن عجزه الشديد جعله ينكفئ داخل قصره مكتفياً بما لديه من سلطة وعبيد.

رعية له يتلذذ بطلباتها منه وهم يلحون في سرعة تنفيذها، فيما هو يطلق غربان طغيانه ، خفافيش ليله،يفتكون بأحلامهم ويدمرون ما تبقى لهم من أمنيات ساذجة، وهم يركعون له، ويحرقون البخور، يتنعمون بفواجعهم، يجلدون ذواتهم ، وما من مرة قدموا قرباناً على مذبح حريتهم.

يتوسلون له :

·       رعاك الله يا باشا، والسماء تبخل علينا بقطراتها، اسمح لنا ببعض الدقيق والزيت.

الباشا لا يعطيهم شيئًا، ويأخذ من أعمارهم، يعملون منذ الصباح حتى المساء في مملكته فيما ينعم هو بطيب الطعام، خبز طازج ولحم طريّ، مشويّ مرة، ومقليّ أخرى فيما يفضل أكل لحومهم نيئاً.

وهم لا يفعلون شيئاً غير طاعته ، يتمسكنون ، ينتظرون فجراً لا يأتي وحلماً عصياً على التحقيق .

لهذا كان الخبز، واللحم ضمن أهزوجتهم البليدة.

4

عند ذكرى ليلة دينية  لم يستجب الله فيها إلى دعواتهم، وبعد أسبوع من الحادثة هطل المطر كما لم يهطل من قبل .

الذكور رقصوا في الشوارع .

النساء زغردن.

الأطفال جماعات، جماعات تحلقوا حول القصر، تحت زخات المطر  يغنون.

( يا مطر صُبّي صُبّي

صُبّي على حوش الباشا

والباشا ما عنده شي

غير الخبزة والششي

صبي على حوش القُّبّي

والقُبّي ما عنده شي

غير قطيطيسة تموي ).

عند اليوم الثاني أدرك الجميع أن انحباس المطر سببه هم، لا غيرهم؛ فكيف يرضون بخير وافر داخل حوش الباشا ويرضون بفقرهم الكافر هذا؟! وما سبب نزول الغيث إلا رحمة الله بالرضع، والرتع، والزاحفة على بطونها، وذات الأرجل، وما يطير في السماء بجناحين.

5

ثلاثون موسماً مضت أحب خلالها ولد ابن الباشا بعد أن أسس ملكاً له عند الجانب الشرقي للبلاد، حلومة بنت عاشور الغربي بعد جفاف ثلاثة مواسم هرب بها إلى جنوب البلاد مؤسساً ملكاً له، وعندما هطل المطر بعد يباس فرح الجميع وغنى الأطفال ثانية، ذات المعزوفة بنغم حزين :

يا مطر صبي صبي ،،،،، صبي على حوش الباشا

والباشا ما عنده شي،،،،،غير الخبزة والششي

صبي على حوش الغربي،،،،،والغربي ما عنده شي

غير قطيطيسة تموي.

6

يقال ، وهو ما شاع بين الجميع في كل البلاد وتوارثه الأجيال، أن يحب ابن الباشا فتاة فقيرة من صلب عبد وترائب أمة، يهيم بها ،وتعشقه، وبعد جفاف في الأرض وعقمٍ في السماء يهرب ابن الباشا بالفتاة التي سكنت قلبه، منصرفاً إلى مكان آخر من البلاد، مكوناً إقطاعية يحكم أهلها ليصير باشا جديداً يوزع الفقر على محكوميه، ويأكل هو الخبز واللحم، شحّت المطر بعد أن تتلبد السماء بالسحب  وتنزل مطرها وهم يتحلقون أما حوش الباشا يرددون أهزوجتهم العتيقة:

…. يا مطر صبي صبي …

وعلى هذا الإرث تكونت إقطاعيات يحكمها الباشاوات يقبعون في قصورهم ، والناس في الخارج يتضورون جوعاً، ويخزنون فقراً؛ حتى عند المواسم المطيرة، غير أن الأهزوجة التعيسة لم تعد على الشفتين، ولا يلوكها لسان ولم يبقى منها إلا لحنها الحزين تعزفه الحياة على الأوتار

_______________________

ــ الحوش كناية عن القصر ، والبيت كذلك.

ــ الشيشي يعني اللحم ناضجاً.

ــ صبي أي أهطلي .

ــ قطيطيس، تصغير للقط .

ــ تموي ، تمو .

مقالات ذات علاقة

عاش الملك

عوض الشاعري

القِدْر…

أحمد يوسف عقيلة

المحفظة

خالد السحاتي

اترك تعليق