ترجمات

ولكن ما.. بالحقيبة..؟؟

قصة من تأليف : دايفيد رايت .

 

كَانَ السّيد هنري يَنتظرُ طَلَب فطورِه عندما جَلستْ امرأة متوسطة العمر بضفائرِ رمادية إلى جواره. كَان من الواضح أنها إحدى سكرتيراتِ شركةِ المحاماة الواقعة بالشَّارِعِ المقابل، وأنها مثل هنري، في عجلة من أمرها.

“هَلْ لَدَيْكَ مانع إذا جْلسُت هنا؟ “سَألتْ.

“لا، لا… على الإطلاق، “أجابَ هنري . “أنا اعتقد بأن الأمر سخيف إلى حدٍّ ما عندما يَنتظر الناسِ عند الباب بينما توجد كُلّ هذه الكراسي الفارغةِ.”

بعد وقت قصير، وَصلَ فطور المرأةَ، خبز محمص مدهون بالفراولة و القشطة. لم يطلب هنري شيئا بعد. كذلك لم يراها تطلب شيئا. رُبَما كَانتْ من زبائن المطعم الدائمين. مَنْ يَعْرفُ؟ لوّحَ هنري للنادل قبل يُغرق المطعم في فوضى فترة الظهرِ . “أعذرْني. هَلْ لي في بعض البيضَ وشريحة لحم؟ “

 بَدا النادل منُزعَجاً. “هَلْ توَدُّ أن أحضر لك سكين مع طلبك ؟ “

“بالطبع.”

“معظم الناسِ يُفضّلونَ أَكْل بيضِهم مَع سكين وشوكة.” أَخذَ النادل القائمةَ وغادرَ.

نَظرَ هنري إلى المنضدةِ أمامه. كَانَ النادل صادقا. لا توجد لوازم المائدةُ. استعملتها المرأة. ربما أفترض النادل بأنّ هنري متطفّلاً على منضدةِ المرأةَ ولَيسَ العكس، أَو ربما كَانَ عصبيا فقط.

رفعت المرأةُ رأسها من على صحنِها. ” لقد كانَ وقحَا. يَجِبُ أَنْ تَشتكيه إلى المديرِ.”

“لا يَهْمُّ … طالما يَجْلبُ لي بيضَي.” قال مُبتَسَما بتكلّف. “لكنه يُذكّرُني بقصّة أَستعملها لتدريس طلابيُ الكتابة الإبداعية.”

“أوه، أخبرُني من فضلك . أنا أَحبُّ القصصَ.”

” رجل يَدْخلُ إلى مطعم وهو يَحْملُ حقيبة جلدية سوداء. يطلب هامبورجر وقهوة، يَدْفعُ فاتورتَه ويَغادر دون حقيبته. يوقف سيارة أجرة ويُطلب من سائقَها التَوَجُّه للمطارَ. فجأة في منتصف الطريقً، يتذكر الحقيبة فيطلب من سائقَ سيارةَ الأجرة الاستدارة. السائق يُوضّحُ له أنّه لا يَستطيعُ الاستدارة لأنهم في منتصفِ جسر. يَجِبُ أَنْ يَنتظرَ حتى يَصلوا إلى الجانبِ الآخرِ. عندئذ، يخرج الرجل مسدسا ويطلق الرصاص على نفسه.”

“يا لها من قصّة مروّعة! “

“نعم. إذا تُعمقت في الموضوع، لكن الطلاب لا يَأْخذونَ الأمر بكُلّ هذه الجدية. سَتَدهشين لبعض التفسيراتِ اللاتي يَأتونَ بها.”

في تلك اللحظة، وَصلَ النادل . وَضعَ صحنَ البيضِ وشريحة اللحمِ أمام هنري وابتسم. “هاك السكين. ولقد جَلبتُ لك شوكة أيضا. تمتّعْ بالأكل”.

هذا المرة، بالكاد لاحظتْ المرأةَ النادلَ .

“مثل ماذا؟ ” قالت.

“منظر الأكل جميل… عفوا …ماذا..آه ..أتعني القصة ؟ أوه، نعم. القصّة.”

بَدأَ هنري بتَقطيع بيضِه.

“حَسناً حقيبة رجل أعمال، تلك واحدة. الرجل كَانَ يَتوجّهُ إلى مقابلةِ هي الأكثر أهميةً في حياتِه و نَسى ملخَّصَ مشروعه . لَيسَ بالضبط أحسن الإجابات” قضم هنري بيضِه. “خاتم خطوبة. هذه فكرة رومانسية، لكن التفاصيلَ ضبابية إلى حدٍّ ما. المال. ذلك دائماً رهان جيد. كان لدى الرجل مليون دولار في حقيبتِه وأدرك بأن المال سيسرق قَبْلَ أَنْ يعود.” أَخذَ هنري قضمة أخرى. “بَعْض الطلابِ يَجيئونَ بالأجوبةِ الأكثرِ تجريديةً مثل الحبِّ والسعادةِ. الكرامة. ليست ردود سيئة.”

