سرد طيوب عربية

ويركض الحنان في الأرجاء

منية الفرجاني – تونس

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي

” ما أصعب الحديث عنك”! لا أفكّر الآن في اختزال أي فكرة تقولك أو تؤدي إليك..فأنا أرى في ذلك قلة أدب و قلّة حياة..
أمّي! تعالي أقول لك شيئا…
اجلسي هنا قبالة الحرف و افتحي لي صدرك..
” افتحي صدرك!!!؟؟” و هل أغلقتِه يوما!!!
اغفري لي هذياني أيتها الرّبة.. و تجاوزي نقاط التعجب و الاستفهام هذه..انّها مجرد مفرقعات..أزيّن بها احتفالي بك!
” أمّي!” بكل لغات العالم: ماما، أمي، مامي، ماميا، ماذر، مام، يمّة..
هذه ” الميم” التي نعبر بها عن اللّذّة ” ممممممممم” و نعبّر بها عن الألم أيضا ” مممممممم” الألم المكبوت، تلك الآهة التي نصرخ بها داخل الروح لا خارجها، الأنين المجروح، المبحوح، المذبوح….الذي يخرج منا و لكن إلى الداخل!
لم يجعل الله تلك الميم في كلمة أمي عبثا…فهذا بالنسبة إلي يدخل في تركيبة الإعجاز” الألمي” نسبة إلى الألم.. كما الاعجاز القرآني نسبة للقرآن أو الاعجاز العلمي نسبة للعلم…
أمي…و هي معكوسة نقولها ” يمّا” تماما كما ينادي زوجي أمّه..كلّما ناداها أجابته: آ يمّا…أو آ حَنّا…..و يركض الحنان في الأرجاء….
البارحة فكّرت في التوقف عن كتابة هذه الوصيّة…أتدرين لماذا؟
لأنك الاسم الثاني فيها..
و أنا أتعثّر بك..فكرت في حجم الألم الذي يمكن أن تشعري به إن أنت قرأتها..أو وصلك خبر نشرها..
كيف لن يزعجك هذا و قد غاب عنك النوم بالأمس حين عرفت بالتهاب حنجرتي و ارتفاع حرارتي…كيف سيكون شكل نومك ان عرفت الآن أنني أجهّز لموتي…؟
أول مرّة رأيتك تبكين فيها كانت منذ عشرين سنة حين وصلك خبر وفاة جدتك وهي تقوم بفريضة الحج..كم بكيتِ يومها…
كم احترقتِ..كم من جبل انهار تحتك…و كم من بحيرة جفّت في عينيك؟؟
يومها..تهشّم كل شيء داخلي و أنا أراك تنزفين أمام الموت..تركضين وراء الفراغ..و تجتازينه برتبة ” مهزومة!”
أتدرين أمّي…
أتدرين أنّي كشفت كل أسرارك بعد أن صرت أمّا مثلك!
عرفت..كم من ليلة سهرت فيها لننام نحن، كم مرة تظاهرت بالشبع كي لا نجوع، كم من شيء حرمت نفسك منه لنبتسم و نفرح..
كلّ حركة أقوم بها في بيتي أقارنها بحركتك أنت في بيتك الذي صنعتينا فيه!
ما أعظمك..
ما أقواك..
ما أجملك..
ما أذكاك..
ما أحكمك..
ما أوسع الشموخ فيك..
كيف استطعت أن تخفي عنا كلّ تلك التضحيات وراء فم صغير كفمك؟
كيف يمكن أن نخفي جبلا وراء زهرة؟
وحدهم السحرة يتقنون فعل ذلك…
و أنت أجمل السّاحرات..
لم أمكث في رحمك كما يمكث الأجنّة في أرحام أمّهاتهم، ربّما كنت أستعجل دفء حضنك أو خفت عليك من ثقل الشهر التاسع..
فاجأتك بمجيئي قبل الموعد بشهر..و قبل أن تعدّي حقيبتك استعدادا لموعد الولادة..
ذلك الشهر الذّي سرقته من مخطّطات المنطق..
دفعت ثمنه غاليا فيما بعد، إذ سرقك اللاّمنطق منّي..في غلطة اسمها الغربة بدأتُها بسنوات دراستي الجامعيّة ثمّ بسفري إلى الخليج و بعد ذلك بالاستقرار نهائيا في أرض لم تكوني فيها! ..ربِحتُ هناك عائلة جميلة..
و خسرتُ عائلتي الأجمل: أنتِ!!!
كم سأفتقد هاتفي الذي كان يحمل صوتك إلي..و هزّة القلب التي كنت أرتجف تحتها كلّما وصلت ” بطاّح جربة” و هو يحملني فوق ظهره ليرميني في رحاب وجهك..
سأفتقد وقفتك أمام الباب و أنت تستقبلينني و بيدك كانونك المزدحم برائحة بخورك النادر..
هل تعرفين كم أحبّ بخورك؟؟!
