من أعمال التشكيلية ريم جبريل
سرد

يا ريتك معايا ..!!

في أواخر سبعينيات القرن العشرين وبعد اتمام الدراسة الجامعية ، تمكنت من شراء سيارة بمثابرة لا تختلف عن مثابرة أبناء جيلي آنذاك ، حيث كنا نعمل صيفاً في الفنادق والمزارع والشركات .. لا نبحث عن المكاتب أو الوظائف الكبيرة ، بل كنا نرضى بأي نوع من العمل نكسب من ورائه مرتباً يسد احتياجات الدراسة مع توفير القليل من المال لنوائب الدهر ومشاريع المستقبل ..

كانت السيارة نوع (فيات) إيطالية الصنع .. مازلت أذكر لونها البازيللي .. كانت ملكاً لطبيب بولندي الجنسية استعملها استعمالاً نظيفاً أنهى فترة خدمته بليبيا واراد التخلص من كل أثاثه وممتلكاته ..

كانت موضة تلك الفترة اقتناء أشرطة الكاسيت ومتابعة حفلات الغناء المصري الذي كان في أوج ازدهاره وعنفوانه .. فمن كوكب الشرق إلى ملك العود “فريد الأطرش ” إلى “نجاة الصغيرة ” و” فائزة أحمد ” و” محمد عبدالوهاب ” والعندليب ” عبد الحليم حافظ ” مع ظهور المنافسة على الساحة الفنية بين الحين والآخر ، إذ برز صوت جديد تمثل في الفنان ( هاني شاكر) المنافس غير الكفء للراحل عبدالحليم حافظ .. وكنت شغوفاً بأخبار هذه الروح التنافسية التي أثرت الحركة الفنية في الوطن العربي بصفة عامة ..

ولما كانت قصص غرامنا ومغامراتها لا تتعدى الرسائل الورقية وتبادل الهدايا وقنص فرص اللقاءات العابرة مع تبادل أشرطة الموسيقا والغناء ، وإن تعذر الأمر يكتفي البعض من أقراني بكتابة مطلع أغنية على مؤخرة سيارته كي يثبت لحبيبته مدى عشقه وهيامه بها .. في هذا الصدد توجهت إلى خطاط المدينة الوحيد ودفعت له مبلغاً من المال كي يقوم بكتابة مطلع أغنية للفنان هاني شاكر عنوانها ” يا ريتك معايا ” اخترتها لإغراء الفتاة التي كنت أطمح منها بمجرد نظرة .. لكنها لوت عنقها ولم تنتبه لمحاولاتي المتكررة ..

وبينما كنت عائدا إلى بيتنا ذات مساء ممطر منتشياً بسماع شريط كاسيت للفنان الليبي ” شادي الجبل ” حدثت مني التفاته سببت لي حادث أليم تورمت على أثره عيني وانكسر ذراعي مع بعض الكدمات والرضوض في أنحاء كثيرة من جسدي .. وصادف أن والدي ” رحمه الله ” وصل إلى مكان الحادث في الوقت الذي مازالت عمليات انقاذي جارية على قدم وساق وحينما رأى ما آلت إليه السيارة وما كتب على مؤخرتها سمعته يقول متأسفاً مبدياً عدم دون رضاه على تصرفاتي وجنون السرعة الذي كنت مهووساً بها : يا ريتك معايا .. !! هه لو كانت معك لكانت في عداد الأموات ..

يبقى القول كلما مررت بمكان الحادثة ابتسم وأتذكر أغنية هاني شاكر ” يا ريتك معايا ” بينما أحاول نسيان تفاصيل الواقعة

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (32)

أبو إسحاق الغدامسي

وجوه فاكسرْ المرآة

عبدالدائم اكواص

لمياء إلى سراب

عائشة الأصفر

اترك تعليق