شخصيات

وهبى البورى.. محطات فى حياته

حين يقترب شهر رمضان… او تقبل الاعياد… ومناسبات اخرى يبادر رجل اسمه وهبى البورى الى مكالمتى. كان يسبقنى فى التهنئه والسؤال رغم محاولاتى العديده للمبادره بذلك وهو الرجل الذى يكبر والدى وربما اعتبر نفسى فى مقام ابنه… او ربما حفيده. وكان ياْتى شخصيا الى بيتنا فى مناسبات كثيره. رجل من نوع اخر… وهذه عادة جميله تفصح عن كريم سجاياه وتعطى مثلا رائعا لاخلاقه الطيبه… عادة داْب عليه ولاحظها الكثيرون غيرى من محبيه ومجايليه تجسد المعامله الجيده وكل الاشياء التى بتنا نفقدها مع مرور الوقت. تلك فى الغالب طباع ومزايا جيل رجل اسمه وهبى البورى!

وهبي البوري

وفى حياته اديبا ورائدا للقصة القصيره فى ليبيا وسياسيا ومؤرخا ومترجما وانسانا محطات تجمل تجربته الفنيه والاجتماعيه . اول المحطات اسرته التى كانت اصيلة شارع الرعيض فى بنغازى . والده السيد احمد عقيله البورى المتوفى عام 1952. واحد جيل بنغازى المثقف فى اواخر العهد العثمانى… تعلم فى المدرسه الرشديه التى كان موقعها على شاطىْ بحر الشابى… حيث موقع المحكمه الان تقريبا. من زملائه… ابراهيم على الشويهدى وابراهيم سامى الجربى ومحمد السنوسى الساقزلى وصالح عموره وعبدالله بن عامر وسالم بن عامر ويوسف اللواحى وعوض اسكيليل… وغيرهم. جيل تولى بعض المناصب الماليه والاداريه فى ذلك العهد ثم فى الاداره الايطاليه. وكان المعلمون من الليبيين فى مقدمتهم الشيخ السنوسى الساقزلى ومحمد رضوان الشويهدى وبكير بادى. وعندما شرعت المدافع الايطاليه فى قصف بنغازى فى اكتوبر 1911 كان عمه موسى عقيله البورى فى مقدمة اهل بنغازى وماحولها ممن شاركوا فى الدفاع عنها.

هاجرت الاسره بعدها الى الاسكندريه حيث ولد ابنها وهبى عام 1916. بعد عام من معركة القرضابيه التى وحدت الليبيين فى وجه الطليان فى ذلك المكان القاحل والمقفر سوى من بئر للمياه كانت ترده ابل القبائل المجاوره تلك الايام. كانت ايضا الحرب العالمية الاولى تشتعل وكان جيش السيد احمد الشريف يلاقى المجاعه والحصار داخل الحدود الشرقيه لليبيا وكان الجوع ونذرة الامطار والجفاف والطاعون ايضا يضرب جهات برقه وشرع الامير ادريس السنوسى فى مايو ويونيو من ذلك العام فى مفاوضات الزويتينه مع الايطاليين والانجليز. عادت الاسره الى بنغازى عام 1920 واقامت فى زقاق البورى فى البركه . كان قبل ذلك محلا لسكن اسر ليبيه هاجر بعضها الى الشام. منها اسرة الامام. واشتهر احد افرادها زكى الامام وهو كفيف البصر بغنائه الجميل للتراث الليبى فى مناسبات المهاجرين واذكر ان تسجيلا نادرا له كانت تذيعه محطة القسم العربى فى لندن اواسط الستنيات ولم تعد تكرره. كان احيانا يقدمه المذيع محمد مصطفى رمضان فى حنين وشوق الى دياره فى ليبيا.