كم كتبت عنه..و كم كان فشلي فادحا حين لم أوفّق في خلق رائحته بالكلمات حتى أبعث شذاه بين من كنت اكتب اليهم!!
حبيبتي يا أمّي!
تشبهين في عطفك أمّهات كثيرات..قدّمتِ للأمومة ـ مثل بعضهن ـ أرقامك القياسية في التضحية و الحب و العطاء و لكن تفاصيلك الصّغيرة كانت تميّزك عن سائر نساء الأرض..
هل يزعجك أن أبوح بها؟!
لا تنزعجي أرجوك..أريد فقط أن أوثّق انبهاري بك كما يوثّق رواد الفضاء مشهدا من مشاهد الأرض النادرة..أريد أن أجعل لتاريخك في حياتي إطاره الأجمل..الأكثر مثالية و الأكثر تفرّدا..
تفاصيلك…
كم أحبّها..
كم كنت أتسلى بالنظر إليها
أكثر ما كان يبهرني فيك…حبّك العجيب للورود!
أذكر مرّة أنّك قضيت أكثر من ساعة و أنت تحدثينني عن طبق من البورسولان كنت تحبينه كثيرا، تكسر بين يديك فأعدته للحياة..أعدت تركيب أجزائه بالصّمغ..و صبغتيه بالطلاء الأبيض لإخفاء جروحه و أكّدت لي أنّك لم تطلي الورود التي كانت تزيّنه بل تركتيها لتطلّ عليك!
يا مجنونة يا أمّي..!
منذ طفولتي و أنا أراقبك تلصقين الورد في كل مكان في البيت..حتّى في الحمّام كنت تزرعينه، قرب المغطس أيضا تضعين مزهريات من الفخار الأسمر بها ورود من القماش أو البلاستيك..على الأبواب تعلقينها، على اطارات الصّور، فوق التلفاز، على موقد المطبخ، على المرايا، على خشبة السرير القائمة، و أحيانا ترسمينها بالألوان على الجدران أو على أواني الشرب و مناديل الطاولات و حتى على ممسحة الباب كنت تصنعين الورود بالكروشي ثم تخيطينها عليها…!
يا مجنونة يا أمّي..!
رأيتك مرّة تلصقين وردة حمراء على خفّك القديم..و حين قبّلتك بحرارة و أنت متلبّسة بتنفيذ عمليّة التزوير الجميلة تلك: قلت لي و انت تمرّرين الخيط في الإبرة: “بهذه الوردة سيكون الخفّ أجمل!!! “
كثيرا ما كنت تُخفين أثار الحروق أو تشوهات قمصانك بسائل المبيّض بوردات صغيرة تسمّينها ” الروكوكو” وهي عملية تطريز رائعة تعلمتيها من والدتك…كلّما عثرت على ثقب صغير..أو حرق ما أوهمت العالم أنّ وردة من الروكوكو نبتت هناك… و عرفت بطريقة أو بأخرى أنّك مررت من هناك أيضا..
أمّا هوايتك الأغلى..فأعرفها…
حدث يوم أن مارستها عندي في البيت حين أتيت ضيفة مبجّلة عندي..يومها قدّمت لك الأكل في أجمل الصحون عندي كانت به زهرات يانعات لم يمسّها حرّ و لا سائل تنظيف و لا خدش عطرها زمن…رأيتك تأكلين و عيناك الجميلتان تبحثان في قعره عن طلّة تلك الزهرات…
بعد أن انهيتِ وجبتك قلتِ لي بشيء من الخجل: ” سامحيني..سأطلب منك شيئا و لكن أخاف أن احرجكِ”
لا أعرف بماذا أجبت في تلك اللحظة فالموقف كان مربكا…
انتِ تطلبين…!!؟؟ و بخجل؟؟؟!!
كدتٌ أرتطم بالأرض و أنت تطلبين منّي الاحتفاظ بذلك الصّحن الجميل الذي كتب في أسفله ” زُيّن باليد” ” fait main”…
غَسلتُ الصّحن بفرحتي..و جففتُهُ بروحي و اهديتٌك إياه…
تبّا لي ما أغباني…!! لماذا لم أنتبه منذ البداية إلى اعجابك به..لماذا تركتك لارتباكك و لم أهديك إياه منذ الرغيف الأوّل!؟
أمّي…
إليك ما سأقول…! اسمعيه و عيه..
بعد موتي، تجوّلي في بيتي كلّه، خذي كل ما زيّنه الورد…هو حلالك..
أريدك أن تختنقي به و بي..
لن تتخيّلي كم سيفرحني ذلك…
اعلمي فقط…
أنّك كنت الوردة الأحلى في حياتي…
الأحلى..بعد موتي أيضا.

مقالات ذات علاقة

لعبة الكورونات المتقنة

إشبيليا الجبوري (العراق)

رواية الفندق الجديد – الجزء الأول

حسن أبوقباعة

في اليل

المشرف العام

اترك تعليق