المقالة

يا ما في الغابة مظاليم

هدى علي فهمي خشيم

 

غالباً ما يخلط الإنسانُ بين دوافع الناس ودوافعه الخاصة؛ ويكون فهمه لمواقف الآخرين وردودِ أفعالهم مبنيّاً على تجربته ونظرته الشخصية بدلاً من محاولة استيعاب طبيعة غيره وخلفياتهم وأسباب سلوكياتهم. وخير ما يصف هذا الميول هو القول السائر «كٌل يرى الناسَ بعين طبعه».

من هذا المنطلق، وجب النظرُ وإعادة النظرِ في رأينا بخصوص موقفِ الحمارِ من الحياة. ولكن قبل ذلك، علينا أن نتفق أن الحمار – سواء أكان حروناً أو لا- مخلوقٌ مكافحٌ مسالم، لا يهش ولا ينش. يفعل ما يُؤمر به ويؤدي ما يُطلب منه دون كلل أو ملل.. أو ربما قليل من التململ!

يُشهد للحمارِ الطيبِ أنه كان الرفيقَ الوفي والخادم المخلص للإنسان عبر التاريخ، إلى حد تقديسه في بعض الديانات. فمثلت صورتُه الإله «ست» (إله الصحراء) في مصر القديمة، وكان رمزاً لتبجيل المتعة في الأساطير اليونانية في صورة الإله «ديونيسيوس». وليس هذا فحسب، بل أن مجموعةً يهودية متشددة في القدس تُدعى «بينسك كارلين» تقيمُ له مهرجاناً خاصاً سنوياً يسمى مهرجان «خلاص الحمار الأول»، يُحمل فيه الحمارُ «المختار» على الأكتافِ وتمارس أمامه ممارسات غريبة.

ورغم أن الإسلام لم يعطِ الحمارَ مكانةً «يفخر» بها بين رفاقه؛ بدايةً من اقرار بطلان الصلاة إذا مَرَّ  بقصد أو بدون قصد أمام المصلي – مثله مثل المرأة والكلب الأسود – كما ذكر في الحديث الصحيح، إلى استقباح صوته النكير كما ورد في القرآن الكريم، إلا أن هذا لم يثنِ مروان بن محمد – وهو آخر الخلفاء الأمويين – من أن يسمي نفسه «مروان الحمار» كنايةً عن صبره وجلده في الحروب وكثرة المواقع التي خاضها خلال ولايته. وبذلك يكون قد سبقَ الحزبَ الديمقراطي في اتخاذ الحمار لقباً ورمزاً له قبل 1250 سنة.

وفي زمن ليس ببعيد، قام حزبٌ سياسي في إقليم كردستان بالعراق بتأسيس حزب «الحمير». له هيكيلة إدارية مثله مثل أي حزبِ آخر، ومكتبٌ سياسي يدعي «الخان» (مكان نوم الحمير بالكردية)، ومكاتب فرعية تسمى الإسطبلات؛ تتفاوت فيه درجات تعيين الموظفين من الجحش  إلى الحمار والأتان.

ولم يقتصر الأمر على رجال الدين والسياسة، بل كانت للفنانين والأدباء علاقةُ «حميمة» بالحمير. ففي عام 1930 أسس الفنان المصري زكي طليمات جمعية «الحمير» لحماية حقوق «الحمير» بعد أن تم إغلاق معهد الفنون المسرحية من قبل الاحتلال البريطاني. وانضم إلى الجمعية عددٌ من الممثلين والفنانين المصريين منهم توفيق الحكيم وطه حسين والعقاد ونادية لطفي وأحمد رجب، وأُعطوا درجاتٌ حسب فترة عضويتهم بدأت من «الجحش» إلى «الحمار الصغير» ثم «الحمار الكبير»؛ وداخل هذه الرتب رتبٌ مثل «حمار لجام» الذي يرقى إلى «حمار ببردعة» ثم «حمار حدوة». أما رئيس الجمعية فيشرفُ بلقب «الحمار الكبير». وقد أُسس للجمعية فرعٌ في أمريكا ولكن للأسف لم يكن لها فرع في بلدنا ربما لأنه لا يوجد «حمير» حقيقيون فيها!

من هنا يبدو جلياً أن الحمارَ ليس بالغباء الذي يُخيل إلينا ولا بالبلادة أو البلاهة التي نعتقدها.

لماذا إذاً يغضب الرجلُ عند مناداته بـ«الحمار» ويعتبرُ اللقبَ شتيمةً وإهانةً؟ بل لماذا كل هذا الإجحاف في حق المسكين الصبور وتفسير جلدَه وأناته وسكوته ومثابرته وقوة تحمله تفسيراً غير دقيق؛ ليصبح الصبرُ عيباً والجلدُ مذمة؟

حقيقة نحن لا نسيء فهم الحمار فقط، بل أننا نمعن في مواقفنا المبنية على رؤيتنا الشخصية غير الموضوعية للأمور ونمجد حيواناتٍ لا تستحق منا إلا الشفقة والرثاء.

فالأسد مثلاً، لا يعرف إلا الزئيرَ والمحافظة على نسله وملاحقة الطرائد. وفي أحيانٍ كثيرة، يتركُ أمرَ الصيد للبوة الرشيقة بسبب ضخامته وبطئه مقارنةً ببعض الفرائس؛ بينما يقوم بدور «الحارس» لحماية القطيع ثم «يمد يدَه» ليأخذ نصيبه من الفريسة من لبوته. أما الغزال فلا نعرف عنه إلا جماله ورقته ورشاقته وسرعته، وأن له عينان تغزَّل فيهما الشعراء والمطربون على مر التاريخ. ماذا فعل للبشرية؟ لا شيء.

على الإنسان أن يعيد النظر في مواقفه من الأمور ويحاول أن ينظر إلى أبعد من أنفه القصير ويحتوي وجهات نظر الغير وفهم وتفهم حقيقة مواقفهم؛ ويرفع الظلمَ عن الحمار. فالصبر لا يعني أبداً اللامبالاة، وقوة التحمل لا تعني أبداً البلادة، والعمل الدؤوب صفة يجب أن تُرفع لها القبعات لا أن يتم تصيد أخطاء أصاحبها وانتقادهم. أما الجمال والقوة الظاهران فلا يشبعان ولا يسمنان من جوع.

_______________

نشر بموقع المستقل

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (19)

المشرف العام

  الزمن الأُسي

أحمد معيوف

بيروت.. بيروت

جمعة بوكليب

اترك تعليق