المقالة

ياحجاركم يا مجاركم (*)

ياحجاركم يامجاركم نموذج من نماذج الاستهلال في الحكاية الشعبية الليبية، شارة تنبيهية، وتهيئة نفسيه يبثها مالك سلطة الحمى لمستمعيه، طرفان متوازيان إنجذابا وتشوقا، ممثلان للقاعدة والقانون (اعلان البدء) بمجرد الاستئذان بما هو متعارف عليه، فقد كان طقس الروي من الوظائف الحيوية الثابتة لأول عملية تربوية يتلقها الأطفال في مجتمعهم، فدون كل عناصر الثقافة الشعبية، تتميز الحكايات الشعبية كنشاط إبداعي وفن شفاهي بتقليد شعبي مُمارس ومتفق عليه فيما، يُسمى بقعدة الخراف او الخراريف في اجواء عائلية أسرية، او قرابية، وقد تتسع لتشمل الجيران، وهي جلسات تخضع لقواعد ابلاغية واتصالية بين طرفين، مُرسل ومُتلقين، راوية ومستمعين، في علاقة ألفه وحميمة تٌؤسس الراويه لذاكرة وتجدر لقيم مجتمعها، مسرحها الليل، اذا يحظر في النهار (أللي يخرف في النهار بوه حمار) وكأن الجماعة التي قسمت زمنها اليومي (النهار والليل)  تدلل على توافقها مع واقعها وخلقها للتوازن الحياتي، فالنهار للعمل والكد ولا فراغ فيه ليُملأ، فيما مثل الليل المتنفس الوحيد للإنشغال بما يستأنس به، ولإطلاق العنان للمُخيلة المُنفلتة المحلقة في عوالم لا مشروطة أمكنة وأزمنة وكائنات.

غلاف كتاب_يا حجاركم يا مجاركم

وفي اتكاءة على منهجية تعتمد قوانين بنائية للقص الشعبي ومنها قانون التضاد (الثنائية الضدية) اذا تقوم حبكة الحكاية على عنصرين متضادين :الخير و الشر، الجمال والقبح، الغنى والفقر، الخصب والجذب، الموت والحياة،… لتحقيق غرضها الأخلاقي الوعظي، وثمة فرضية تُؤسس لهذا القانون وترى ان الانسان القديم كان يُشخص كل ظاهرة سلبية أم ايجابية في شكل أله خير وآخر شرير، وصراع الآلهة تطور الي صراع القيم البشرية في الحكاية الشعبية التي تُبنىء أيضاً على ثنائية الشخصية، فالحكاية تقوم على قوتين متعارضتين تواجه كل منهما الاخرى: الكبير الصغير، القوي الضعيف، الفقير والغني.. لذلك اعتقد ان مضمون ياحجاركم يا مجاركم يستند الي ذات العلاقة الثُنائية المُتعارضة في بناء النص وشخوصه، كما لو أن معطى أو مدلول  حجاركم: جمع حجر وهو من أدوات الانسان البدائية الأكثر صمودا ومقاومة وإن مثل الحجر في تركيبة وتكوينة البساطة والوفرة لدى الشعوب لأنه يمثل القوة والقساوة والدوام، اما مجاركم جمع المجارة وفي الملفوظ الليبي هي قطع من الذهب دائرية الشكل تحتوي نقشا على سطحها وتسمى “عصمانلي” كونها وريثة العهد التركي غالية الثمن، وقد حلُمت النساء الفقيرات المُعدمات بامتلاكها آوان الظروف المعيشية القاسية التي بالكاد تتيح الحصول على ما يسد الرمق، فما بالك لما يستعمنلهُ للزينه، وان كان يمثل ثروة وذخرا عند الحاجة لمن امتلكنه، ولنا ان نتذكر أن الراوية (الانثى) تبثُ رسالتها شاكيه موجُوعة من ضعف الحال المُعبر عن راهنها فيما ترغبه وفي ظنى – وهذه مُغامرة ذهنية تأويلة- ان مدلولات الحجار والمجار تتسع للثنائيات الضدية التي تدور في فلك الكثير من المعاني: الرخيص والغالي، الوفرة والندرة، معطي (مادي) أساسي ومعطى تكميلي (جمالي)، متداول ذكوري ومُتطلع أنثوي، الواقع بما هو كائن، والحلم بيما سيكون ومن ذالك التمهيد الذي سترج به الرواية عوالم من الأحداث والشخوص المتخيلة تضع سامعيها وتوجه عقلهم للأعتبار بمدخل قيمي وعظى مُقارن كونهم عرضة في حياتهم للرفعة والحطة، لان يُذلوا اختيارا او جبرا، أو أن يرتفعوا ماديا او معنويا، وللأيام والسنين مداولاتها فلا ثبات على حال وتلك سُنة الحياة، وتؤكد (الراوية) خطابها التحذيري (المُقارن) بالنداء الموجه لهم موصولا، بشخص السلطان ذي المشيئة والإرادة التي لا يمكن لها ان تفوق مشيئة او أرادة الله، فالسلطان من تتعدد ازماتة فتارة فاقدا للخلف، وتارة مغتربا لأجل مال وثروة، وأخرى باحثا عن حبيبة ضائعة.. ولا دوام على حال.. وياحجاركم  يا مجاركم على سُلطان وما سُلطان غير الله، واللي عليه ذنوب يقول استغفر الله.

هذا كتاب حكايات شعبية جُمعت ووثقت من أفواه راوياتها كما هي دون حذف او أضافة بل وبلهجتها المحكية، تمنح سامعيها وقُرائها اطلاعا او بحثا ودراسة، صورا جلية وواضحة لملامح أماكنها، وما ارتبطت بها من ظروف اجتماعية واقتصادية من خلال ثقافة الجماعة في منطقه (براك الشاطئ) ضمن مُتطلبات أطروحة جامعية تكشفُ القيم والموروثات الاجتماعية ماتعج بها حكاياتنا التي مازالت مهمشة ومقصية من حيز الانشغالات البحثية الأكاديمية رغم مرور قرن ونيف على بروز مناهج تاريخية وجغرافية وسوسيولوجية وسيكولوجية ومورفولوجية ووظيفية، وما انبرى لاحقا من نظريات بنيوية وسيميوطيقية واعتماد كثير من الدول لأكاديميات  وأقسام مُتخصصة للدراسات الشعبية حفاظا على الهوية الوطنية، في بلاد يتشكل فيها مخزون الارثى الحكائى على تنوع جغرافيتها وبيئاتها التي تمنح خصوصيتها للمتن، وتفقد على مر السنين حملة وحفظة تراثنا الشعبي في عمومه، والقص الشعبي بخاصة بعد غياب طقسه وأجوائه.

… يتبع الجزء الثاني

____________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

أمسيات

نورالدين الورفلي

النسيم على عرش الظل

سالم العوكلي

اسمعوا.. وعوا

علي عبدالله

اترك تعليق