مَسحَ هنري فَمّه بالمنديلِ. “أوراق الامتحان النهائيِ. أضاعها المعلّم بعد أن أنفق ثلاثون ساعةَ في تصحيحهن. ذاك جوابي المفضّل.” قال ضاحكا .

فجأة تَوقّفَ ورفع إصبعَه. ” قنبلة نووية، ذلك الجوابُ الأوّلُ، بالرغم من أنّني لا أَتخيّلُ كيف يُمْكِنُ دس قنبلة نووية في حقيبة. لكن ما الذي أَعْرفُه..؟ ” أَخذَ هنري قضمة نهائية مِنْ بيضِه. سالت قطّرتْ صفراء على ذقنِه، لَكنَّه مَسحَها بسرعة حتى لا تراها المرأة . “أترين، القنبلة موصولة بجهاز توقيت يجب تُعطّيلهَ كُلّ عشْرة دقائقِ. أدرك الرجلُ أن الوقت متأخّر جداً للإفْلات، فقرر إنْقاذ نفسه من بؤسَ الانفجار.”

“لكن، لماذا كَانَت لديه قنبلة نووية؟ “

اختفى بيض هنري ، بدأ العَمَل على شريحة اللحمِ . “أوه، هناك الكثير مِنْ الأسبابِ . قتلْ الرئيسَ. قتلْ زوجته السابقةَ. قتلْ طبيبه النفساني،… أَو ربما كانت لديه نزعة انتحارية وهو يُريدُ الخُرُوج مع زوبعة.”

هَزّتْ المرأةُ رأسها. بدت وكأنها فقدت اهتمامها بالفراولة والقشطة. “إذا كنت لا تَمانع فأني أود سؤالك، لماذا تقوم بفعلُ شيءُ مثل هذا؟ “

رفع هنري رأسه و نظر إليها قائلا: ” فعل ماذا ..قتلْ نفسي؟ “

“لا، لا. لماذا تجعل الطلاب يكتبون عن أشياء مريعة مثل هذه ؟ “

أَومأَ هنري رأسه “بالتأكيد ليس لمتعتي الشخصية. صدقيني. لكن للمعضلة جوانب مثيرة. أنها تدفعنا للتفكير حول قيمنا؟ ما الذي يمكن للمرء أن يَمُوتُ من أجله؟ ما الذي لا نستطيع العيش دونه؟ “

“وما علاقة ذلك بسلوك نادلِنا الوقح؟ “

“آه… أنها المظاهر الخَادْعة. النادل أصدر حكما خاطئا علي. الناس يا سيدتي مثل حقيبةِ الرجلَ. لا يمكن لنا أن نعلم ما الذي بداخلهم.” حَشا هنري القطعة الأخيرة من اللحمِ في فَمِّه. “أنت مثلا….. قد تكونين جاسوسة من الطراز الأول فيما أعلم. .”

بَدتْ المرأة مُهَانةً. “أُطمأنُ يا سيدي لَسْتَ كذلك.”

هنري مُبتَسَم. “بالطبع لا.”

بَدتْ المرأة غير مقتنعةَ. “لكن، ما الجواب الصحيح؟ “

طافت عيون هنري بأرجاء المكان وبدا كمن يبحث عن شيئا ما ثم قال “قهوة.” نَظرَ إلى صحنِه الفارغِ.

“أرغبَ في قليل من القهوة، و لكن للأسف لا وقتَ لدي. عموما شكراً للمحادثةِ. علي أَنْ أَسرع.”

وَضعَ هنري بَعْض المالِ على المنضدةِ ونهض واقفا ، واتجه صوب الباب.

“…انتظر… انتظر دقيقة.” صاحت المرأة.

نَظرَ هنري للوراء، مندهشا.

” . . حقيبتكَ… لا تنسى حقيبتك.” أشارتْ المرأة إلى الحقيبة دون رغبة في لمَسّها.

“أوه حقيبتي…. كنت سأَقْتلُ نفسي لو تَركتُها ورائي.” قال ضَاحكَا.

 لَمْ تشاركه المرأة الضحك.

مقالات ذات علاقة

أكون سعيداً

عاشور الطويبي

قصائد للشاعر الإيرلندي ماثيو سويني

عاشور الطويبي

خيارات متعددة

مأمون الزائدي

اترك تعليق