كانت بنغازى معزوله ومحاصره باسوار وبوابات. كانت المدرسه الوحيده بها هى مدرسة الصابرى فى شارع بوغوله على امتداد سوق الجريد. ثم افتتحت مدرسة الفنون والصنائع وكانت بالقرب من موقع العمارات الخمسه بالسكابلى. التحق وهبى البورى فى ثانى عام من تاْسيسها وكان فى صدارة معلميها الذين يؤججون الروح الوطنيه فى تلاميذها… الشيخ السنوسى المرتضى وبكير بادى وحسين اشرف وصاليح الارناؤوطى واْدوا خدمة كبيرة فى تلك الفتره الصعبه. كان معظم اطفال بنغازى من الخامسة الى السابعة عشر من اعمارهم فى الفصل نفسه. كان هناك اقبال على التعلم والقراءه رغم الاختلال والمعاناه. نال شهادة المدرسه ليعود الى الاسكندريه ويبداْ وعيه الثقافى والفكرى فى التشكل والتكوين. كانت هناك مجالات واسعه متاحه للاطلاع والتعرف على المصادر الثقافيه الاجنبيه المترجمه من روايات وقصص وكانت هناك مجلات فخمه مثل الرساله وكتابات طه حسين والعقاد والزيات وغيرهم. كان البورى وجيله يتابعون باهتمام مايصدر . كانت الوسيله الوحيده هى القراءه وبداْ يميل بشغف الى قراءة القصه وقد شدته واثارت انتباهه قصص محمود تيمور ولم يتبلور فى ذهنه فى كل الاحوال اى قاص محدد لكى يتاْثر به على وجه التمام. ان اول قصة قصيره كتبها وهبى البورى وراْت النور كانت بعد عودته من مصر عام 1931. لقد سبق نجيب محفوظ فى ذلك الذى كتب اول قصصه القصيره وكانت تستقى تاريخ مصر الفرعونيه عام 1939. فلماذا لا نقدم انفسنا للاخرين الذين يفخرون بكل شى حتى وان كان مجرد (بنة مرق فى طاسه)… لماذا لانتحدث عن ريادتنا فى بعض الامور التى تسبق غيرنا… لماذا لانتجه بدراساتنا وبحوثنا الى توكيد ادبنا وتراثنا وتاريخنا لدى اجيالنا ولدى الاخرين… لماذا لاتهتم كليات الاداب عندنا بتدريس مادة خاصه بالادب الليبى… ولكن زمار الحى لايطرب… ماعلينا.

محطة مهمه اخرى تتبدى لنا فى حياة البورى… عندما عاد الى بنغازى عام 1931 منع من الرجوع ثانية الى مصر وكان الوضع سيئا… اعدام عمر المختار ووجود المعتقلات الفاشيه الرهيبه وغيرها من ماْسى… كان اول من احضر قصيدة احمد شوقى فى رثاء عمر المختار (ركزوا رفاتك..)الشهيره… ولكن كيف ؟ لقد كتبها فى وسط مجلة ايطاليه وبين ثنايا سطورها لكى تمرق من الاعين الراصده… ونسخت ووزعت على كل من يهمه الامر الوطنى فى بنغازى وماجاورها ثم حصل شىْ من الانفراج وصدرت مجلة ليبيا المصوره فى عددها الاول فى اكتوبر 1935… هنا احتضنه الرجل الوطنى… مستودع الوطنيه عمر فخرى المحيشى الذى همش تاريخه ولحقه تشويه ونكران لموقفه وهى محطة لاتنسى فى حياته… كان المحيشى استاذا للجيل المثقف الواعى فى بنغازى… بل فى ليبيا… كان شقيقه الاكبر محمد طاهر المحيشى قد اصدر بريد برقه الى وفاته فى الاراضى المقدسه عام 1927 وواصل عمر المسيره . كان قد ضمه تنظيما سريا وطنيا مع احمد عبدالله مخلوف وابوبكر جعوده وعوض بونخيله وساسى بن شتوان لمقاومة الطليان… واستمرت معه هذه الروح المتوهجه فى سنوات مواليه الى وفاته فى يناير 1942. وجد وهبى البورى عشقه فى ليبيا المصوره وشجعه استاذه المحيشى… نشر قصصه وترجماته والكلمات المتقاطعه لاول مره فى الصحافه الليبيه.

كانت المجله تحتوى كتابا من جميع مناطق ليبيا وتوزع داخلها وتصل الى الخارج ايضا… وكانت تتدفق وراء سطورها بتغذية الشعور الوطنى والتحسيس به… فمن يعرف ذلك الان… من ينصف عمر فخرى المحيشى ويعيد اليه تاريخه المشرف ويوصله الى الاجيال ؟ تاْثر البورى بالقصص الايطاليه وراْى فيها شى من الحداثه والتكامل وحاول ان يحاكيها مستلهما الواقع المحلى فى قصص ليلة الزفاف وعزيزه… وغيرهما… فى هذه المرحله كان الشباب المثقف فى بنغازى هم النواه وتقدم الصفوف… برزت مكتبة بوقعيقيص وصالون المحيشى… ثم احمد رفيق… شاعر الوطن الذى كان محطة كبيرة فى حياة البورى. تعرف به عام 1934 عندما رجع رفيقا من مهجره وقضى فى بنغازى سنتين الى ان اعاد الطليان نفيه عام 1936 اثر نظمه للقصيده الشهيره (غيث الصغير)وفى الاساس كان رفيق صديقا اثيرا لعمه موسى البورى اثناء اقامة الاسره فى الاسكندريه. كان ياْتى اليه فى محله فى سوق المغاربه هناك ويقضى معه وقتا يتبادلون فيه الحكايا عن الوطن وشجونه وقد اخبر لاحقا من قبل عمه بان رفيقا كان يحمله ويداعبه حينما كان صغيرا فى السن… وتوطدت العلاقه واستمرت. وعندما عمل البورى فى الاداره العربيه باجدابيا وكان معه الاستاذ محمد بوكر ظل رفيقا يراسلهما ويذكرهما فى قصائده. اشتهرت قصيدة الالفيه التى ارسل بها رفيق عام 1937 من تركيا الى صديقه الاستاذ حسين افليفله الوحيشى الذى كان اول من جمع شعر رفيق فى كراس بخطه الجميل فى تلك الايام . ذكر فيها البورى… قائلا:

