من أعمال التشكيلية الليبية .. خلود الزوي
قصة

ونيس…

من أعمال التشكيلية خلود الزوي
من أعمال التشكيلية خلود الزوي

1

ــ تعال يا ونيس.. ونّسْني.

حين لا يبيت عندها أحد تطلب مني ذلك.. عمتي (رِبْح).. الأرملة التي تسكن طرف القرية.. تحتضنني في سريرها الواسع.. توسّدني ذراعها.. تضمّني.. تقبّلني وهي تشمّني.. وتردد: (ونيسي.. وليدي).

أنام بين ذراعيها.. وجهي غارق في صدرها.. وأنا أشم رائحة عِقْدها الحِلْبة.

2

… بعد صلاة العِشاء يزورنا الإمام وهو يحمل زجاجة ماء.. يتلفّت قبل أن يطرق الباب.. أسرع إلى عمتي رِبْح وأنا أصرخ: (سِيْدي الشيخ.. سِيْدي الشيخ).

تضع سبّابتها فوق شفتيها:

ــ اسكت.. وطّي حِسَّك.

3

… يشرع فضيلته في قراءة المعوّذات وهو يوجّه فمه ناحية فم الزجاجة.. وعمّتي رِبْح تتمدّد أمامه على السرير.

ــ هل هذه هي التي يسمّونها الرُقية الشرعية؟

يهزّ فضيلته رأسه بالإيجاب دون أن ينظر إليّ.. يسكب قليلاً من ماء الزجاجة على كفّه.. ويمسح جبين عمّتي رِبْح.. يكرّر ذلك عدة مرات.

وفكّرت: (حين أكبر سأطلب من سيدي الشيخ أن يعلّمني الرُقية الشرعية.. كم هو رائع أن أعمل على شفاء الناس)!!

الشيخ يواصل المسح على جسد رِبْح.. حتى إنه يمسح على صدرها وأردافها.. أخذت أنفاسها تعلو.. وتبلع ريقها.. رأيت ارتعاشة في يدي الشيخ.. فالتفت إليّ:

ــ نسيت مصحفي في الجامع.. على الكرسي فوق المنبر.. اذهب وأحضره.

قفزت.. هذا سيتيح لي الصعود على المنبر لأول مرّة.. والجلوس ولو قليلاً على كرسي الإمام.. ولكن للأسف لا أحد سيراني أفعل ذلك..!

4

… عُدت متأبطاً كتاب الله.. كلمات الله بين يدي.. أضمّها إلى صدري.. أحسست بأنه قد نبت لي جناحان.. تعمّدت السير ببطء لأطيل تلك اللحظة.

5

… مددت المصحف للشيخ.. فأجفل:

ــ ضعه على الطاولة.

كانت عمّتي رِبْح ترفع سحّاب قفطانها حتى رقبتها.. جُبّة الشيخ مكوّمة على الزيّانة.. طرفها يتهدل حتى البلاط.

يدخل فضيلته الحمّام.. تعدّ عمّتي رِبْح الشاي.. وأنا أتأمّل نقوش المصحف.

تكرّر ذلك كثيراً.. وفي كل مرّة كنت أبتهج بالصعود فوق المنبر.. والجلوس على كرسي الإمام.. وإحضار المصحف المنسي..!

6

… رأيته محدودباً على عُكّازه.. لا يمكن أن أخطئه رغم بياض لحيته.. يجرّ حذاءه المفروك.. قلت قبل أن يراني:

ــ ألازلت تنسى مصحفك؟!

يلتفت.. يضع كفّه فوق حاجبه.. يحدّق.. يبتسم.. يضغط على كتفي بيد معروقة مرتعشة.. يرفع وجهه إلى السماء.. عيناه نديّتان.. يغمغم بكلمات خالية من الحروف..!

***

(2013)

مقالات ذات علاقة

قصص قصيرة جداً

غالية الذرعاني

مَن يعدل ميلها؟

عبدالرحمن جماعة

مفتاح

المشرف العام

اترك تعليق