طيوب المراجعات

ومضات حول كتاب السنكي «ملك ورجال»

خيرية حفالش

كتاب ملك ورجال للباحث شكري السنكي

يدهشنا شكري السنكي الباحث الدؤوب، للمرة الثالثة، بكتابة التاريخي «ملك ورجال.. سيرة رؤساء مجالس الشيوخ والنواب في ليبيا»، رغم أن المرحلة الملكية تعتبر جزءًا من التاريخ المعاصر، إلا أن الصعوبة في التعاطي مع وقائع وأحداث تلك المرحلة تبدو واضحة للعيان؛ بسب ما تعرضت له تلك المرحلة من تشويه متعمد وتجهيل للأجيال اللاحقة، بكل ما يتعلق بها.

والبحث في تاريخ تلك المرحلة أشبه بالبحث عن إبرة في كوم من القش نظرًا لشح المعلومات وغياب المصادر، منها الوثائقية والشفاهية، هذا في المعتاد، لكن باحثًا مثل شكري السنكي استطاع التغلب على كل هذه العوائق وتمكن من أن يقدم لنا كتابًا زاخرًا بالوثائق والهوامش، التي أضفت على النص قيمة إضافية وكان مجتهدًا في البحث عن كل مصادر المعلومات المتوفرة بما في ذلك الاتصال بأسر وذوي الشخصيات السياسية المذكورة في الكتاب، لاستيضاح بعض الجوانب أو تبيان ما غمض من بعض الوقائع، وهذا يعبر عن حجم اهتمام الباحث بموضوع بحثه وعدم تجاهله لأي وسيلة من وسائل التقصي والبحث والمقارنة. وأضافت مقدمة الأستاذ المهدي الكاجيجي الكثير إلى الكتاب، بما يتميز به قلم المهدي من رشاقه وقدرة على اكتشاف المهم.

> فترة الجهاد

هذا الكتاب ألقى الضوء على فترة الجهاد وشخوصها وعلاقتهم بالحركة السنوسية وبالأمير إدريس السنوسي بشكل خاص، وقيادته الحكيمة العسكرية والسياسية قبل وبعد الاستقلال، بدءًا من استقلال برقة إلى استقلال دولة ليبيا، والمراحل السياسية التي عاشتها بعد ذلك.

ولقد كان دور الأمم المتحدة محوريًّا في إنجاز استقلال ليبيا، حيث أصدرت قرارًا بهذا الحدث وأصبحت ليبيا كدولة حديثة «الابن البكر للأمم المتحدة».

وكانت العلاقة التي ربطت إدريس السنوسي بالمبعوث الأممي، أدريان بيلت، علاقة عميقة ووطيدة مبنية على الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك من كليهما للآخر، وكثيرًا ما عبر أدريان بيلت عن عمق تقديره لشخصية الملك باعتباره كان يسهِّل له كل الصعوبات، التي تواجهه أثناء عمله مع الشخصيات الليبية، كما كانت سمعة السيد أدريان بيلت عند الليبيين محمودة ويكنون له احترامًا كبيرًا.

وتعرض الكتاب في سياق حديثه عن رجال الملك إلى عدد من الشخصيات الذين ترأسوا مجلسي النواب والشيوخ وهم:

1- عبدالرازق شقلوف وكان له موقف يروى عنه بخصوص العقبات التي اعترضت التصويت على الاستقلال، حيث جاءه مَن أبلغه بأنه يتوقع أن نتيجة التصويت ستكون ضد مشروع الاستقلال ولصالح مشروع الوصاية، فرد عليه بغناوة علم تقول: «يبقى العقل موصياد.. أن كان مالعب في ريشهن». وفعلاً هذا ما حدث بما ضمن أن تكون نتيجة التصويت لصالح الاستقلال. كما تطرق الكتاب إلى نص الدستور الليبي، الذي وصفه أستاذ القانون المصري محمود عزمي، بأنه فوق المستوى السياسي لأي قطر عربي.

2- فتحى عمر الكيخيا، رجل القانون والسياسة والحكمة، وهو من أهم الساعين إلى استقلال برقة، حيث كلفه الأمير إدريس السنوسي بالتفاوض على استقلال برقة، لثقته الكبيرة فيه.

3- خطاب العرش في العام 1953م، كان خطاب العرش معتمدًا بالكامل على الشفافية ووضوح الرؤية والثقة التامة في الشعب، حيث تضمن الخطاب جردًا كاملًا لما تم إنجازه من مشاريع وما يتم إنجازه الآن وما سيتم إنجازه في المستقبل.

4- علي باشا العابدية، الذي هاجر إلى مصر بعد استشهاد المختار، إلا أن الإنجليز رفضوا إقامته في مصر فواصل طريقه إلى الأردن، حيث استقبله الأمير عبدالله وسأله عن طلبه فطلب منه قطعة أرض في منطقة المفرق فمنحه قطعة أرض كبيرة فعمرها وبني فيه بيتًا ومسجدًا ومدرسة ومقرًّا للبلدية، وسماه الأمير عبدالله عميدًا لبلدية المفرق التي كان سكانها من الليبيين والأردنيين، ثم عاد إلى ليبيا بعد الاستقلال وصار رئيسًا لمجلس النواب.

5- محمود الحسين بوهدمة رئيس مجلس الشيوخ، وكان قبل ذلك من المجاهدين الذين ساهموا في عديد المعارك أيام الاحتلال الإيطالي.

6- عبدالحميد العبار وكما يطلق عليه الطليان «شيخ القبيلة الشاب»، وكان الملك إدريس يناديه بـ«سي عبدالحميد»، ويقول الباحث إن عبدالحميد عندما اُعتُقل بعد انقلاب سبتمبر أبدى أحد رفاقه استغرابه من وجوده في المعتقل وهو رفيق شيخ الشهداء عمر المختار، فقال له العبار: «لا تتعجب يا بني فحتى سيدي عمر المختار لو كان حيًّا لرأيته معنا في غرفة الاعتقال».

7- عبد المجيد الهادي كعبار، دوره كان مهمًّا في حل الأزمة بين مصر ولبنان آنذاك، وأُقيل بسب مشروع طريق فزان.

8- سالم لطفي القاضي، ويروى عنه أنه اشترك في انتخابات ضد الهادي العايب، وعندما فاز العايب ذهب القاضي إلى بيت خصمه العايب وقام بتهنئته بالفوز.

9- مفتاح عريقيب، وكان آخر رئيس لمجلس النواب قبل الانقلاب، وهو الذي ذهب إلى اليونان برفقة العبار، بناء على استدعاء من الملك وفاجأهما الملك بأن قدم لهما رسالة استقالته لنقلها إلى مجلس النواب.

وختامًا، هذا الكتاب مهم ومتميز انصح الجميع بقراءته والاستفادة منه، فهو إضاءه نادرة لمرحلة مهمة من تاريخنا أُهيل عليها الكثير من التراب حتى لتكاد تختفي.


بوابة الوسط | السبت 14 مارس 2020

مقالات ذات علاقة

ضو الشندولي والشيخ العلامة محمد عبدالسلام قاجة

حسين نصيب المالكي

سيرة منصور الكيخيا وقصة اغتياله في كتاب جديد للسنكي

المشرف العام

البحث عن الهوية

إنتصار بوراوي

اترك تعليق