فسل عنه وهبى يخبرك كم… له من فصول باجدابيا

ولاننكر الحق فى انه… اديب له قيمة غاليه

وبالاختصار فنعم الصديق… له عندى رتبة العاليه

وحين اصدرت لجنة الرفيقيات ديوان شاعر الوطن رمزت الى الاسماء الحقيقيه فى القصيده باْخرى مستعاره واضحى (معطى) رمزا لوهبى…. فى عمله باجدابيا استفاد البورى من علاقاته الاجتماعيه وهى المنطقه التى تقع على مفترق طرق صوب الصحراء والمنطقه الغربيه والوسطى من البلاد… وعرف القبائل وانسابها… على الشاعرين المشهورين خالد ارميله الفاخرى وحسن لقطع… تتواصل المحطات البوريه لكى تشكل نسيجا لحياته… عمله فى طنجه ثم مع المفتى امين الحسينى والجامعه العربيه ثم مع الامير ادريس السنوسى الذى اختاره عام 1948 ضمن طاقم ديوانه الاميرى… ويعاصر مرحلة الاعداد لاستقلال البلاد ويقترب من اسرارها ورجالها وكذا ممثلى الهيئات الدوليه… ويسهم بجهده معهم فى هذا العمل الوطنى ويعين بعد الاستقلال مستشارا بالسفاره الليبيه فى القاهره.

العمل الوزارى والدبلوماسى…

للمرة الاولى اختير البورى وزيرا للخارجيه فى الحكومة الليبيه الرابعه عند تشكيلها برئاسة السيد عبدالمجيد كعبار فى 26 مايو 1957 وحين عدلت فى اكتوبر 1958 اضحى وزيرا للدوله وفى تعديلها الثانى فى فبراير استر وزيرا للدوله وفى تعديلها الثالث فى سبتمب تغير اسم الوزاره فصار وزيرا للدوله للشؤون الخارجيه. وفى الحكومة الخامسه عند تشكيلها برئاسة السيد محمد عثمان الصيد فى 16 اكتوبر 1960 استمر وزيرا للدوله ثم فى التعديل الاول لها فى مايو 1961 صار وزيرا للعدل حتى اكتوبر 1962 فاضحى وزيرا للبترول وفى فترته افتتح ثانى ميناء ليبى لتصدير البترول وهو ميناء السدره فى نوفمبر 1962. وفى الحكومة السادسه برئاسة دكتور محى الدين فكينى فى مارس 1963 ظل وزيرا للبترول وفى صيف ذلك العام مندوبا لليبيا فى هيئة الامم المتحده الى تشكيل الوزاره الثامنه برئاسة السيد حسين مازق فى مارس 1965 فاصبح وزيرا للخارجيه الى اواخر العام حيث اعيد مرة ثانيه مندوبا لليبيا فى المنظمه الدوليه الى تقاعده عام 1970. وبهذا شارك فى بناء الدوله وزيرا فى اربع حكومات وتولى خلالها مسؤولية خمس وزارات وصار مرتين مندوبا لبلاده فى اعلى منظمة دوليه. وهو من جيل الدبلوماسية الليبيه الحقه التى وضعت اسسها على مهل ولم تكن عبرها سفاراتنا اوكارا للتامر او القتل او الارهاب او تصدير الفكر الاخضر… بل كانت عنوانا للعلاقه الحسنه مع الاخرين وخير معين اذا مااقتضت الظروف لكل مواطن ليبى. جيل يمثله على اسعد الجربى ومحمود المنتصر وفتحى الكيخيا وسليمان الجربى وحسين مازق وشمس الدين عرابى بن عمران وقدرى الاطرش وعبدالستار الثلثى… وغيرهم من ذوى الخبره التجربه والمعرفه والحنكه السياسيه.

اْثرى البورى المكتبه الليبيه بالكثير من المؤلفات والتراجم الجديره بالتقدير .وكان اخرها ذكريات حياتى الذى انجزه قبل وفاته فى بنغازى يوم 7 يونيو 2010. البورى وجيله الليبى فى السياسه والادب قامة نهض بها بنيان الوطن وشمخ على الدوام.

مقالات ذات علاقة

المطربة الليبية نازك ضحية خجلها

المشرف العام

سيرة الشيخ أحمد القطعاني

المشرف العام

في الذكرى العشرين لرحيل الصادق النيهوم.. بنغازي تحترق وفراغ يملؤه الدم

محمد الأصفر

اترك تعليق